أجهر بذكر الله منفردًا وأخفض صوتي به أمام الناس، فهل ذلك رياء؟

2026-02-01 01:08:56 | إسلام ويب

السؤال:
السلام عليكم.

أود استشارتكم -بارك الله فيكم- أنني عندما أكون بمفردي أذكر الله تعالى بصوت مرتفع، وتأتيني أفكار أن الجن حولي، وعندما أكون في المسجد، وأذكر الله تعالى تأتيني أفكار عن الرياء، وعندما أكون في العمل، أو في السيارة، أو مع الناس في أي مكان أذكر الله تعالى في نفسي بصوت منخفض؛ لأنني أستحي أن أذكر الله تعالى أمامهم بصوت عالٍ، فهل يعد ذلك نفاقًا ورياءً؟ وهل فيه سوء أدب مع الله تعالى؟

أرشدوني جزاكم الله خيرًا.

الإجابــة:

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ أبو عمر حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

أهلاً بك في موقعك إسلام ويب، ونسأل الله أن يحفظك، وأن يرعاك، وبعد:

فما تصفه هذا ليس نفاقًا، ولا رياءً، ولا سوء أدب مع الله، بل هو صورة واضحة من صور الوسوسة التي تتلون بحسب المكان والحال، ولو كان في قلبك رياءً أو نفاقًا لما أقلقك هذا السؤال أصلًا؛ لأن الرياء الحقيقي لا يقلق صاحبه، ولا يؤلمه، بل يستريح إليه، ويفرح به، وأنت على العكس تمامًا، تخاف أن تكون قد قصرت، أو أسأت الأدب مع الله، وهذا بذاته علامة حياة قلبٍ لا موته.

ودعنا نضع قاعدةً شرعيةً مهمةً جدًا:
العمل الواحد قد يتغير حكمه باختلاف القصد، والحال، والمكان، وليس كل اختلاف في الهيئة، أو الصوت، أو العلن، أو الخفاء دليل على رياء أو نفاق، بل هذا من فقه الدين، وفهم النفس البشرية؛ فالنبي -صلى الله عليه وسلم- نفسه كان يذكر الله سرًا وجهرًا، وكان الصحابة كذلك، ولم يكن الجهر دائمًا أفضل، ولا السر دائمًا أنقص.

كما أن ذكرك لله بصوت مرتفع وأنت وحدك لا إشكال فيه أصلاً، بل هو من الذكر المشروع، وما يأتيك من أفكار عن وجود الجن حولك هو وسواس محض، لا ينبني على دليل شرعي، ولا واقع محسوس، والجن لا يُستحضرون بالذكر، ولا يُستدعون به، بل الذكر حصن وأمان، فلا تجعل الوسواس يقلب المعنى عليك، فالذكر الذي شرعه الله ليكون طمأنينةً لا يصير سببًا للخوف إلا إذا تدخل الوهم.

وأما مجيء أفكار الرياء عند الذكر في المسجد: فهذا من أكثر صور الوسواس شيوعًا؛ لأن الشيطان إذا رأى عبدًا في طاعة جماعية حاول أن يفسدها عليه بالتشكيك في النية، ولو كان الذكر في المسجد رياءً بذاته لما شرع أصلاً، ولما قال النبي -صلى الله عليه وسلم- إن من السبعة الذين يظلهم الله في ظله رجلاً ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه، ولم يقل إن من ذكر الله مع الناس فقد أشرك، بل العبرة بالنية لا بالمكان.

وأما ذكرك لله بصوت منخفض في العمل، أو السيارة، أو بين الناس، وشعورك بالحياء، فهذا ليس حياءً من الله، ولا نقص تعظيم له، بل هو حياء فطري، اجتماعي، طبيعي، راعاه الشرع، ولم يلغه، فالدين لم يأت ليجعل الإنسان غريبًا عن فطرته، ولا مصادمًا للأعراف السليمة، ولهذا قال العلماء إن الذكر يكون سرًا إذا خشي الإنسان التشويش، أو لفت الأنظار، أو عدم المناسبة، ويكون جهرًا إذا كان أنفع للقلب، وأجمع له.

الرياء ليس في خفض الصوت، ولا في رفعه، الرياء أن تقصد بعملك نظر الناس وثناءهم، وأنت بحسب كلامك لا تطلب ذلك، بل تخافه، وتهرب منه، وهذا فرق جوهري ينبغي أن تطمئن له، فمجرد ورود فكرة الرياء لا يجعل العمل رياءً، بل لو تركت الذكر خوفًا من الرياء لكنت وقعت في مكيدة أخرى؛ لأن ترك الطاعة لأجل الناس قد يكون لونًا من ألوان الشرك.

أما قولك: بأنك تستحيي أن تذكر الله أمام الناس بصوت عالٍ: فاعلم أنك مأجور بذلك، بل هو في كثير من الأحوال أخلص، وأجمع للقلب، والله سبحانه يعلم ما في الصدور، وقد قال تعالى: "واذكر ربك في نفسك تضرعًا وخيفةً ودون الجهر من القول".

نسأل الله أن يحفظك، وأن يرعاك، والله الموفق.

www.islamweb.net