أحس بتأنيب الضمير بعد وفاة والدتي لأني لم أعمل لها الفحوصات!
2026-02-05 00:24:06 | إسلام ويب
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله
بداية: أشكر كل القائمين على هذه الشبكة، متمنيًا لكم كل التوفيق.
أحس بالذنب تجاه والدتي التي توفيت منذ قرابة شهر، ولا أستطيع أن أتوقف عن التفكير فيها، أمي كانت تعاني من تلف في الرئة بسبب أمراض مزمنة قديمة، وأيضًا بسبب فيروس كورونا الذي أصابها منذ خمس سنوات.
في الآونة الأخيرة، عرفت ارتفاعًا في دقات القلب وصعوبة في النوم، أخذتها لطبيب متخصص، عمل لها تخطيطًا مع التحاليل، فكانت النتيجة أن أمورها -ولله الحمد- كلها طيبة، طلب منها فقط أن تغيّر طريقة النوم وتتعايش مع الوضع؛ لأن الأمر له علاقة بالرئة، لكن القلب وكل شيء سليم -ولله الحمد-.
قبل وفاتها بأسبوعين تقريبًا، أصيبت بنزلة برد، لكن دون سعال أو حمى، إلا أن الأكسجين عندها انخفض قليلًا، اعتقدنا أن الأمر يتعلق بالجو البارد، بحكم أنها كانت تسكن في بيت أخي، وقلنا ربما البيت تنقصه التدفئة مما يؤثر سلبًا على صحتها.
أحضرتُ لها بعض الأدوية بعد استشارة الطبيب، اتصلت بي بعد أسبوع، وأرسلتُ زوجتي لتأتي بها، بدأت حالتها الصحية تتحسن ظاهرًا، لكن ما زالت عندها صعوبة في النوم والتنفس، طلبتُ إجراء فحوصات إضافية للتأكد، بعدها أرسلتُ النتائج لطبيبتها، وأيضًا لطبيبة القلب، حيث أظهرت النتائج أن عندها تخثرًا في الدم.
طبيبة القلب نصحتني بأخذها للمستشفى لتأخذ الأدوية الكافية، حيث يظهر أنه فيروس ويحتاج لمراقبة، والطبيبة الخاصة اكتفت بإعطاء دواء عبارة عن حقن لتخفيف الدم، وإبقائها تحت المراقبة في البيت.
في اليوم الموالي، وكان يوم عطلة، أخذتها للمستشفى لإجراء تخطيط القلب وصور الأشعة، وطلبوا مني إبقاءها في المستشفى، لكني لم أكن مرتاحًا لذلك، حاولت الاتصال بطبيبتها الخاصة للاستشارة فلم تُجب.
عدنا بعد ذلك للبيت، وأرسلت النتائج لطبيبتها، الحمد لله، كان التخطيط جيدًا؛ مما طمأننا بخصوص حالة القلب.
في يوم الغد، كانت حالتها تبدو طبيعية، حتى الأكسجين ودقات القلب كانت عادية بالنسبة لها، مساءً تدهورت حالتها بشكل مفاجئ (دقات القلب مرتفعة، أكسجين منخفض) أخذتها للمستشفى، دخلت غرفة الطوارئ ثم العناية المركزة، دخلت في غيبوبة ثم توفيت -رحمها الله-.
الآن وفي كل لحظة أحس بذنب شديد؛ لأني لم أعمل لها فحوصات من قبل، ولم آخذها للمستشفى في نفس اليوم، لكن رأفةً بحالتها النفسية، وأيضًا نظرًا لتجارب سابقة لأصدقائي، تجنّبنا أخذها واكتفينا بعلاجها في البيت.
أحس بالتقصير تجاه أمي وبذنب شديد، هل أنا آثم فيما فعلت؟ وما يلزمني فعله؟
الإجابــة:
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ أبو سلمان حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
مرحبًا بك -أخي الكريم- في استشارة إسلام ويب.
أولًا: عظم الله أجرك بوفاة والدتك، وغفر لها، وجعل ما أصابها كفارةً لذنوبها ورفعةً لدرجاتها، نسأل الله أن يسكنها فسيح جناته.
نشكر لك -أيها الحبيب- تواصلك بالموقع وثقتك فيه، كما نشكر لك تحسسك أيضًا من أن تكون وقعت في تقصير أو ذنب، وهذا مؤشر على حسنٍ في إسلامك، وخوفك من الله تعالى، ونسأل الله تعالى أن يزيدك هدىً وصلاحًا.
ولكن فيما رأينا من عرضك للأحداث التي جرت، والإجراءات التي اتبعتموها في خدمة أمك والقيام بحقها، لم نرَ شيئًا من التقصير، فما فعلته من إبقائها في البيت تلك المدة كان أيضًا بإشارة الطبيبة الخاصة، ولم تفعل أنت ما يظهر فيه الإثم أو التقصير في حق أمك.
لهذا نرى -أيها الحبيب- ألَّا تشغل قلبك بهذه الأوهام، وأن تكون مدركًا تمام الإدراك أن الموت مؤجل في ساعة لا تتقدم ولا تتأخر، كما قال الله في كتابه: {فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ}، وكما قال: {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُّؤَجَّلًا}، فلا يمكن أن يدفع الإنسان الموت عن اللحظة التي قدرها الله تعالى فيها، فكنْ طيب الخاطر مطمئن القلب من هذا الجانب.
وينبغي -أيها الحبيب- أن تحرص الآن على ما فيه النفع والخير، وأن تكون إيجابياً، كما أرشد إلى ذلك رسولنا الكريم ﷺ حين قال: «احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَلَا تَعْجَزْ»، فالآن ينبغي أن تحرص -أيها الحبيب- على الأعمال التي فيها نفع لك ولأُمِّك.
فالإكثار من الاستغفار لأُمِّك ينفعها، والدعاء لها، والتصدق عنها، فهذه هدايا كبيرة جدًّا تقدمها الآن لأُمِّك، وتُدخل عليها الفرح والسرور، فإنها تفرح بذلك في قبرها وتستأنس به، وكذلك تفرح باستغفارك لها يوم القيامة، حين ترى صحيفة أعمالها قد ملئت استغفارًا.
فحاول -أيها الحبيب- أن تصل رحم أُمِّك الآن بعد وفاتها، بالإحسان إليها وهي في قبرها بهذه الأعمال ونحوها، وبصلة الرحم التي لا توصل إلَّا بها، فتصل أرحامها من خالاتك، ونحو ذلك من قرابات أُمِّك، وفي ذلك برٌّ بها بعد موتها.
احرص على أن تكون نافعًا لنفسك ونافعًا لأُمِّك ولمن حولك، واحذر من أن يتسلط عليك الشيطان بالمشاعر السلبية، فإنه حريص غاية الحرص على أن يبقيك دائمًا منغمسًا في الحزن والكآبة، كما قال الله في كتابه الكريم: {إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا}.
فلا تلتفت إلى هذه المشاعر، واعلم أن كل ما أصاب أُمَّك إنما أصابها بقدر الله ولا يمكن أن يتخلف، وقد قال الله تعالى في كتابه الكريم: {مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِّكَيْ لَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ}.
فهذه تسلية من الله -سبحانه وتعالى- لنا على كل ما أصابنا من المكروهات وأن ذلك بقدر سابق ولا يمكن تغييره.
نسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يُقدِّر لنا ولك الخير حيث كان ويُعيننا عليه.