هل لي من توبة بعد أن تعمقت في الرذائل حتى الغرق؟

2026-02-05 01:20:15 | إسلام ويب

السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

كتبتُ قبل عام في موقعٍ وعمري ثمانية عشر ربيعا، أناشد أهل الخبرة؛ كنتُ حينها في ظلام عميق، أكشف عن أفكار كفرية تسكن صدري وميول مريضة تسللت إلى نفسي؛ وذلك لأنني امتلكتُ هاتفاً منذ نعومة أظفاري، فتعرفتُ على أطفال في سني، وقعنا سوياً في حفر الإثم، فأخذتُ من كل واحد أسوأ ما فيه حتى صرتُ أمزج الردى بالردى، وعشتُ على وقعها، لبستُ ملابس أنثوية وخططتُ لمقابلة رجال مستحلين حراماً، وكنتُ على شفا زنى وسوء فعل، ولكني والحمد لله لم أبلغ حد الإحراق، ولم يلمسني رجل، أي لم يقع مني ذلك إلى اليوم.

ومرت ستة أشهر فعدتُ إلى نفس الموقع، لكني عدتُ كافراً محارباً لله، أعلن الإلحاد والضلال صريحاً، وانسلاخي الكامل من الدين، كمن يريد أن يحرق ما تبقى في نفسه.

أعترف اليوم بذنبي كله دون مواربة؛ فقد كفرت بالله تصريحاً قبل أشهر، وتعمقت في الرذائل حتى الغرق، وأدمنت العادة السرية منذ الصغر حتى صرت أسيراً لها، لا أملك زمام نفسي. صاحبتُ سوءاً فانجرفتُ إلى متاهات الفجور حتى صرت ما يُعرف بتصنيف "الولد الأنثوي" (فيمبوي)، حيث أصبحت أميل لارتداء ملابس النساء وتقليدهن في الحركة والكلام.

ظننت الأمر لعباً، ثم تحول إلى سرطان يأكل كياني، وإلى الآن -والحمد لله- لم أزنِ، ولم أقع في فاحشة قوم لوط، ولم تمتد إليّ يد رجل بحال، ولكني قد مارست الرذيلة مع رجال عبر الشاشات والإنترنت، فاقترفت بذلك فاحشة العيون والسمع واليد.

أقف اليوم على باب الرحمن أندب حظي، وأتذكر قول الله: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ ۚ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا)، فإذا تذكرت هذه الآية يصيبني اليأس المقنط، حتى إنني أقول: إنني في أوائل عمري، فإن لم أعش حياتي عبداً لله صادقاً فلا أريد أن أحيا.

ثم أتذكر قوله تعالى: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ)، فتخالجني الأماني، لكن سرعان ما يعود اليأس يغتال فرحتي؛ فلم أعد أعلم ما أنا؟ هل أنا كافر مطرود من رحمة الله لعظيم ذنوبي وقلة حيائي من الله وكفري به؟

أسأل أهل العلم والتجربة: هل يقبل الله توبة شاب في الثامنة عشرة من عمره كفر كفراً بواحاً، وسلم بدنه للرجال، وكاد أن يزني ولم يقع منه ذلك بعد، وإنما وقع فيما دون ذلك عبر الشبكة؟ وهل ثمة أمل حقيقي في أن يبدل الله حالي إلى رجل عفيف كريم؟ فقد بدأت أصلح جسدي بالتمارين، وأجهد نفسي في طلب العفة، لكن خوف الفشل وأن أموت على غير الإسلام يلازمني كظلي.

الإجابــة:

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ لؤي حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبًا بك -ولدنا الحبيب- في استشارة إسلام ويب، نشكر لك تواصلك بالموقع.

وبدايةً: نهنئك -أيها الحبيب- بفضل الله تعالى عليك وتكرمه عليك بأن حبب إليك التوبة وزينها في قلبك، وزين في قلبك الرجوع عن هذا الطريق المظلم الذي كنت قد سلكته.

فنوصيك بشكر نعمة الله تعالى عليك، هذا الرب الرحيم -سبحانه وتعالى- الودود اللطيف الجميل؛ هذا الذي حبب إليك التوبة وزينها في قلبك، رغم كل ما صدر منك، فهذا يدلك -أيها الحبيب- على جمال هذا الخالق -سبحانه وتعالى- ورحمته وبِرِّه وإحسانه، فإن عودك عن ذلك الطريق إلى طريق الله ليس بالأمر الهين، ولكنه بصنع الله تعالى الذي يُقلِّب قلوب العباد كيف يشاء.

فنوصيك -أيها الحبيب- بأن تعرف لله تعالى هذه النعمة وأن تشكره عليها، وأن تعلم أنه أراد بك خيراً؛ فإنه لولا أنه يريد بك الخير ما كان حصل لك ما حصل من الندم والأسف على الماضي، والعزم على إصلاح أحوالك، والتوبة لا تكون من الإنسان ولا تصدر إلَّا بعد أن يكون الله تعالى قد تاب عليه، كما قال الله في كتابه الكريم: ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾.

فاشكر نعمة الله تعالى عليك -أيها الحبيب- ومن شكر هذه النعمة: أن تسعى بجد وعزيمة وبدون تراخٍ ولا تأخير في أن تستوفي أركان التوبة؛ بأن تندم على فعلك الماضي، وتعزم على عدم الرجوع إليه في المستقبل، وتقلع عن الذنوب والسيئات في الحال في الوقت الحاضر.

فإذا فعلت هذا فقد صحَّت توبتك، والتوبة تصح من الذنوب ولو من بعضها، وأي ذنب تتوب منه توبة صادقة، فإن الله تعالى يقبل توبتك، ويغفر ذنبك السابق، ويجعل توبتك كفَّارة له، فقد قال الرسول ﷺ: (التَّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ).

ولا تستعظم أي ذنب -أيها الحبيب- فإن الله تعالى يغفر الذنوب جميعًا ما دام صاحبها قد تاب، وقد تاب الله تعالى على الكفار بأصنافهم حين تابوا إلى الله تعالى؛ تاب على عُبَّاد الأوثان الذين كانوا يعبدون غيره، وتاب على الذين يسبُّونه ويحاربونه فينسبون إليه الولد والزوجة، وتاب على من عاند وقاتل أولياء الله تعالى وقاتل أنبياءه.

فأنت لن تكون ذنوبك أعظم من ذنوب هؤلاء، وقد أحسنت حين أملت بالله تعالى خيرًا، حين قرأت قول الله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾، فهذه الآية نصٌّ واضح صريح بأن الله تعالى يغفر جميع الذنوب مهما كانت إذا تاب صاحبها.

فبادر -أيها الحبيب- إلى استكمال التوبة، وأمل في الله تعالى خيراً؛ فإنه أخبر عن نفسه في كتابه أنه يقبل التوبة عن عباده فقال: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾.

وخير ما نوصيك به الرفقة الصالحة، فحاول أن تتعرف على الرجال الصالحين الطيبين؛ فإنهم خير من يعينك على الاستمرار في طريق التوبة.

واحرص على ما ينفعك، واستعن بالله بالله ولا تعجز -هذه وصية رسولك صلى الله عليه وسلم-، خاصة وقد ظهر لنا من خلال كتابتك أسلوبك الرائع وقلمك السيال، فنم هذه المهارات، وانشغل بمنافعك، وغدا سترى نفسك رقماً مميزاً بإذن الله، والحمد لله فأنت في زهرة الشباب، ولم يفتك شيء بعد، وقد أسعدنا أنك بدأت في برنامج رياضي للاهتمام بجسدك، فالمؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف.

نسأل الله بأسمائه وصفاته أن يُسهِّل لك الخير، وأن يُوفِّقك ويَقيك شر نفسك، ويرزقك الصحبة الصالحة التي تعينك على طاعة الله وتذكرك به.

www.islamweb.net