أمي تنصر عماتنا علينا وتظلمنا..فهل فعلها صحيح؟

2026-02-11 01:44:00 | إسلام ويب

السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أنا فتاة في 25 من عمري، ترعرعت في بيت العائلة مع أعمامي وعمّاتي، وبحكم وفاة جدّي وجدّتي كانت عمّاتي يسكنّ مع والدي في بيت العائلة، وبعد ذلك انتقلنا إلى منزلنا، وانتقلت معنا إحدى عمّاتي.

في السنوات الأولى عشنا في نعيمٍ وهدوء، لكن في الآونة الأخيرة بدأت هذه العمّة تتصرّف تصرّفات غريبة، وتثير المشاكل بيننا دائمًا، فقد ارتدت ببساطة ثوب المسكنة ودور الضحية، وفي أي نقاش لا مجال لتبرير موقفنا؛ فإذا حاولنا تبدأ بالبكاء والدعاء علينا وتوكيل الله ضدّنا بحجّة أنّنا ظلمناها وكذبنا عليها، والله يشهد أنّنا كبشرٍ نبيّن موقفنا وندافع عن أنفسنا.

لقد زاد الأمر عن حدّه في كثير من المواقف، والمشكلة أنّ والدتي -هداها الله- لا ترضى أن تخبر إخوتها بما يحدث، وكلّما حدّثناها عن ظلمها لنا تقول: عيب، هي يتيمة ويجب أن نتحمّلها. لكن للتحمّل حدود، فإلى متى علينا أن نحتمل هذه التصرّفات؟ والأمر في قصّتي أنّنا أصبحنا نشعر أنّ والدتي تعطي اهتمامًا أكبر لعمّاتي منّا، وتمنحهنّ الحقّ في كلّ كلمة أو تصرّف بحجّة اليُتم.

في رأيكم، هل تصرّفها صحيح؟ مع العلم أنّ الله يشهد أنّ الضرر على نفسيّتنا كان كبيرًا، حتى بلغ بنا الأمر أن نشكو إلى الله منها ومن تقصيرها في حقّنا، فما الذي ينبغي أن نفعل في هذا الموقف، وقد تحطّمت نفسيّتي؟

الإجابــة:

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ لينا حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

بدايةً: نشكر لكِ تواصلك وطلب الاستشارة عبر موقع إسلام ويب، وما ذكرتِه يحمل ثلاثة أبعاد متداخلة:
- سلوك العمة: استعمال دور الضحية، والبكاء، والدعاء عليكم، وإغلاق باب الحوار.
- موقف الوالدة: الميل الشديد إلى التسامح معها بدافع الشفقة واليتم.
- أثركِ النفسي: شعور بالظلم والانكسار، وإحساس بتفضيل غير عادل.
وهذا كله مفهوم إنسانيًّا؛ فالإنسان إذا شعر أن صوته غير مسموع، وأن حقه غير محفوظ، تتراكم في داخله مشاعر القهر.

وما تعيشينه نوعٌ من الابتلاء الاجتماعي والنفسي يحتاج إلى قدرٍ من الصبر والبصيرة معًا، ومع ما ذكرتِه من ألمٍ حقيقي وشعورٍ بالضغط، يبقى من المهم أن يُستحضر دائمًا المعنى الكبير الذي يقوم عليه هذا البيت، وهو صلة الرحم.

فالعمة ليست مجرد شخص يختلف معكِ في الطباع، بل هي رحمٌ لها حقٌّ شرعي عظيم، وقد قال الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾، وجعل النبي ﷺ صلة الرحم سببًا لبسط الرزق وطول العمر، وهذا التذكير لا يُقصد به إلغاء ألمك، وإنما توسيع زاوية النظر حتى لا يتحول الخلاف إلى قطيعة قلبية.

وأحيانًا حين تتكرر المواقف المؤلمة، تتكوّن داخل النفس عدسة تفسير سلبية؛ فنصبح نقرأ كل تصرّف على أنه تعمّد للإساءة، وكل كلمة على أنها انتقاص، وهنا تبرز أهمية مراجعة النفس في تفسير ردود الأفعال، هل كل ما صدر كان مقصودًا فعلًا؟ وهل يمكن أن يكون بعضه نتيجة حساسية زائدة، أو سوء فهم، أو فروق في الطباع؟

إن محاسبة النفس لا تعني جلدها، بل تهذيبها؛ فالقلوب إذا امتلأت بتفسير واحد للأحداث ضاقت، وإذا فتحت باب الاحتمال هدأت، كما أن صلة الرحم لا تقتصر على ترك القطيعة الظاهرة، بل تشمل حفظ اللسان من الدعاء، وكفّ النفس عن الحقد، والسعي إلى إبقاء قدرٍ من الاحترام حتى مع وجود الخلاف، وربما كان لكِ في هذا من الأجر ما لا تشعرين به الآن؛ فاحتمال الأذى مع ضبط النفس من مكارم الأخلاق التي يرفع الله بها الدرجات.

وفي المقابل، يبقى العدل قيمة لا يُتنازل عنها، غير أن الوصول إليه لا يكون دائمًا بالمواجهة المباشرة، بل أحيانًا بحسن الظن، وتغيير طريقة الاستجابة، وإعادة ضبط توقعاتنا من الآخرين.

ليس مطلوبًا أن تبرّري الخطأ، ولكن المطلوب ألَّا تجعلي الألم يغيّر صفاء قلبك أو يدفعك إلى تأويل كل تصرّف تأويلًا سلبيًّا.

ومع والدتك، اختاري وقتًا مناسبًا لتعبّري عن احتياجك للدعم بلغة هادئة خالية من الاتهام، فاجعلي ميزانكِ قائمًا على ثلاثة دعائم: حفظ حق الرحم، ومراجعة النفس في تفسير الأحداث، والسعي إلى الإصلاح بقدر المستطاع، دون أن تحمّلي نفسك ما لا تطيق، وإذا صدقت النية في الإصلاح، أعان الله القلب، وهدّأ النفوس، وكتب لكِ أجر الصابرين الواصلين.

نسأل الله أن يصلح ذات بينكم، ويؤلف بين قلوبكم، ويجعل في بيتكم سكينة ورحمة.

www.islamweb.net