علاقتي بأبي غير سوية بسبب تعامله وعصبيته، فما النصيحة؟

2026-02-09 03:15:47 | إسلام ويب

السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أريد أن أعلم رأي الدين وحكمه في علاقتي بأبي؛ يشهد الناس له بالصلاح، غير أنّه لا يحترم أمّي، ويرى أنّ المرأة خُلقت لخدمة الرجل، وكلّ ما بيني وبينه أنّه ينفق عليَّ وعلى دراستي، وأنا أتعلم وأنجح تقديرًا لنفقته ورغبته.

أقصد أنّه لا توجد علاقة بيننا منذ صغري، وبسبب عصبيّته واستسهاله الانتقاص ممّن حوله والإساءة إلى أمّي، أشعر أنّني أرغب في البُعد عنه وعدم سماع صوته؛ إذ بداخلي ثِقل تجاه قربه، وربما ذلك لأنّه لا يحترم المرأة ويرانا ناقصين، أو لأنّه يرى دوره في الإنفاق فقط، أو لأنّه لا يُبالي برغباتنا في شيء، وربما لأنّ شخصيّته ومعتقداته متعارضة معي، ويُتعبني التعامل مع أمثاله. لا أدري السبب الحقيقي، ولكن هذا هو الواقع.

الآن أشعر أنّني لا أستطيع التواجد في مكانٍ هو فيه؛ ربما بسبب أنّ صوته مرتفع بطبيعته، وقد أصبحتُ لا أحتمل علوّ الأصوات من حولي، وربما بسبب التراكمات، لا أدري أيضًا.

فأرجوكم أفيدوني: هل ما بداخلي تجاهه سوف أُحاسب عليه؟ وإن كانت هناك محاسبة، فكيف أصلحه؟ ليس بيني وبينه شيء أصلحه، إذ إنني لا أتعامل معه إلَّا بدافع وجود أمّي وأختي الكبيرة، كما أنّني أخافه وأخاف غضبه، وأيضًا تربّيتُ على مهابته، لذلك لا أفتح معه حوارًا، فكيف تكون المصلحة؟ وفي ماذا أصلح؟

آسفة على الإطالة.

الإجابــة:

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ أمة الله حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

أهلًا بكِ في موقعكِ إسلام ويب، ونسأل الله أن يربط على قلبكِ، ويجمع لكِ بين البر والراحة، وأن يرزقكِ حكمةً وسكينةً لا يضيق معها صدركِ. وجميعنا نجيبكِ من خلال ما يلي:

1- ما تشعرين به من ثقل أو نفور داخلي دون أن يكون له أثر ظاهر في التعامل؛ لا يؤاخذ عليه الإنسان ما دام خارجًا عن اختياره، فالمحاسبة تكون على الأقوال والأفعال المقصودة، لا على المشاعر التي تنشأ في القلب بغير إرادة، وقد قال الله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾، فمجرد الإحساس بالتعب أو الضيق أو الرغبة في البعد ليس ذنبًا في ذاته، بل هو أثر تراكمات وتجارب نفسية تحتاج إلى فهم ورفق وعلاج.

2- في الوقت نفسه يبقى بر الوالدين واجبًا ثابتًا، حتى لو وقع منهما تقصير أو قسوة أو خطأ، لأن البر عبادة مستقلة لا ترتبط بكمال تصرفات الوالدين، قال الله تعالى: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾، وقال سبحانه: ﴿وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾، فالواجب هو الإحسان والاحترام وحفظ المقام، حتى وإن أساؤوا؛ لأن العلاقة بين الأب وولده ليست مقايضة.

3- من المهم كذلك التفريق بين البر وبين القرب العاطفي، فليس واجبًا عليكِ شرعًا أن تكوني الأقرب إليه فكرًا أو عاطفةً، بل المطلوب ألا يقع منكِ أذى أو إساءة أو قطيعة ظاهرة، وقد يجتمع البر مع مسافة نفسية تحفظ سلامة الإنسان من الأذى، وهذا ليس عقوقًا ما دام قائمًا على الاحترام وعدم الإساءة.

4- من الحكمة أن تفهمي أن ما تشعرين به غالبًا نتيجة تراكمات طويلة من الخوف والتوتر وعلو الصوت والشعور بعدم الأمان؛ وهذا يترك أثرًا نفسيًّا طبيعيًّا يجعل الإنسان يتجنب مصدر التوتر دون أن يقصد العقوق، فالنفس تحاول حماية نفسها، وليس في هذا إثم.

5- المساحة التي يفتحها الشرع هنا مساحة واسعة تجمع بين البر دون ضرر، فالبر واجب حتى لو أخطأ الوالد أو قسا، وإصلاح العلاقة لا يعني بالضرورة حوارات عميقة أو مواجهة مباشرة إن كنتِ تخافين ذلك.

الإصلاح قد يكون بأمور بسيطة: حسن الكلام، الدعاء له، خفض الصوت عند مخاطبته، السؤال عنه، شكره على نفقته ورعايته لكم وبذله ما يقدر عليه، تجنب الجدال، هذه كلها من البر وإن بقيت المسافة العاطفية كما هي في البدايات.

خلاصة الأمر أن ما في داخلكِ لا تؤاخذين عليه، والواجب عليكِ هو الاستمرار في البر بلا إساءة، مع محاولة تفهم طبيعة الوالد وبيئته التي منها خرج وسنه الحالي، والمسامحة في الأخطاء الواقعة، مع الدعاء بأن يصلح الله ما بين القلوب ويبدل الألم سكينةً.

نسأل الله أن يشرح صدركِ، ويؤلف بين قلبكِ وقلب والدكِ على خير، وأن يرزقكِ البر دون مشقة، والراحة دون تقصير، والله الموفق.

www.islamweb.net