أدمنت المواقع الإباحية والهاتف ووقتي يضيع، فماذا أفعل؟

2026-02-11 03:25:21 | إسلام ويب

السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أعاني من عدّة أنواع من الإدمان، وهي ليست إدمان الكحول أو المخدّرات -لا قدّر الله- وإنما إدماني يتمثّل في قضاء وقت طويل على الهاتف، حتى أصبح الأمر أشبه بالإدمان، فكيف أتخلّص منه؟

كما أنّني أتابع كثيرًا النساء والمواقع الإباحية، وبصراحة أريد أن أترك هذا كلّه؛ فقد أصبحت أشعر بالغمّ، وأرى أنّ مستواي الأكاديمي قد تراجع، وضعفت ذاكرتي، وقلّ إنجازي.

وأريد أيضًا أن أعرف: كيف يمكنني زيادة نشاطي وتقليل نومي؛ إذ إنّ نومي لا يعجبني، فأنا أنام من الثالثة بعد منتصف الليل حتى الثانية ظهرًا، وأستيقظ فقط لأداء صلاة الفجر في وقتها، ثم أشعر أنّ يومي قد ضاع وفقدت معظم وقت الإنجاز.

كيف يمكنني أن أصبّر نفسي على الدراسة والالتزام بما هو مفيد؟ وكيف أستطيع أن أبرّ والديّ مع أنّني عصبيّ وفظّ في حديثي معهما، وهو أمر خاطئ أكرهه في نفسي وأريد تغييره؟ فما هي النقطة الصحيحة للحديث معهما؟

الإجابــة:

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ عبد الله حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

نشكركَ على تواصلك معنا، وثقتك بموقعنا.

فهمنا من رسالتك -أخي الكريم- أنك تعاني من عدة مشكلات مترابطة، وما يلفت الانتباه في رسالتك هو وعيك العميق بهذه المشكلات، ورغبتك الصادقة في التغيير، وهذا بحد ذاته نعمة عظيمة ومؤشر إيجابي على قوة إرادتك الكامنة، إذ إن إدراك المشكلة هو أول خطوة نحو الحل، وقد قطعت هذه الخطوة بالفعل.

أخي الفاضل: ما تمر به ليس بالأمر الفريد أو الغريب، بل هو من ابتلاءات هذا العصر الذي كثرت فيه المغريات والفتن، وانتشرت فيه وسائل التواصل والمحتوى الرقمي بشكل لم تشهده البشرية من قبل، يقول الله عز وجل في محكم كتابه: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ}، وأنت قد بدأت فعلًا في محاولة التغيير بطلبك للمساعدة.

دعنا ننظر إلى هذه المشكلات من منظور شامل ومتكامل، فهي ليست منفصلة عن بعضها البعض، بل هي حلقات متصلة في سلسلة واحدة.

إدمان الهاتف والمحتوى المحرم يؤدي إلى اضطراب النوم، واضطراب النوم يؤثر على الأداء الأكاديمي والذاكرة، وضعف الإنجاز يولد الإحباط والضيق، وهذا بدوره يؤثر على تعاملك مع والديك؛ إذًا: نحن أمام منظومة متكاملة تحتاج إلى معالجة شاملة ومتدرجة.

أولًا -أخي الكريم-: إن ما تصفه بالإدمان هو في الحقيقة تعلق ضارٌّ بهذه الأشياء، وهو يشبه في طبيعته الإدمان الحقيقي من حيث آثاره على الدماغ، فالمحتوى الإباحي خاصة يفرز مواد كيميائية في الدماغ تشبه تأثير المخدرات، وهذا يفسر صعوبة التوقف عنه، ولكن الفرق الجوهري هنا أن إدمان المخدرات يحتاج إلى تدخل طبي مكثف، بينما ما تعاني منه يمكن التغلب عليه بالإرادة الصادقة، والخطوات العملية المدروسة.

من الأمور التي سوف تعينك بإذن الله تعالى ما يلي:
- ابدأ بالدعاء والالتجاء إلى الله عز وجل، فهو القادر على تغيير القلوب وتثبيتها، كان النبي ﷺ يكثر من قوله: «يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ»، اجعل من دعائك في السجود وفي الثلث الأخير من الليل أن يعينك الله على ترك هذه المعاصي.

- احذف التطبيقات والمواقع الإباحية من هاتفك نهائيًا، وضع حواجز تقنية تمنعك من الوصول إليها، يمكنك استخدام برامج حجب المواقع الإباحية، أو حتى إعطاء كلمة المرور لشخص تثق به.

- تذكر قول الله تعالى: {وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا}، فالله لم يقل لا تزنوا فقط، بل قال لا تقربوا، أي ابتعد عن كل ما يقربك منه.

- اجعل هاتفك في مكان بعيد عن سريرك عند النوم، وضعه في الصالة أو في غرفة أخرى، هذا سيساعدك على النوم مبكرًا وعلى تقليل استخدامه بشكل عام.

- حدد أوقاتًا معينة لاستخدام الهاتف، واجعلها مرتبطة بالصلوات، مثلًا بعد صلاة الظهر لمدة نصف ساعة، وبعد صلاة المغرب لمدة نصف ساعة، وخارج هذه الأوقات يكون الهاتف بعيدًا عنك، أو في وضع عدم الإزعاج.

- ابحث عن بديل صحي يملأ وقتك، اقرأ القرآن، مارس الرياضة، تعلم مهارة جديدة، اقرأ كتبًا مفيدة، اخرج مع الأصدقاء الصالحين، إن النفس إن لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل.

- احرص على صيام التطوع، فهو يكسر حدة الشهوة ويقوي الإرادة، قال النبي ﷺ: «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ».

ثانيًا: إن نظام نومك الحالي هو في الحقيقة نتيجة مباشرة لاستخدام الهاتف في أوقات متأخرة من الليل، فالضوء الأزرق المنبعث من الشاشات يثبط إفراز هرمون الميلاتونين (Melatonin) المسؤول عن النوم، وهذا يجعلك تبقى مستيقظًا حتى ساعات متأخرة جدًا.

من الأمور التي ستساعدك على تصحيح نظام نومك:
- التزم بالنوم بعد صلاة العشاء مباشرة أو في غضون ساعة منها على الأقل، هذا هو هدي النبي ﷺ الذي كان يكره النوم قبل صلاة العشاء والحديث بعدها، ابدأ تدريجيًا، فإن كنت تنام الساعة الثالثة، حاول أن تنام الساعة الثانية لمدة أسبوع، ثم الساعة الواحدة، وهكذا حتى تصل إلى النوم بعد العشاء.

- اجعل هدفك أن تستيقظ لصلاة الفجر ولا تعد للنوم بعدها، إن صلاة الفجر في وقتها والبقاء مستيقظًا بعدها هو المفتاح الحقيقي لتغيير نظام نومك، قال النبي ﷺ: «بُورِكَ لِأُمَّتِي فِي بُكُورِهَا».

- جرب أن تستيقظ للفجر وتبقى مستيقظًا لمدة ساعة على الأقل، اقرأ القرآن، اذكر الله، أو ادرس، وستجد أن البركة تحل في يومك كله.

- تجنب القيلولة الطويلة نهارًا، فهي تزيد من صعوبة النوم ليلًا، إن كنت تحتاج للقيلولة فلتكن قصيرة، ما بين عشرين إلى ثلاثين دقيقة فقط بعد صلاة الظهر.

- مارس الرياضة بانتظام، وليكن ذلك قبل صلاة المغرب بساعتين على الأقل، فالرياضة تساعد على تنظيم الساعة البيولوجية وتحسن جودة النوم.

أمَّا عن ضعف الذاكرة والإنجاز الأكاديمي، فهو نتيجة مباشرة لما سبق، إن الدماغ يحتاج إلى الراحة الكافية والتغذية الصحيحة لكي يعمل بكفاءة، وإن الانشغال بالمحرمات يشتت الذهن ويضعف التركيز، يقول الإمام الشافعي رحمه الله:
شَكَوْتُ إلَى وَكِيعٍ سُوءَ حِفْظِي *** فَأرْشَدَنِي إلَى تَرْكِ المَعَاصِي
وَأخْبَرَنِي بأَنَّ العِلْمَ نُورٌ *** ونُورُ اللهِ لا يُهْدَى لِعَاصِي

فإذا تركت المعاصي وأصلحت نومك وأكثرت من الدعاء؛ فستجد أن ذاكرتك تتحسن بإذن الله تعالى.

ثالثًا: في مسألة الدراسة والالتزام بما هو مفيد:
إن تصبير النفس على الدراسة والالتزام يحتاج إلى أمرين أساسيين:
- الأول هو وضوح الهدف والغاية.
- والثاني هو تقسيم المهام الكبيرة إلى مهام صغيرة يسهل إنجازها.

اسأل نفسك:
- لماذا أدرس؟
- ما هو هدفي من هذه الدراسة؟
- هل هو لإرضاء الوالدين فقط؟ أم لتحقيق طموح شخصي؟ أم لخدمة المجتمع والأمة؟

إن النية الصالحة والهدف الواضح يعطيان للإنسان الدافع القوي للاستمرار حتى في أصعب الظروف، قال النبي ﷺ: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى».

- اجعل طلب العلم عبادة تتقرب بها إلى الله، إن طلب العلم النافع من أفضل العبادات، فإذا نويت بدراستك أن تنفع نفسك وأهلك ومجتمعك وأمتك، فإن كل دقيقة تقضيها في الدراسة تكون في ميزان حسناتك.

- قسِّم دراستك إلى فترات قصيرة ومركزة، استخدم تقنية البومودورو (Pomodoro) مثلًا:
- ادرس لمدة خمس وعشرين دقيقة متواصلة بتركيز كامل، ثم خذ استراحة قصيرة لمدة خمس دقائق، ثم كرر، هذا أفضل بكثير من الدراسة لساعات طويلة مع التشتت.

- اربط أوقات دراستك بالصلوات، مثلًا بعد صلاة الفجر حتى الساعة الثامنة صباحًا، ثم بعد صلاة الظهر لمدة ساعتين، ثم بعد صلاة المغرب لمدة ساعتين، هذا يعطيك هيكلًا منظمًا ليومك.

- كافئ نفسك عند إنجاز أي مهمة دراسية، لا تنتظر حتى تنجز كل شيء، بل احتفل بالإنجازات الصغيرة، فهذا يحفز الدماغ على الاستمرار.

رابعًا: في مسألة التعامل مع الوالدين:
أخي الكريم: لقد هزتنا عبارتك وأكرهه في نفسي وأريد تغييره، فهذا دليل على حسن خلقك الأصيل ورغبتك في البر بوالديك، إن الوالدين لهما مكانة عظيمة في الإسلام، يقول الله عز وجل: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا}.

إن عصبيتك وفظاظتك مع والديك ليست نابعة من قلبك الأصيل، بل هي نتيجة الحالة النفسية التي تمر بها، إن الشعور بالذنب، وضعف الإنجاز، واضطراب النوم، كل هذه الأمور تجعل الإنسان عصبيًا سريع الغضب. إذًا الحل الجذري يبدأ بإصلاح ما سبق ذكره.

ولكن هناك خطوات عملية فورية يمكنك البدء بها الآن:
- قبل أن تتحدث مع والديك، خذ نفسًا عميقًا وتذكر فضلهما عليك.
- تذكر كم سهروا من أجلك، وكم تعبوا في تربيتك، وكم أحبوك، هذا التذكر يلين القلب ويهدئ الأعصاب.

- إذا شعرت بالغضب أو العصبية، فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم، وتوضأ إن استطعت، أو اجلس إن كنت واقفًا، أو اضطجع إن كنت جالسًا، قال النبي ﷺ: «إِنَّ الْغَضَبَ مِنَ الشَّيْطَانِ، وَإِنَّ الشَّيْطَانَ خُلِقَ مِنَ النَّارِ، وَإِنَّمَا تُطْفَأُ النَّارُ بِالْمَاءِ، فَإِذَا غَضِبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَتَوَضَّأْ».

- اعتذر لوالديك عن كل مرة أسأت فيها إليهما، قل لهما بصراحة: "أنا آسف على سوء تعاملي معكما، وأنا أحبكما وأقدر كل ما فعلتماه من أجلي، وأعدكما بأنني سأحاول تحسين تعاملي معكما"، إن الاعتذار يحتاج إلى شجاعة، وهو علامة على قوة الشخصية لا ضعفها.

- حاول أن تقدم لهما شيئًا يفرحهما كل يوم، حتى لو كان بسيطًا: ابتسامة، كلمة طيبة، مساعدة في عمل بيتي، شراء شيء يحبانه، إن الأعمال الصغيرة المتكررة تبني علاقة قوية ومتينة.

- اجعل من دعائك لهما عادة يومية، قل بعد كل صلاة: رب اغفر لي ولوالدي وارحمهما كما ربياني صغيرًا، إن الدعاء لهما يزرع في قلبك محبتهما ويجعلك أكثر رقة في التعامل معهما.

أخي الكريم: كل ما ذكرناه من نصائح هو في إطار الإرشاد العام، ولكن إذا وجدت صعوبة كبيرة في تطبيق هذه النصائح، أو إذا استمرت المشكلات لفترة طويلة، فلا بأس من استشارة أخصائي نفسي مؤهل.

إن طلب المساعدة ليس ضعفًا، بل هو حكمة وقوة، وهو من الأخذ بالأسباب التي أمرنا الله بها.
إن الأخصائي النفسي يمكن أن يساعدك في وضع خطة علاجية متدرجة ومناسبة لحالتك، وقد يكشف عن أسباب نفسية عميقة تحتاج إلى معالجة.

أخي الحبيب: إن الطريق إلى التغيير ليس سهلًا، ولكنه ممكن بإذن الله، إن كل يوم يمر عليك هو فرصة جديدة للبدء من جديد. لا تيأس إذا انتكست مرة أو مرتين أو حتى مئة مرة، فالمهم أن تستمر في المحاولة، يقول الله عز وجل: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ}، التائب هو من يعود إلى الله مرة بعد مرة، حتى لو أخطأ مرة بعد مرة.

ابدأ من اليوم، بل من الآن، لا تؤجل التغيير إلى الغد أو إلى بداية الأسبوع أو بداية الشهر. ابدأ بخطوة صغيرة واحدة الآن: احذف تطبيقًا محرمًا من هاتفك، أو اعتذر لوالديك، أو صلِّ ركعتين لله، أو اقرأ صفحة من القرآن. إن الخطوة الأولى هي الأصعب، ولكنها أيضًا الأهم.

نسأل الله أن ييسر أمرك، وأن يشرح صدرك، وأن يهديك سواء السبيل.
نسأل الله أن يعينك على ترك المعاصي، وأن يرزقك القوة والإرادة على تغيير حياتك إلى الأفضل.
نسأل الله أن يبارك لك في وقتك وفي علمك وفي صحتك، وأن يجعلك بارًا بوالديك محبًا لهما محبوبًا عندهما.
نسأل الله أن يثبتك على الطاعة وأن يجنبك المعاصي، وأن يجعلك من عباده الصالحين.

والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.

www.islamweb.net