رفضت العمل فتم فصلي..فهل جنيت على نفسي أم هذا قدري؟
2026-02-14 23:23:25 | إسلام ويب
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
كنتُ موظفًا، وصدر قرار بتكليفي بعملٍ آخر يتضمّن مسؤوليات وعُهدة، فتخوّفتُ من استلامه ورفضت، فتمّ فصلي، مع أنّ حدوث ذلك كان مستبعدًا.
رفعتُ دعوى قضائية، وكان الجميع يتوقّع صدور حكمٍ بإعادتي وإلغاء القرار التعسّفي، لكن الدعوى رُفضت.
والآن ألوم نفسي لأنني تسبّبتُ في قطع رزقي، ومن حولي يلومني ويقول: كان عليك أن تفعل، والصراع الداخلي ينهكني: هل كان ذلك مقدّرًا، ولم يكن لي رزقٌ في ذلك المكان وفي ذلك الوقت، أم أنّني جنيتُ على نفسي؟
الإجابــة:
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ هشام حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
مرحبًا بك -أخي الكريم- ونشكر لك ثقتك باستشارات إسلام ويب، وردًّا على سؤالك أقول لك الآتي:
أولًا: الاستسلام لأمر الله وقضائه صفة المؤمنين وطريق السعداء الموقنين، وفي صحيح مسلم يقول ﷺ: «ذَاقَ طَعْمَ الْإِيمَانِ مَنْ رَضِيَ بِاللَّهِ رَبًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ ﷺ رَسُولًا».
ولا بد أن تعلم -أخي الكريم- أن الله أرحم بنا من أمهاتنا، وأن الله هو العليم فيعلم ما يصلح عبده وما يضره، والعبد جاهل لا يرى إلا ما تحت قدميه، فلا بد لك من التسليم لقضاء الله وقدره، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾، وقال تعالى: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾، وقال تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾، وفي صحيح مسلم قال رسول الله ﷺ: «إِنَّ اللهَ قَدَّرَ مَقَادِيرَ الْخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ».
واعلم -أخي الكريم- أن الذي يرضى بقضاء الله وقدره فإن الله يملأ قلبه سعادةً وسرورًا ورضًا، أما الذي يتسخط ويعترض فسيعيش في شقاءٍ.
ثانيًا: في الحقيقة لعلك جانبت الصواب في عدم استلامك العمل الآخر الذي كُلِّفت به من قِبَل العمل، فالموظف إذا أُسند إليه عمل آخَر، أو طُلب منه الانتقال إلى عمل آخَر من نفس الوظيفة؛ فعليه تقبُّل ذلك، حتى يحافظ على وظيفته، ولا داعي للرفض الذي قد يقود إلى الاستغناء عنه كما حدث لك، بل إن ذلك أدى حتى إلى رفض الدعوى القضائية.
فأحيانًا تسير الأمور على عكس ما يريده الإنسان، وكون الإنسان يتخوف من استلام العمل لأنها مسؤولية لا داعي لذلك ما دام أن العمل مباح وفي نطاق الوظيفة، والحياة دروس فاستفد من هذه التجربة.
ولكن مع ذلك كله لا داعي للحزن والصراع الداخلي، فهذا الأمر لا بد أن تقابله بالرضا لقضاء الله وقدره، مع بذل الأسباب: إمَّا بالسعي للعودة إلى عملك الذي فقدته عبر تقديم طلب استعطافٍ إلى المسؤول لإعادتك ومنحك فرصةً أخرى، أو بالبحث عن عملٍ آخَر ومصدرٍ آخَر للرزق.
لا يعني فصلك عن العمل انقطاع رزقك، فالرزق بيد الله تعالى، فإن العباد إذا أغلقوا بابًا فتح الله أبوابًا، وفي الحديث يقول النبي ﷺ: «إِنَّ رُوحَ القُدُسِ نَفَثَ فِي رُوعِي أَنَّ نَفْسًا لَنْ تَمُوتَ حَتَّى تَسْتَكْمِلَ رِزْقَهَا، فَاتَّقُوا اللَّهَ، وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ» (صححه الألباني).
ثالثًا: أرى والله أعلم عدم لوم النفس وأيضًا عدم اللوم ممن حولك، فينبغي أن يتركوا هذا اللوم كما جاء في الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: «احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلَا تَعْجَزْ، وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ، فَلَا تَقُلْ لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ قَدَرُ اللَّهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ، فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ».
وبدلًا من اللوم وشدة التفكير والصراع الداخلي افتح صفحةً جديدةً، وأقبل على الله تعالى، وأكثر من الاستغفار، وفوض أمرك إلى الله تعالى، وعليك بالإكثار من قول: "لا حول ولا قوة إلا بالله"، فإنها كنز من كنوز الجنة، وعليك بفعل المأمور وترك المحظور والصبر على المقدور، وسترى خير الأمور.
أسأل الله -سبحانه وتعالى- اللطيف الرحمن أن يلطف بك، وأن يسهل أمورك، وأن يخلف عليك بخير، اللهم آمين.