أشعر بحرقة في قلبي عند ذكر أشخاص معينين ونجاحاتهم!
2026-02-15 23:31:26 | إسلام ويب
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أنا صاحبة استشارة سابقة، وقد أفادني جوابكم جزاكم الله خيراً.
لديّ موضوع يؤرقني جداً، كنت أتجاهله، ولكن حدث موقف أحسست معه أني أرتكب ذنباً، وهذا الموقف تكرر مرتين في حياتي، ومع ذلك يأخذ حيزاً كبيراً من تفكيري، هو عبارة عن شعور لا أستطيع وصفه تماماً.
عند وقوع بعض المواقف أشعر بحرقة في القلب وقد تصل إلى البطن، وكأن داخلي يحترق، تزدحم الأسئلة في عقلي ولا أستطيع السيطرة عليها، فأحاول التفكير في شيء آخر، وأحاول الهروب من الأشخاص المعنيين، وأدعو الله ألا أراهم، وعند ذكر إنجازاتهم ونجاحاتهم أشعر بالمشاعر نفسها، وأقول في نفسي: "لماذا هذا التعظيم؟ هم بشر"، وأغيّر الموضوع، وعند ذكر أخطائهم أصمت ولا أدافع عنهم، هذا ما أشعر به، وما أخاف منه أن يكون حسداً أو غيرة.
الموقف الأول يتعلق بامرأة وابنتها، وهما جارتانا، وهما أول من أشعر تجاههما بهذه المشاعر.
لا أعلم لماذا يحدث هذا! هما ناجحتان وتعيشان أحلامي، والناس يقدّرونهما ويحبّونهما، الأم غالباً ما تقارنني بابنتها، لكنّي لا أهتم كثيراً بذلك، إلا إن داخلي في تلك اللحظات يصبح كأنه ساحة حرب لا أستطيع الخلاص منها.
أما الحالة الثانية فمع قريبة للعائلة جاءت لتسكن معنا لعدة أيام، هي عديمة المسؤولية ولا تستحي كما نستحي عندما نكون ضيوفاً، وهذا الأمر أشعر معه بحرقة في قلبي، لا أعلم كيف أشرح لكم شعوري، وأتمنى أن تفهموا حالتي.
أخاف أن يكون ما أشعر به حسداً، والحسد حرام، ما هي هذه الحالة؟ وكيف أشفى منها؟ وما أسبابها؟ وهل أنا مذنبة؟ أم أن السبب يعود إلى الطفولة؟ فأنا طوال حياتي عانيت من قلة المدح والاحترام والتقدير من أهلي، لم يغذّوني إلا مادياً، بينما كانوا يقدّمون كل الاهتمام لمن حولي.
هناك شيء أود إضافته: صوت داخلي يقول لي: "أنتِ أفضل منهم، لكنك لم تحصلي على التقدير، وكان عملك أفضل وأتقن."
مع العلم أن هناك الكثير من الناس حولي يشبهونهم، لكن لا أشعر بهذه المشاعر إلا مع هاتين الحالتين فقط.
الأشخاص المعنيّون لم يؤذوني أذية شديدة، صحيح أنهم أساؤوا إليّ بالاستهزاء أو التكذيب، لكن هذا يحدث لي من كثيرين، ومع ذلك لا أشعر بهذه المشاعر إلا معهم.
أرجوكم أفيدوني كيف أخرج من هذه الحالة؟ فأنا أحس أن قلبي يتأذى أكثر في كل مرة، الحمد لله لم أؤذِ أحداً منهم، وكل ما يتأذى هو قلبي فقط.
أيضاً: إذا غضبت أو ضاق صدري منهم، أتجاهلهم وأتمنى ألا أراهم مرة أخرى، وهم يلاحظون تجاهلي وتصرفاتي.
شكراً لكم.
الإجابــة:
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ سائلة حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
نشكرك على تواصلك معنا وثقتك بموقعنا.
فهمنا من رسالتك -أختي الكريمة- أنك تعانين من مشاعر مؤلمة تجاه أشخاص معينين، وهي مشاعر تشعرين معها بحرقة في القلب قد تصل إلى البطن، مع أسئلة كثيرة في عقلك لا تستطيعين السيطرة عليها، وتخافين أن تكون هذه المشاعر حسدًا محرمًا، ولعلنا نطمئنك أولاً بأن إدراكك لهذه المشاعر ورغبتك في التخلص منها هو دليل على صحة قلبك، وخوفك من الله تعالى، فالمنافق لا يخاف النفاق، والحاسد الحقيقي لا يبالي بحسده، أما أنت فقلبك يؤلمك من هذه المشاعر وتبحثين عن العلاج، وهذا بحد ذاته نعمة عظيمة.
دعينا نفهم طبيعة ما تمرين به قبل أن نصفه أو نحكم عليه؛ فالفهم هو أول خطوات العلاج.
أولاً: الحسد المحرم شرعًا هو أن تتمني زوال النعمة عن الغير وأن تسعي لذلك بالفعل أو القول، أو حتى بالنظرة الحاسدة مع نية الضرر، يقول الله عز وجل في وصف الحاسدين: (أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَىٰ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ) (النساء:54)، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (لا تحاسدوا، ولا تناجشوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا) فالحسد يؤدي إلى البغضاء والقطيعة.
أما الغيرة فهي شعور إنساني طبيعي ينشأ عند رؤية نجاح الآخرين، وهي ليست محرمة في ذاتها إذا لم تتحول إلى تمني زوال النعمة، أو السعي لإيذاء الغير، والغيرة المحمودة هي ما يسميه العلماء بالغبطة، وهي أن تتمني مثل ما للغير من نعمة دون أن تتمني زوالها عنه، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالا فسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها).
ثانيًا: من خلال وصفك الدقيق، يمكننا أن نفهم أن ما تمرين به هو مزيج معقد من عدة مشاعر وأسباب، وليس حسدًا محرمًا بالمعنى الشرعي الكامل، وإنما هو صراع نفسي داخلي ناتج عن عدة عوامل نوضحها كالتالي:
الأمر الأول: هو أنك عانيت طوال حياتك من عدم المدح والاحترام والتقدير من أهلك، كما ذكرت بنفسك، وهذا ترك في نفسك جرحًا عميقًا وحاجة نفسية غير ملباة للاعتراف والتقدير، فالطفل الذي لا يحصل على التقدير الكافي من والديه ينمو وبداخله فراغ عاطفي كبير، وهذا الفراغ يجعله أكثر حساسية تجاه نجاحات الآخرين، وتقدير الناس لهم؛ لأنه يشعر أن ما يفتقده موجود عند غيره.
الأمر الثاني: هو أن الأم الجارة تقارنك بابنتها، وهذا يضغط على الجرح القديم، ويثير المشاعر المؤلمة، فالمقارنات هي من أقسى ما يمكن أن يتعرض له الإنسان؛ لأنها تشعره بالنقص والدونية، حتى لو كان في الواقع متفوقًا ومتميزًا، يقول الشاعر:
وَكُلُّ امرِئٍ يَرى نَقصاً بِغَيرِهِ .... وَلَيسَ يَرى مِثلَ الَّذي هُوَ فيهِ
الأمر الثالث: هو أن هناك صوتًا داخليًا يقول لك: أنت أفضل منهم، لكن لم تحصلي على التقدير، وهذا الصوت هو نتيجة طبيعية للجرح النفسي والحاجة غير الملباة، فالنفس تحاول أن تعوض ما فقدته بإقناع نفسها بأنها أفضل، وهذا ليس كبرًا بالضرورة، وإنما هو محاولة دفاعية من النفس لحماية ذاتها من الألم.
الأمر الرابع: هو أن هذه المشاعر لا تحدث مع كل الناس، وإنما فقط مع هؤلاء الأشخاص المعينين، وهذا يدل على أن المشكلة ليست في قلبك بشكل عام، وإنما هي متعلقة بظروف معينة ومواقف محددة، فالجارتان تمثلان لك ما تفتقدينه من نجاح وتقدير الناس، والقريبة التي سكنت في بيتكم ربما أثارت فيك مشاعر الغيرة على خصوصية بيتك أو شعورًا بعدم الاحترام.
ثالثًا: هل أنت آثمة؟ الجواب هو: لا، لست آثمة بهذه المشاعر في حد ذاتها؛ لأن المشاعر ليست في يد الإنسان دائمًا، وإنما الإثم يكون في الفعل والقول والنية، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم)، فما دمت لم تؤذي هؤلاء الأشخاص بفعل أو قول، ولم تتمني زوال النعمة عنهم بشكل واضح، فأنت لست آثمة.
لكن هذه المشاعر إن تركتها دون علاج قد تتحول إلى حسد حقيقي، أو إلى مرض نفسي يؤذيك أنت قبل أن يؤذي غيرك، كما تقولين أنت بنفسك: "كل ما أؤذيه هو قلبي"، ولذلك يجب أن تعالجي هذه المشاعر من جذورها.
رابعًا: كيف تشفين من هذه الحالة؟ العلاج يكون على ثلاثة مستويات: إيماني ونفسي وعملي، ولا بد من العمل على الثلاثة معًا.
من الناحية الإيمانية، عليك بالآتي:
أولاً: أكثري من الاستعاذة بالله من شر نفسك، ومن وساوس الشيطان، فالشيطان يحب أن يزين لك هذه المشاعر ويجعلها تكبر، قال تعالى: (وَقُل رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ * وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحْضُرُونِ) (المؤمنون:97-98).
ثانيا: اعلمي أن الرزق والنجاح والتقدير كله بيد الله وحده، وأن ما قدره الله لك سيصل إليك حتمًا، وما لم يقدره لك لن يصل إليك مهما حاولت، يقول الله تعالى: (وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا) (هود:6). فالمقارنة مع الآخرين هي في الحقيقة نوع من عدم الرضا بقدر الله، وهذا يجلب الهم والحزن.
ثالثًا: تذكري أن كل إنسان له ابتلاءاته الخاصة، وأن ما ترينه من نجاح الآخرين هو جزء من القصة فقط، فربما هؤلاء الأشخاص الذين تحسدينهم يعانون من مشاكل وهموم أنت لا تعلمينها، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له).
رابعًا: ادعي لهم بالخير بدلًا من أن تدعي بعدم رؤيتهم، فالدعاء للآخرين يطهر القلب، ويزيل الحقد والحسد، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (دعوة المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابة، عند رأسه ملك موكل، كلما دعا لأخيه بخير قال الملك الموكل به: آمين ولك بمثل).
خامسًا: اشتغلي بذكر الله، وقراءة القرآن؛ فهذا يملأ القلب بالسكينة، ويبعد عنه الوساوس، قال تعالى: (الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ)، (الرعد:28).
من الناحية النفسية، عليك بالآتي:
أولا: اعترفي بمشاعرك وسميها بأسمائها الحقيقية، فأنت تشعرين بالغيرة، وبالألم من عدم التقدير، وبالإحباط من المقارنات، هذه مشاعر إنسانية طبيعية، ولا عيب في الاعتراف بها، الاعتراف بالمشاعر هو أول خطوة نحو التحرر منها.
ثانيًا: افهمي أن ما حدث معك في الطفولة من عدم التقدير ليس ذنبك ولا نقصًا فيك، وإنما هو نتيجة ظروف وأساليب تربية لم تكن في يدك، كثير من الآباء لا يعرفون كيف يعبرون عن تقديرهم لأبنائهم، وهذا لا يعني أنهم لا يحبونهم أو أن الأبناء لا يستحقون التقدير.
ثالثًا: ابني ثقتك بنفسك من الداخل، ولا تعتمدي على تقدير الآخرين فقط، اكتبي قائمة بإنجازاتك ومهاراتك وصفاتك الإيجابية، واقرئيها كل يوم لتذكري نفسك بقيمتك، وتذكري قول الله تعالى: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ) (الإسراء:70)، فأنت مكرمة من الله بمجرد كونك إنسانة، بغض النظر عن تقدير الناس.
رابعًا: توقفي عن المقارنة نهائيًا، فالمقارنة هي سم قاتل للسعادة، قارني نفسك بنفسك في الماضي فقط، وانظري كم تطورت وكم نَمَوتِ. يقول الشاعر:
إِذا غامَرتَ في شَرَفٍ مَرومٍ *** فَلا تَقنَع بِما دونَ النُجومِ
فتطلعي للأفضل دائمًا، ولكن لا تقارني نفسك بالآخرين.
خامسًا: إذا استمرت هذه المشاعر المؤلمة، ولم تستطيعي السيطرة عليها، فلا تترددي في استشارة أخصائي نفسي؛ فطلب المساعدة المتخصصة ليس ضعفًا، وإنما هو حكمة ورغبة حقيقية في الشفاء، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء).
من الناحية العملية، عليك بالآتي:
أولاً: قللي احتكاكك بهؤلاء الأشخاص قدر الإمكان، فليس من الحكمة أن تعرضي نفسك لما يؤذيك، إذا كانت الجارتان تثيران فيك هذه المشاعر، فقللي الزيارات والمجاملات، وإذا اضطررت للقائهما فاجعلي اللقاء قصيرًا ومحدودًا، هذا ليس قطيعة، وإنما هو حماية لنفسك.
ثانيًا: إذا قارنتك الأم بابنتها، فلا تستجيبي لهذه المقارنة، ولا تدخلي في نقاش حولها، يمكنك أن تغيري الموضوع بلطف أو أن تقولي شيئًا عامًا مثل: كل إنسان له ظروفه، وله طريقه الخاص.
ثالثًا: اشتغلي على نفسك، وعلى تطوير مهاراتك، وتحقيق أحلامك، بدلاً من أن تركزي على ما عند الآخرين، خذي دورات، اقرئي كتبًا، تعلمي لغة جديدة، مارسي رياضة، افعلي أي شيء يجعلك تشعرين بالإنجاز والنمو؛ هذا سيملأ الفراغ الداخلي ويقلل من حاجتك لتقدير الآخرين.
رابعا: ابحثي عن مصادر جديدة للتقدير والاحترام، كأن تنضمي لمجموعة تطوعية أو لنشاط اجتماعي تشعرين فيه بالتقدير والقيمة، وتذكري أن تقدير الله لك هو أعظم تقدير، وأن رضاه عنك هو أعظم نجاح.
أخيرًا: أختي الكريمة، إن ما تمرين به هو مرحلة في حياتك، وليس قدرًا محتومًا، يمكنك أن تتجاوزيها بالعمل الجاد على نفسك وبالاستعانة بالله، تذكري أن الله يحبك ويريد لك الخير، وأنه لا يبتلي إلا ليختبر صبرك ويرفع درجتك، يقول الله تعالى: (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا) (الشرح:5-6)، وتذكري أيضا أن الحسد يؤذي صاحبه قبل أن يؤذي المحسود، فهو كالجمرة تحرق يد من يحملها، فاجعلي همك أن تطهري قلبك، وتحرري نفسك من هذه السلاسل، لا خوفًا من الإثم فقط، وإنما حبًا لنفسك، ورغبة في السعادة والسكينة.
نسأل الله أن يشرح صدرك، وأن يطهر قلبك، وأن يرزقك السكينة والرضا، وأن يجعلك من عباده الصالحين الراضين المرضيين.