على مشارف الامتحانات وأتعبتني كثرة التسويف والبكاء بلا سبب!

2026-03-12 04:43:43 | إسلام ويب

السؤال:
السلام عليكم.

أنا طالبة، من مواليد 2008، وفي السنة الثانية من المرحلة الثانوية، رضيت بمعدلي في السنة الأولى بعد الندم على تقصيري في الدراسة 4 أشهر، وحاليًا أنا في الفصل الثاني، ولم يتبق شيء على نهاية هذا الفصل، ولكنني كلما نويت الدراسة لا أدرس، وحالتي النفسية متعبة، وأبكي كثيرًا بدون أي سبب.

كما أنني في رمضان أتكاسل عن صلاة التراويح، وقراءة القرآن، وعن الدعاء لنفسي، وليس في بالي الدراسة أبدًا، فاقدة للشغف، ولم يعد الكلام يؤثر بي.

كما أنني أشعر بالضغط بسبب عصبية أبي، وجلوسنا الدائم في البيت؛ فنحن لا نخرج أبدًا سوى من البيت إلى المدرسة، ولا نزور أحدًا من الناس.

أتمنى أن أحصل على معدل 96؛ لأنني لو رسبت فقد يجبرني أبي على ترك الدراسة، وأريد حلاً يساعدني على الالتزام بالدراسة؛ فأنا لا أحب أن أدرس وأنا لوحدي في الغرفة، وإنما أحب الدراسة وحولي أهلي؛ حيث أكون معهم في نفس المكان، فهل هناك حل؟

لقد تعبت من كثرة التسويف، وأني سأبدأ الدراسة غدًا، وسأبدأ صفحة جديدة، كما أنني عندما أسمع صوت الشيخ وهو يقرأ القرآن أحزن كثيرًا، وأكتئب، ولا أسمع الأغاني -بفضل الله-، وعندما أسمع الأناشيد التي تقال عن فلسطين أكتئب أيضًا.


الإجابــة:

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ نورا حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

نشكركم لتواصلكم معنا وثقتكم بموقعنا.

فهمنا من رسالتك -أختي الكريمة- أنك تحملين ثقلاً كبيرًا في هذه المرحلة، وأنت تقفين على عتبة أهم امتحان في مسيرتك الدراسية حتى الآن.

وما وصفتِه من بكاء بلا سبب واضح، وتعب نفسي، وفقدان الشغف، والبعد عن العبادة، وضغط الوالد، والشعور بأن الحياة صارت روتينًا ثقيلاً؛ كل هذا يدل على أن قلبك وعقلك وصلا إلى مرحلة استنزاف داخلي، وهذا ليس ضعفًا منك، بل هو صرخة داخلية تطلب منك التوقف، وإعادة ترتيب الأمور.

لفت انتباهي بشكل خاص قولك: إنك تحزنين وتبكين حين تسمعين القرآن الكريم، فهذا في حد ذاته يدل على أن قلبك لم يمت، ولم يقسُ، بل هو يتوق إلى الله، ويحس بالاشتياق إليه، وهذا بحد ذاته نعمة عظيمة لا تقدر.

ما تعيشينه يمكن أن ننظر إليه من زاويتين متكاملتين:

الأولى: هي الإرهاق النفسي المتراكم؛ فأنت تحملين ندم السنة الماضية، وضغط الأب، والخوف من الرسوب، وشعور الوحدة، وعدم الخروج، وكل هذه الضغوط تراكمت حتى جعلت الدماغ يرفض التركيز، ويلجأ إلى التجنب، وهو ما يظهر في صورة التسويف، وقول: غدًا أبدأ!

الثانية: هي أن هدفك من الداخل لم يتضح بعد؛ فأنت تريدين الحصول على معدل 96 خوفًا من ردة فعل والدك، لا حبًا بالهدف نفسه، والإنسان لا يستطيع أن يصبر على شيء يخافه فقط دون أن يحبه ويؤمن به.

من أين تبدئين؟

البكاء حين سماع القرآن هو باب مفتوح، فلا تغلقيه، قال الله تعالى: ﴿أَلَا بِذِكۡرِ ٱللَّهِ تَطۡمَئِنُّ ٱلۡقُلُوبُ﴾ (الرعد: 28)، لا تنتظري أن تشعري بالرغبة في العبادة لتبدئي، بل ابدئي، وسيأتي الشعور.

ابدئي بخطوة واحدة صغيرة جدًا في رمضان، وهي أن تجلسي بعد صلاة المغرب خمس دقائق فقط، تفتحين المصحف، وتقرئين ما تيسر، حتى لو آية واحدة، ثم قولي لله بقلبك: يا رب أنا متعبة، وليس عندي حيلة، ساعدني؛ هذه الكلمات البسيطة هي أصدق دعاء.

وفيما يخص التراويح: لا تحملي نفسك الذنب إن فاتتك، لكن حاولي أن تصلي منها ركعتين في البيت على الأقل، وإن استطعت أن تضيفي لها ثلاث ركعات لصلاة الوتر فحسن؛ فالله يعلم ثقل ما تحملينه.

أما في الجانب الدراسي: فالمشكلة ليست أنك كسولة، بل إن طريقة تفكيرك في الدراسة تعيقك؛ فحين تقولين: سأدرس، ويكون أمامك كل المادة دفعة واحدة، فإن الدماغ يصاب بالشلل فيهرب، والحل: هو أن تكسّري المهمة الكبيرة إلى قطع صغيرة جدًا.

من الأمور التي ستعينك -بإذن الله-: حددي مادة واحدة فقط اليوم، وفي هذه المادة حددي موضوعًا واحدًا فقط، لا كل المادة، واجلسي للدراسة في حضور أهلك -كما ذكرت- أنك تفضلين ذلك؛ فهذا يساعدك على البقاء في الجو، واجعلي وقت الدراسة محددًا ومرتبطًا بوقت الصلاة؛ فمثلاً بعد صلاة العصر مباشرة ثلاثين دقيقة فقط، ثم استراحة، ثم بعد المغرب ثلاثين دقيقة أخرى.

أما ما يخص موضوع والدك: فأنا أعلم أن الضغط المستمر مؤلم، وأن الشعور بأن البيت كالسجن ثقيل جدًا على النفس، ولكن حاولي أن تنظري إلى والدك من زاوية مختلفة؛ فكثير من الآباء الذين يبدون قساة في الظاهر، يحملون في داخلهم خوفًا كبيرًا على أبنائهم، وهذا الخوف يخرج أحيانًا في صورة غير جميلة، فلا تجعلي دراستك رد فعل على غضبه، بل اجعليها قرارًا شخصيًا لنفسك أنتِ، قال الله عز وجل: ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعۡبُدُوٓاْ إِلَّآ إِيَّاهُ وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَٰنًاۚ﴾ (الإسراء: 23)، والإحسان للوالد يكون أحيانًا بالصبر والصمت، وإثبات نفسك بنتائجك.

أخيرًا: البكاء بلا سبب، والتعب النفسي الكبير، والإحساس بالفراغ والكآبة، هذه أعراض تستحق الاهتمام، لا نريد أن نسقط في التشخيص المباشر، ولكننا نقول لك بكل صدق: إنه إن استمر هذا الشعور بعد انتهاء رمضان والامتحانات، فمن الحكمة والشجاعة أن تتحدثي مع أخصائية نفسية متخصصة؛ لأن طلب المساعدة ليس ضعفًا، بل هو من أعظم أشكال الاهتمام بالنفس التي أمرنا بها ديننا.

أختي الكريمة: أنت لم تكتبي إلينا لأنك استسلمت، بل كتبت لأن بداخلك إرادة لم تمت، فاسمعي لها.

نسأل الله أن ييسر أمرك، وأن يشرح صدرك، وأن يعينك على دراستك وعبادتك، وأن يجعل هذه الأيام الفاضلة فاتحة خير لك، وأن يهديك سواء السبيل.

www.islamweb.net