كيف أعود للهمة العالية التي كنت عليها في علاقتي بالله؟

2026-03-12 03:38:32 | إسلام ويب

السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

نشكر الله أولاً على فضله ونعمه، ثم نقدم شكرنا لمجهوداتكم؛ جزاكم الله عنا كل خير.

ما أريد السؤال عنه، هو: ماذا يفعل من يجد في نفسه تقصيراً عظيماً وكبيراً في حق الله عليه؟ الحمد لله أنا محافظة على الصلوات، ومَنَّ الله علي بالحجاب والنقاب، وأرى فضل الله علي وأستشعره في كثير من أموري، فأرى هدايته وتوفيقه لي، وكيف أنه سبحانه يدبر لي أموري، لكن مع هذا أعاني من انتكاسة أو ضعف، وقلة همة في العبادة؛ فلم أعد أدعو الله، ومن لم يدعُ الله سبحانه يغضب عليه، صحيح؟ ولم أعد أستطيع ذكر الله كما كنت من قبل، ولا الصلاة بمشاعر القرب والخوف والرجاء كما كنت أول توبتي، فماذا أفعل؟

حتى في شهر رمضان الكريم، فأنا أصومه، لكني لا أستطيع القيام مع أن فضله عظيم، وأكتفي بالصيام وأنام دون صلاة قيام، أو تراويح.

أشعر بحزن أنني لم أعد كما كنت، وأنني أقع في الذنوب وأستثقل صلاة التوبة والاستغفار؛ لأني أعلم أن من شروطها الندم، فأبحث في نفسي: هل أنا نادمة؟ حقاً لا أعلم، فأنا لا أحب الوقوع في الذنوب، لكن أجد أن عيني لا تبكي، وفي قلبي شيء من القسوة؛ هذا ما أشعر به.

أريد أن أعلم كيف أعود لما كنت عليه؟ وأنا أقرأ في أحوال السلف في العبادة والإخلاص والصدق، أرى نفسي لا شيء أمام تعظيمهم، ومعرفتهم بالله وحبهم له سبحانه، وأشعر بشيء من الحزن؛ لأني لست على طريقهم، ولا أستطيع فعل شيء من عباداتهم، ولا أن أكون بمثل همتهم.. أريد أن أعلم كيف أغير نفسي، فأعظم الله حق تعظيمه وأبتعد عن معصيته.

أحزن لأن من يعرفني يرى ويظن بي الصلاح، وأنا بحالي هذا لست بمثل ظنهم، فأخاف أني كاذبة، أو منافقة أتعارض مع نفسي؛ فهم يرون مني المحافظة على الصلاة، ومحاولة البعد عن الغيبة والعلاقات المحرمة، ولا يعلمون بفتوري وقلة ذكري ودعائي، وبما أقع فيه من معاصٍ.

أستسمحكم على الإطالة.. وجزاكم الله خيراً.

الإجابــة:

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ أسماء حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبًا بكِ -ابنتنا الكريمة- في استشارات إسلام ويب، ونشكر لكِ أولًا تواصلكِ بالموقع، ونشكر لكِ ثانيًا حرصكِ على تعظيم شعائر الله، وشعوركِ بالتقصير في حق الله تعالى.

فشعوركِ بالتقصير هو في حد ذاته عبادة، فاعتراف الإنسان لربه بأنه مُقصِّر، وظالم، ومذنب، هذا الاعتراف يحبه الله ويُثيب عليه ويغفر لصاحبه، إذا هو أردف هذا الاعتراف بطلب المغفرة، وأنتِ تعلمين أن سيد الاستغفار أن يقول العبد: «اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدُكَ، وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ، أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ، وَأَبُوءُ بِذَنْبِي فَاغْفِرْ لِي، فَإِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ».

فهو يبوء إلى الله تعالى بذنوبه أي يقر بها ويعترف بها، ويبوء له أيضًا بنعمته عليه فيعترف بها ويشكرها، ثم يطلب من الله تعالى المغفرة «فَاغْفِرْ لِي»، فمن قاله في الصباح، فمات في يومه دخل الجنة، ومن قاله في المساء فمات في ليلته دخل الجنة؛ هكذا ورد الحديث عن النبي ﷺ.

وهذا يُبيِّن لكِ منزلة هذه العبادة، وهي الاعتراف لله تعالى بالتقصير والتفريط، وأن الإنسان ظالم جهول، وأن الله تعالى رب كريم، جواد، رؤوف، فمن عرف نفسه وعرف ربه فقد فتحت له أبواب السعادة، فنسأل الله تعالى أن يزيدكِ هدى وصلاحًا وتوفيقًا.

بالنسبة للعبادات -أيتها البنت الكريمة- فشيء طبيعي يعرض لكل إنسان أنه يجد في نفسه نشاطًا ورغبة وقوة عزيمة في بعض الأحيان، ويجد فتورًا في بعض الأحيان الأخرى، وكما قال الإمام علي رضي الله عنه: «إن للقلوب إقبالًا وإدبارًا» والرسول ﷺ يقول: (إِنَّ لِكُلِّ عَمَلٍ شِرَّةً -أي رغبة ونشاط وشدة- وَلِكُلِّ شِرَّةٍ فَتْرَةً، فَمَنْ كَانَتْ فَتْرَتُهُ إِلَى سُنَّتِي فَقَدِ اهْتَدَى، وَمَنْ كَانَتْ فَتْرَتُهُ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ فَقَدْ ضَلَّ) أو كما قال ﷺ.

فلا ينبغي أن يكون هذا الحال الذي حصل لكِ وهذه الأمور التي عرضت لكِ سببًا لتقنطي من رحمة الله، وتيأسي من فضل الله تعالى وكرمه وجوده، وأن يحاول الشيطان أن يستغل هذه المشاعر التي لديكِ ليصرفكِ عن العمل النافع، والحرص على ما يفيدكِ.

أنتِ -ولله الحمد- لا تزالين تحافظين على الفرائض، وهذا أحب ما يتقرب به الإنسان إلى ربه، كما قال الله في الحديث القدسي: {وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِأَحَبَّ مِمَّا افْتَرَضْتُهُ عَلَيْهِ، وَلَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ} وينبغي أن تأخذي بالأسباب التي تنشطكِ للاستكثار من النوافل، بما يقدره الله تعالى لكِ ويتيسر لكِ:

1. الرفقة الصالحة: حاولي أن تتعرفي على النساء الصالحات والفتيات الطيبات، فهن خير من يعينكِ؛ لأنكِ إذا وجدتِ من يعبد الله فإنكِ تنشطين على العبادة معهم، سواء كانت عبادة ذكر أو تعلم علم، أو نحو ذلك.

2. أجواء رمضان: في رمضان الأجواء متاحة، والناس يتعبدون لله تعالى بالصلوات في المساجد، فما عليكِ إلا أن تخرجي من بيتكِ -إذا كان يمكنكِ ذلك- وتتوجهي إلى المسجد فستجدين النساء كثيرات يصلين.

3. سماع المواعظ: من الأسباب سماع المواعظ التي تذكركِ بالجنة وما فيها من الثواب، والأعمال التي ترفع الإنسان لهذا الثواب؛ فهذا من أعظم المحفزات.

أمَّا عن لين القلب، فلين القلب أيضًا قد يعرض له ما يزيله أحيانًا أو يخففه أحيانًا أخرى، ولكن المسلم مطالب بأن يجاهد، ويحاول إصلاح نفسه، وإصلاح قلبه بما يستطيع من ذلك:

- الاستغفار: النبي ﷺ يقول: (إِذَا أَذْنَبَ الْعَبْدُ ذَنْبًا نُكِتَتْ فِي قَلْبِهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، فَإِذَا هُوَ تَابَ وَنَزَعَ وَاسْتَغْفَرَ صُقِلَ قَلْبُهُ)؛ فأكثري من الدعاء والاستغفار.

- القرب من الضعفاء: ومن الأسباب في لين القلب أن تقتربي من الضعفاء من الناس كالأيتام، فقد جاء في الحديث أن من مسح رأس اليتيم يلين القلب، حاولي أن تتقربي إلى هؤلاء الضعفاء وتعاشريهم، وإذا استطعتِ أن تحسني إليهم فإن هذا من أسباب لين القلب.

أمَّا الناس فلا تبالي بهم، فإن خيركِ الذي تأملينه كله بيد الله، وثوابكِ وسعادتكِ كلها عند الله، فلا تبالي في الناس ما ظنوه فيكِ من الخير فالحمد لله، وقد جعل النبي ﷺ ثناء الناس على الإنسان -مع أنه لا يرائيهم- «عَاجِلُ بُشْرَى الْمُؤْمِنِ».

نسأل الله أن يوفقكِ لكل خير.

www.islamweb.net