نفسي أمارة بالسوء وشخصيتي ضعيفة، فهل من نصيحة؟!
2026-03-14 21:29:07 | إسلام ويب
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أشعر بحاجة ملحة لمجاهدة نفسي، والتوبة إلى الله تبارك وتعالى، والإقلاع عن ذنوب الخلوات، والكف عن استباحة مالٍ يساورني الشك في عدم أحقيتي به، كما أطمح إلى إصلاح ذاتي في بيتي، ومع زوجتي وأبنائي وإخوتي، وفي محيط عملي أيضًا.
أعاني من تحدياتٍ عدة، منها: أن نفسي أمارة بالسوء، وأشعر بضعفٍ في الشخصية، وفقدانٍ للثقة في الآخرين، فضلاً عن وقوعي في حبائل الإدمان، كما أنني في عملي أقبل "إكراميات" ما كان لي أن آخذها، وأجدني لا أتعلم من أخطائي، وغالبًا ما يعود ذلك لضعف الذاكرة.
أود استشارتكم: هل تنصحونني بالتحدث إلى صاحب العمل ليبث في نفسي الطمأنينة والأمان المادي تجاه أسرتي؟ أريد أن أوضح له حاجتي للاستغناء عن الطلب من الآخرين أو قبول العطايا كما سلف، ومع شعوري بأنه قد يتقبّل ذلك، إلَّا أن التردد يتملكني؛ فمديري المباشر هو من يتعامل معه عادة، ورغم علمي بأنه يستمع لمن يطلب المساعدة، إلَّا أنني أخشى الاضطراب في حديثي أو العجز عن الوفاء بعهدي أمامه، فيتخذ من ذلك دليلًا على عدم استحقاقي للثقة، أو يستهزئ بمقالي، وهو ما لن أطيق تحمله.
ينتابني شعورٌ جميلٌ للغاية؛ إذ أرى نفسي في أفضل حالاتي من حيث تقبل الذات، وأشعر بقربٍ من الخالق سبحانه رغم ذنوبي وتقصيري في الصلاة وإفطاري في رمضان، وكأن الله يبصرني بحقيقة الدنيا، ويفتح لي آفاق الفهم في القرآن الكريم الذي أجد فيه تبيانًا لكل شيء، وتفسيرًا للنفس البشرية تفوق ما وصل إليه العلم؛ فأسأله سبحانه أن ينور بصيرتي ويزيدني علمًا.
لدي رغبةٌ صادقة في التغيير، غير أن ضيق ذات اليد يمنعني من مراجعة طبيبٍ نفسي، كما أنني أفتقر للثقة في هذا المسار ماديًا ومعنويًا؛ لذا أحتاج نصيحتكم لاستعادة الثقة بنفسي وبمن حولي في البيت والعمل، وقبل ذلك كله، أحتاج للعودة إلى الله ليتمَّ عليَّ يقيني، فكلي ثقةٌ أنه معي.
اللهم اهدني، وأصلحني، وأصلح فساد قلبي وما أفسدته الأيام، اللهم سخر لي من عبادك من يخشاك، ومن يتفهم حالي ويأخذ بيدي لما تحبه وترضاه، يا أرحم الراحمين.
الإجابــة:
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ Mohamed حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
نشكرك على تواصلك معنا وثقتك بالموقع.
لفت انتباهنا في رسالتك شيء نادر وثمين: أنك لم تكتب رسالة شاكٍ فحسب، بل كتبت رسالة إنسان يعرف نفسه، ويريد أن يتجاوزها نحو الأفضل. هذا وحده يدل على أنك في مرحلة يقظة حقيقية، وهي نعمة من الله لا ينبغي أن تستهين بها.
أولًا: أبدأ بك أنت، بهذا الإحساس الذي وصفته بأنه إحساس جميل خالص، واعلم أن هذا ليس وهمًا ولا مُصادفة؛ بل هو نور من نور المعرفة الذي يضعه الله في قلب من يُقبل عليه، لذلك يقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا} [الأنفال:29]، فما تشعر به هو نور وفرقان، وهذا الفرقان هو البصيرة التي تفهم بها القرآن، والوضوح في رؤية ما ينبغي أن تغيره، هو بداية الطريق، فاحرص على هذا الإحساس ورعايته؛ فإنه بذرة التغيير الحقيقي.
ثانيًا: النفس الأمارة بالسوء ليست عيبًا فيك وحدك، فوصفك لنفسك بأنها أمارة بالسوء يدل على وعي عميق؛ لأن هذا اعتراف قرآني أصيل؛ فقد قال تعالى على لسان يوسف عليه السلام: {وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي} (يوسف:53).
يوسف عليه السلام نبي معصوم يقول هذا الكلام، فكيف بنا نحن؟ والنفس الأمارة بالسوء ليست قَدرًا محتومًا، بل هي المرحلة الأولى من مراحل النفس التي تتطور بالمجاهدة والتوبة إلى النفس اللوامة، ثم إلى النفس المطمئنة، وأنت الآن -بمجرد أنك ترى نفسك وتلومها- قد خطوت خطوة كبيرة نحو النفس اللوامة، والشاعر أبو نواس في لحظة مشابهة للحظتك يقول:
يا رَبِّ إِن عَظُمَت ذُنوبي كَثرَةً *** فَلَقَد عَلِمتُ بِأَنَّ عَفوَكَ أَعظَمُ
ثالثًا: التوبة ليست شعورًا فحسب، بل هي برنامج عملي يقوم على ثلاثة أركان: الإقلاع عن الذنب فورًا، والندم الصادق، والعزم على عدم العودة، والنبي ﷺ قال: (كُلُّ بَنِي آدَمَ خَطَّاءٌ وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ)، وما ذكرته من رغبة صادقة في إصلاح كل جانب من جوانب حياتك -مع الأسرة والعمل والنفس- هو مؤشر قوي على صدق هذه التوبة.
ولكن انتبه: لا تحاول إصلاح كل شيء دفعة واحدة؛ فالتغيير الجذري الفوري نادرًا ما يثبت، بل خذ خطوة خطوة، وابدأ بما هو أوجب: أداء الصلوات الخمس في أوقاتها، فإنها الرباط الذي ينظم ما سواه، وكذلك صيام شهر رمضان.
رابعًا: ما تسميه ضعف الشخصية وعدم الثقة في أحدهما؛ في الغالب وجهان لعملة واحدة؛ إذ أنك إنسان جُرح في مرحلة ما، فتعلَّم بالتالي أن يحمي نفسه بالتراجع، والمفارقة هنا أن الطريق إلى الشخصية القوية لا يبدأ بالناس، بل يبدأ بالله عز وجل، فحين تستقر علاقتك بالله وتتقن التوكل الحقيقي عليه، ستجد حينئذٍ أن كلامك يثقل، وخطواتك تثبت، وقرارك يصلب؛ فإن الله تعالى يقول: {وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} (الطلاق:3).
ومن الأمور التي ستعينك أيضًا على بناء ثقتك بنفسك: أن تلتزم بكلمتك لنفسك قبل أن تلتزم بها مع الآخرين؛ لذا اجعل لنفسك كل يوم هدفًا صغيرًا واحدًا وحققه؛ لأن الثقة تُبنى بالإنجاز المتراكم مهما صغر.
خامسًا: مسألة الإدمان، لم تذكر نوعه، وهذا حقك في الخصوصية، ولكن الإدمان بمختلف أشكاله له جانبان لا ينفصلان: الجانب الإيماني والجانب البيولوجي والنفسي.
من الناحية الإيمانية، الصوم والقيام والذكر المتواصل تكسر كثيرًا من أنماط الإدمان؛ لأنها تعيد للنفس ضبطها الداخلي. أما إذا كان الإدمان عضويًا يحتاج تدخلًا طبيًا، فلا يمكن الاستغناء عن المتخصص، سنتحدث عن هذا لاحقًا.
سادسًا: مسألة الإكراميات في العمل، ضميرك الذي يوقظك على هذا الأمر هو خير دليل على سلامة قلبك، والنبي ﷺ يقول: (البِرُّ مَا اطْمَأَنَّ إِلَيْهِ القَلْبُ وَاطْمَأَنَّتْ إِلَيْهِ النَّفْسُ، وَالإِثْمُ مَا حَاكَ فِي النَّفْسِ وَتَرَدَّدَ فِي الصَّدْرِ)، فما تشعر به من قلق تجاه هذه الإكراميات هو صوت الضمير الذي يدلك ويُرشدك، والإقلاع عن ذلك من الآن هو التوبة الفعلية، وأمَّا ما مضى فعليك أن تستغفر الله منه، وأن تكثر من الصدقة بما تقدر عليه.
سابعًا: الحديث مع مديرك - وهذا سؤال مهم، نعم، ننصحك بالحديث مع مديرك المباشر عن احتياجك للشعور بالاستقرار المادي، ولكن مع مراعاة بعض الأمور: لا تجعل الحديث طلبًا للمساعدة من موقع الضعف، بل اجعله حوارًا صريحًا من إنسان يريد أن يعمل بإنتاجية أعلى، ويحتاج لاطمئنان على وضعه المادي؛ فإن المدير الذي يسمع ويتقبل -كما وصفت- غالبًا يُقدِّر الصراحة.
وأمَّا الخوف من الخطأ في الكلام وعدم القدرة على التعبير، فاستعد جيدًا: اكتب ما تريد قوله قبل اللقاء، وادعُ الله قبل الدخول عليه، قال الله تعالى على لسان موسى عليه السلام: {رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي} (طه:25-28).
وأمَّا الخوف من الاستهزاء؛ فاعلم أن من يستهزئ بمن طلب حقه المشروع هو المخطئ لا أنت، كرامتك لا تنتهي بكلمة، ولكنها تُبنى بمواقف، قال الشاعر أبو الحسن الجرجاني:
أَرَى النَّاسَ مِنْ دَاناهُمُ هَانَ عِنْدَهُم *** وَمَنْ أَكْرَمَتَهُ عِزَّةُ النَفسِ أُكْرِمَا
ثامنًا: ما يتعلق بضعف الذاكرة وعدم التعلُّم من الأخطاء؛ لا يعني قصورًا في عقلك، بل في الغالب يكون نتيجة ضغط نفسي مزمن، أو انشغال ذهني مستمر؛ لذلك من الأمور العملية التي تعينك: أن تحتفظ بدفتر صغير تكتب فيه كل درس تعلمته من موقف ما، ثم تقرأ ما كتبت أسبوعيًا؛ فإن هذا يحول الخبرة العابرة إلى معرفة راسخة.
تاسعًا: موضوع الطبيب النفسي، فهمنا تحفظك على الناحية المادية وكذلك ثقتك، وهذا الموقف مفهوم، ولكن ننبهك إلى أن ما ذكرته من جوانب متعددة -الإدمان وضعف الذاكرة وضعف الثقة- يستحق تقييمًا متخصصًا، وإن كان التحفظ على التكلفة حائلًا، فابحث عن مراكز الصحة النفسية التابعة للدولة، أو الجهات الخيرية في بلدك، فكثير منها يقدم خدمات مجانية أو برسوم رمزية، طلب المساعدة المتخصصة ليس ضعفًا، بل هو من الأخذ بالأسباب التي أمرنا بها ديننا.
أخي الكريم، أنت تحمل في قلبك جمرة من النور اسمها اليقظة، لا تتركها تخبو، التغيير الذي تريده ليس مستحيلًا، وليس سريعًا في الغالب، ولكنه ممكن لكل من صدق في طلبه، وما دمت تحس بأن الله معك ويعلمك من القرآن، فتمسك بهذا الخيط ولا تتركه.
نسأل الله أن ييسر أمرك، وأن يشرح صدرك، وأن يصلح قلبك وذريتك وعملك، وأن يجعل هذه اليقظة بداية فصل جديد في حياتك، وأن يهديك سواء السبيل.