أتوب وأندم لكن شهوتي تغلبني وأخشى أن يكون الله ساخطاً علي!
2026-03-23 19:53:08 | إسلام ويب
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أنا شابٌّ أبلغ من العمر ثلاثين عامًا، لم أتزوج بعدُ بسبب الظروف المادية الصعبة، وقد وقعتُ في شَرَكِ إدمان مشاهدة الأفلام الإباحية وممارسة العادة السرية منذ سنواتٍ، لا أقوى على الابتعاد عنها، لدرجة أنني تركتُ هاتفي لأسابيعَ طوال رغبة في اعتزال كل ما يُذكّرني بهذه الأمور، ومع ذلك أعود إليها مرارًا وتكرارًا.
في كل مرة أقول: "هذه هي المرة الأخيرة"، فأغتسلُ وأصلي لله وأنا في غاية الندم، لكن شهوتي تغلبني ثانيةً، فأعصي الله بعد أن سألتُه المغفرة والعفو والمسامحة.
أشعرُ أن الله سخط عليَّ، لكن الأمر -واللهِ العظيم- يخرج عن سيطرتي، ولا أدري ماذا أفعل؛ فقد بلغت بي الغلبة أن تكسر شهوتي صيام رمضان، فأندمُ بعدها ندمًا شديدًا، أعجزُ تمامًا عن الإقلاع، فماذا أفعل؟
أطلبُ من الله المغفرة ثم أعود للذنوب والمعاصي، أعيشُ وحيدًا في حياتي الشخصية، ولا أنيس لي، وهذا ما يزيد من حيرتي وضياعي.
أشعرُ أن الله غاضبٌ مني، وأن الشيطان يخدعني في كل مرة، أرغبُ بشدة في إعفاف نفسي بالحلال، لكن السبل موصدة أمامي، وغير قادر على ذلك، وليس بيدي حيلة، فماذا أفعل؟ اللهم يا ربِ سامحني.
الإجابــة:
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ عبد الله حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
نشكرك على تواصلك معنا وثقتك بنا، وعلى شجاعتك في الاعتراف بما تمر به، فكثيرٌ من الناس يحملون مثل هذا الثقل في صدورهم، دون أن يجرؤوا على البوح به.
أخي الكريم، فهمنا من رسالتك أنك شابٌ يعاني من صراعٍ داخلي حقيقي ومؤلم، وأن قلبك لا يزال حيًّا ينبض بالندم والرغبة في التوبة، وهذا في حد ذاته علامة خير عظيمة؛ فالقلب الميت لا يتألم ولا يندم.
ما تعيشه من تكرار للوقوع في الذنب ثم الندم ثم العودة إليه، هو ما سماه العلماء دوامة الإدمان السلوكي، وهو ليس ضعفًا في الدين فحسب، بل هو ظاهرةٌ نفسية معروفة تصيب الملايين حول العالم، خاصة في ظل العزوبة القسرية والوحدة والضغط النفسي؛ فلا تجعل الشيطان يقنعك بأنك إنسانٌ فاسد لا يستحق رحمة الله، لأن هذا هو أشد أسلحته خطورة عليك، وأنت لست وحدك، وأنت لست شريرًا.
أخي الكريم، قرأنا في كلامك جملة تكسر القلب حين قلت (أشعر أن الله غاضبٌ مني)، وهذا الشعور طبيعي، لكنه لا يعكس حقيقة رحمة الله الواسعة، حيث يقول الله عز وجل في محكم كتابه: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [الزمر:53].
هذه الآية خطابٌ مباشر لك، والله لم يقل يغفر بعض الذنوب بل قال جميعًا، كما قال النبي ﷺ: «كُلُّ ابْنِ آدَمَ خَطَّاءٌ، وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ»، فأنت لست استثناءً من رحمة الله، بل أنت تمامًا من يخاطبه القرآن.
والجميل في رسالتك أنك بعد كل سقطة تغتسل وتصلي وتستغفر، وهذا يعني أن إيمانك لم يمت، وأن الخيط الذي يربطك بالله لم ينقطع، فتمسك به، والشاعر يقول:
إِنَّ الثَّوَابَ بِقَدْرِ التَّوْبِ مَجْزُولُ *** فَعَجِّلِ التَّوْبَ لَا يَغْرُرْكَ تَأْمِيلُ
مَنْ ذَا عَلِمْتَ بِلَا ذَنْبٍ وَلَا خَطَأٍ؟ *** مَنْ قَالَ ذَا فَعَلَى التَّحْقِيقِ ضِلِّيلُ
ما تعيشه له جانبان متشابكان لا بد من فهمهما معًا:
الجانب الأول: هو الجانب النفسي والسلوكي، وهو أن الإدمان على هذا النوع من المحتوى يغير مسارات في الدماغ تجعل الإنسان يشعر بجذبٍ قهري لا يستطيع مقاومته بالإرادة المجردة، كما هو الحال في كل أنواع الإدمان؛ ولذلك فإن تكرار السقوط لا يعني ضعف إرادتك فحسب، بل يعني أن هناك حاجةً نفسية حقيقية لا تُعالج بالعزم المجرد.
الجانب الثاني: هو الجانب الروحي الإيماني والاجتماعي، وهو أن الوحدة والعزوبة القسرية في مثل هذه الظروف المادية تجعل الإنسان أكثر هشاشة وعرضة للوقوع؛ ولهذا جعل الإسلام الزواج من أقوى الحصون، وقد قال النبي ﷺ: «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغْضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ».
أخي الكريم، من الأمور التي سوف تعينك بإذن الله:
- على الصعيد الإيماني احرص على الصلوات الخمس في أوقاتها، ولا تستسلم حتى لو سقطت، فالصلاة تعيدك إلى الله في كل مرة، ومن ثم أكثر من قراءة القرآن ولو صفحة يوميًّا، فإن لم تجد خشوعًا فلا تتوقف، فالمداومة وحدها نور، وحافظ على صلاة الفجر بشكلٍ خاص؛ فهي تضبط بداية يومك وتجعل التفكير في المعصية أصعب صباحًا.
- على الصعيد العملي والسلوكي ضع المحتوى المحرم بعيدًا عن مواضع الخلوة لا فقط الهاتف، ثم ضع برامج حجب المحتوى على أجهزتك، واجعل كلمة المرور عند شخصٍ تثق به لمحاسبتك، وبعد ذلك ابحث عن نشاطٍ يملأ فراغك حين تضعف إرادتك، سواء رياضة أو قراءة أو تعلم مهارة جديدة؛ فالفراغ والوحدة هما أخطر عدوين لك في هذا الطريق.
- على صعيد العلاقات الاجتماعية: الوحدة التي ذكرتها هي من أشد الأسباب التي تغذي هذه العادة؛ لذا احرص على التواصل مع إخوة صالحين ولو عبر الهاتف، وانضم إلى حلقة ذكر أو درس علمي؛ فالصحبة الصالحة هي من أحوج ما تحتاجه الآن.
- على صعيد الزواج: لا تستسلم لفكرة أن الزواج مستحيل، بل تحدث بصراحة مع أهلك عن حاجتك الماسة للزواج، وانظر في الخيارات المتاحة ولو كانت متواضعة، فإن الله يقول: {وَأَنكِحُوا الْأَيَامَىٰ مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ ۚ إِن يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ} [النور:32]، ولا بد من تيسير الزواج على من يخشى الوقوع في الحرام.
أخي الكريم، السقطة ليست نهاية المعركة، بل هي فقط جولة خسرتها، والخطأ الأكبر هو الاستسلام للشيطان بعد السقطة، والاعتقاد بأنك قد خسرت كل شيء، بل افعل ما تفعله: اغتسل، وصلِّ، واستغفر، وابدأ من جديد، حيث يقول الله: (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ) [آل عمران:135].
هناك برامج وتطبيقات مفيدة للمساعدة على التعافي من الإباحيات يمكنك البحث عنها في النت، مثل برنامج (واعي) و (أنا واعي) و(تعافي).
نسأل الله تعالى أن يُيَسِّر أمرك، وأن يشرح صدرك، وأن يرزقك العفة والسكينة والزوجة الصالحة التي تَقَرُّ بها عينك وتعينك على دينك ودنيَاك؛ فلا تيأس من رحمة الله، فإن الله يفرح بتوبة عبده فرحًا شديدًا، وهو سبحانه يعلم ضعفك ويعلم صدق نيتك، ونسأل الله أن يجعل هذه المحنة بداية طريقٍ جديد نحو الله تعالى.