لا يأس مع التوبة لأنها تمحو الذنوب وتبدلها إلى حسنات..
2026-03-15 20:04:49 | إسلام ويب
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
شخصٌ أخبرني بقصّته؛ فقد فعل في حياته الكثير من الأمور، ومن أبشع ما يمكن تخيّله، ارتكب أفعالًا تقشعرّ لها الأبدان، وقد حاسبه القانون عليها، ثم تاب توبة نصوحًا، لا يترك فرضًا، وبنى مساجد وآبارًا، وأقلع عن كلّ ما كان يفعله من سوء.
ومع ذلك لا يستطيع رؤية الكعبة حتى عبر التلفاز أو الصور، ويتمنّى رؤيتها، وقد أحضرت له أمّه سجّادة صلاة، فقال لها: لماذا هي فارغة؟ فقالت له: ألا ترى الكعبة التي عليها؟ فبكى كثيرًا على حاله، ويتمنّى رؤيتها.
تراوده أحلام كثيرة بأنه من أهل النار، ويجد كثيرًا من أعمال السحر في مطعمه الخاص، وذكر أنّ جميع جرائمه ارتكبها في فترة كان فيها مشركًا بالله، مع العلم أنّه لم يلمس امرأة قط، ولم يقم بوشم.
والآن يرجو النصيحة: ماذا عليه أن يفعل؟ وهل سيرضى الله عنه يومًا؟ عمره ثلاثون عامًا، ولا يترك فرضًا الآن، ولا ينام الليل بسبب حالته، ما الحل؟
أرجو المساعدة في هذه القضية الصعبة.
الإجابــة:
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ ... حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
مرحبًا بك في استشارات إسلام ويب، ونشكر لك تواصلك بالموقع.
وبدايةً نقول -أيها الحبيب- إن الله تعالى كتب على نفسه الرحمة، ورحمته تسبق غضبه كما أخبر بذلك عن نفسه سبحانه، ورحمته وسعت كل شيء كما أخبر أيضًا عن نفسه فقال: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ}، وقد نادى عباده المذنبين والمجرمين بألطف العبارات، فقال سبحانه وتعالى: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}، فهذا نداء لكل المسرفين، والإسراف معناها الإكثار من الذنوب والآثام.
فمهما أسرف الإنسان على نفسه في الذنوب والآثام فإنه إذا تاب يتوب الله تعالى عليه، وإذا قرأت كلام الله تعالى في القرآن العزيز وجدته ينادي كل أصناف المجرمين على اختلاف أنواع جرائمهم؛ ومنهم المشركون الذين يَسبُّون الله ويُؤذونه، ويُقاتلون أنبياءه، ويصدون عن دينه، ويُعذِّبون عباده، ناداهم -سبحانه وتعالى- إلى التوبة فقال: {أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ}.
ومنهم السُّراق، ومنهم المحاربون قُطَّاع الطريق، ومنهم الزناة، وآكلة الربا، وغير ذلك من أنواع الجرائم، فإن القرآن يذكرها وينادي أصحابها ويدعوهم إلى التوبة.
وقد أخبر الله -سبحانه وتعالى- في آخر سورة الفرقان بعد أن ذكر أصنافًا من المجرمين الذين يدعون مع الله إلهًا آخر ويقتلون النفس التي حرم الله إلَّا بالحق ويزنون، تَوعَّدهم بالعقاب الشديد ثم قال سبحانه وتعالى: {إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ}؛ فليس مجرد أن يغفر لهم بل يبدل سيئاتهم حسناتٍ بتوبتهم.
وقد قال النبي الكريم ﷺ: «التَّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ»، وقد جاء في الحديث أن النبي ﷺ ذكر قصة رجلٍ من الأمم السابقة قتل مئة نفس، ثم جاء يسأل هل له من توبة؟ فدُلَّ على عالم، فقال له: «وَمَنْ يَحُولُ بَيْنَكَ وَبَيْنَ التَّوْبَة؟»؛ يعني أن باب التوبة مفتوح، ثم أرشده إلى الذهاب إلى قرية بها أناس صالحون يعبدون الله تعالى، فيذهب إليها فيعبد الله تعالى معهم، ومات في الطريق، واختلفت ملائكة الرحمة وملائكة العذاب لِمَنْ هو؟ وأوحى الله تعالى إلى القرية الصالحة أن تقترب منه، فأخذته ملائكة الرحمة، وكتب الله تعالى له الفوز والنجاة، وذلك بسبب توبته الصادقة.
فإذًا هذا الذي تسأل عنه هو واحدٌ من هؤلاء الذين أسرفوا على أنفسهم ووقعوا في الجرائم والذنوب، وباب الله تعالى مفتوح وتوبته على من تاب من عباده مبذولة، فينبغي له أن يُسارع في التوبة إلى الله تعالى بالندم على ما فعل من الذنوب، وبالعزم على عدم الرجوع إليها في المستقبل، وبالإقلاع عنها في الوقت الحاضر، وإذا كانت عليه حقوق مادية للناس فينبغي له أن يتخلَّص منها بقدر استطاعته، فإذا فعل هذا فإن الله تعالى يتوب عليه ويغفر له ذنبه، فقد قال الله في كتابه: {وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ}.
وأمَّا ما ذكرته من شأن السحر وما ذكرتَ معه من تفاصيل، فإن النصيحة له أن يستعمل الرقية الشرعية، وأن يستعين بمن يُحسن الرقية الشرعية من الناس الصالحين، ويبتعد عن المشعوذين والدَّجَّالين والكذابين، وسيكتب الله تعالى له الخلاص والنجاة من السحر وآثاره.
نسأل الله تعالى أن يَمُنَّ علينا جميعًا بالتوبة والهداية، ويوفقنا جميعًا للعمل بمرضاته.