كيف أنظم وقتي لحفظ القرآن والدراسة الأكاديمية؟

2026-04-01 23:30:43 | إسلام ويب

السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أود أن أطرح مشكلة تتكرر معي، ولكن قبل ذلك أود ذكر حادثة حصلت لي كنت أظنها السبب في ذلك؛ فقبل الثانوية العامة كنت مثالية جداً؛ أدرس وأحفظ القرآن، وأؤدي التسميع وأمارس الرياضة، وكل ذلك بالتزام صارم، وكنت سعيدة جداً بهذه الحياة.

عندما اقتربت الثانوية العامة، أجبرتني أمي على البدء بالدراسة قبل موعدها بنصف سنة، وضغطتُ نفسي ضغطاً كبيراً جداً لمدة ستة أشهر، لا أرى فيها أحداً، وأدرس من الساعة السابعة صباحاً إلى الساعة الحادية عشرة ليلاً، وكنت ملتزمة لا أضيع يوماً واحداً.

بعد أن بدأت الثانوية بشكل رسمي، بدأتُ أشعر بأني غير قادرة على الدراسة، وكنت أبكي كل يوم، وتركت حفظ القرآن بحجة ضيق الوقت، وهذا زاد الطين بلة، كنت دائماً خائفة وأبكي، واستمر هذا الحال مدة سنة، حدثت لي خلالها أشياء كثيرة، منها نزيف بالأنف -رعاف- بشكل متكرر وكوابيس مزعجة، وكان أصعب ما مررتُ به ليالي الامتحانات؛ إذ كنت في أشد حالات الخوف والتوتر، وكان النزيف يزداد.

بعد انتهائي من الامتحانات كنت عازمة على الرجوع للحفظ، لكني صُدمت من عدم قدرتي على الانضباط والالتزام كالسابق.

في العطلة التي سبقت دخول الجامعة، أصبتُ باكتئاب شديد، وكنت أبكي دائماً، وللأسف وقتها لم يكن إيماني قوياً، فكنت ألجأ للهاتف والمسلسلات للهرب من الواقع، مما زادني حزناً.

دخلت الجامعة بنفسية سيئة جداً، ورغم رغبتي الداخلية في الدراسة والإنجاز والحفظ، إلا أنني لم أكن ألتزم بشيء، وكان هذا يحزنني ويحبطني كثيراً.

وهنا سأذكر مشكلتي، وأعتذر عن الإطالة في المقدمة: طوال السنوات الثلاث الماضية منذ دخولي الجامعة وإلى الآن، تأتيني فترات تستمر أسبوعاً أو أربعة أيام تقريباً، يضيق فيها صدري، وأحزن حزناً شديداً وأكتئب، ولا تكون لدي أي رغبة في الدراسة أبداً، وفي الأيام التي تسبقها لا أكون ملتزمة بالمراجعة أو الدراسة بشكل كبير، علماً أنني طوال هذه السنوات، اكتشفت أنني كنت أضع خططًا لِكَمٍّ كبير من المراجعة والدراسة، وأحاول الالتزام بها لكن بلا جدوى.

مرت ثلاث سنوات ونصف، تحسنتُ فيها -بحمد الله-، وتقربت إلى الله بشكل أكبر، وصححتُ بعض أخطائي المتعلقة بوضع كمٍّ كبير من المهام، لكن المشكلة لا تزال قائمة؛ وهي مرور فترات حزن كثيرة لا أعرف كيف أتصرف تجاهها، وأشعر فيها بالاختناق!

كيف أحل هذه المشكلة؟ وكيف أعود كسابق عهدي ملتزمة بكل شيء؟ إن أكثر ما يحزنني ويحبطني هو عدم إتمامي حفظ القرآن إلى الآن.

وشكراً لكم.

الإجابــة:

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ رند حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

نشكركم لتواصلكم معنا، وثقتكم بموقعنا.

فهمنا من رسالتك رحلتك الطويلة من التجلد والسعي والانكسار، وأحزننا أن نسمع ما مررت به من ضغط في سنوات الدراسة، ثم فترات الحزن الدورية التي تعودت قدومها دون أن تعرفي كيف تواجهينها، وما يزيدنا اهتمامًا بمشكلتك أنك في كل هذا لم تستسلمي، بل ظللت تسعين نحو القرآن الكريم، وتحزنين على الانقطاع عنه، وهذا الحزن ذاته علامة حياة روحية حقيقية، فاحرصي عليها.

ما وصفته من أعراض خلال الثانوية العامة من الحزن الدائم، والبكاء اليومي، والكوابيس، ونزيف الأنف المتكرر، هي علامات واضحة لما يعرفه علم النفس بـالإنهاك النفسي، أو نفاد الطاقة الداخلية بعد ضغط مفرط ومتواصل، لم يكن ما أصابك ضعفًا في إرادتك، بل كان استجابة طبيعية لجسد، وعقل، وروح أُثقلت فوق طاقتها، يقول الله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (البقرة: 286)، وفي هذه الآية الكريمة درس عميق حين نتجاوز وسعنا، أو حين يُجبرنا من نحبهم على تجاوزه، فإن الإنسان لا يصمد، بل ينكسر، وليس هذا الانكسار هزيمة، بل هو إشارة ربانية تقول: ارجع إلى التوازن.

ما تصفينه من موجات الحزن والضيق الدورية، وارتباطها بضعف الالتزام الدراسي، يمكن أن نفهمه من زاويتين:

الأولى: أن نمط التفكير الكمالي الذي اكتسبته لا يزال يسكن داخلك؛ إذ تضعين خططًا كبيرة، وتتوقعين إنجازًا كاملاً، فإذا لم يتحقق، جاء الإحساس بالفشل ليفتح الباب أمام الحزن، وهذا ما يسميه علماء النفس: التفكير الكلي، أو اللاشيء، أي أنه إما كل شيء، وإما لا شيء، وهو من أكثر الأنماط تعذيبًا للنفس.

الثانية: إن الإنهاك الذي مررت به لم يعالج بعمق كافٍ؛ فالجرح القديم مهما التأم ظاهره قد يفتح من حين لآخر حين يصطدم بضغط جديد، والبرنامج الديني الذي أشرت إليه قطع شوطًا كبيرًا في الشفاء، لكن المسيرة قد تحتاج إلى مزيد من التعهد والرعاية.

من الأمور التي ستعينك -بإذن الله-:

الخطوة الأولى: تذكري أن ما حدث في الثانوية لم يكن اختيارك الكامل؛ ضغط خارجي، وضغط داخلي التقيا في وقت واحد، الله يعلم ما مررت به، والاعتراف بالألم ليس تبريرًا للتقاعس، بل هو الخطوة الأولى للتعافي الحقيقي.

الخطوة الثانية: الالتزام الحقيقي ليس في الكميات الكبيرة، بل في الديمومة على القليل، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل)، وهذا الحديث كنز لمن يعانون من الكمالية؛ فالله لا يريد منك الاستنزاف، بل يريد منك الاستمرار، فأجتهدي على نفسك بهذا المعيار الرباني، واتركي معيار الضغط الذي لم يجلب إلا التعب.

الخطوة الثالثة: لا تعودي إليه على هيئة الإنجاز والكميات، بل عودي إليه على هيئة المناجاة والدواء، وابدئي بثلاث آيات في الصباح، وثلاث في المساء، مع التدبر لا مجرد الحفظ، وتذكري أن القرآن لم يتركك، أنت من غبت عنه قليلاً، وهو يستقبلك الآن كما أخبرنا ربنا:﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ (الرعد: 28).

وما أجمل قول الطغرائي في ديوانه في هذا المقام:
أُعلِّلُ النَّفسَ بِالآمالِ أَرقُبُها *** مَا أَضيَقَ العَيشَ لَولَا فُسحَةُ الأَمَلِ.

الخطوة الرابعة: حين تحسين بقدوم موجة الحزن، لا تقاوميها بالإلزام والضغط، بل تعاملي معها بثلاثة أشياء:
- الاعتراف بها دون حكم، إذ تقولين في نفسك: أنا حزينة الآن، وهذا مسموح وسيمر.
- اللجوء إلى الدعاء الذي علمنا إياه النبي -صلى الله عليه وسلم-: (اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، والعجز والكسل).
- التحرك الجسدي ولو بنزهة قصيرة، أو صلاة ركعتين؛ فإن الجسم والروح شريكان في الحزن، وشريكان في الشفاء.

الخطوة الخامسة: لفت انتباهنا أنك أصبحت أمك الداخلية؛ إذ تضغطين على نفسك بنفس المعدلات الكبيرة التي كانت سببًا في إنهاكك، أمك أحبتك، وأرادت لك الخير بفهمها، لكن أنت الآن من يحدد طريقتك، فكوني لنفسك موجِّهة حكيمة، لا سجّانة صارمة، لا تستبدلي أمك الخارجية بأخرى داخلية!

رابعًا: لا نريد أن نغفل عن أن ما مررت به كان تجربة طويلة ومعقدة، وإن كانت هذه الفترات الدورية من الحزن تعطل حياتك الدراسية والاجتماعية بشكل ملموس، فنشجعك بقوة على زيارة أخصائي نفسي متخصص ولو مرة واحدة؛ للتقييم، والدعم؛ فطلب المساعدة سنة الاستعانة بالأسباب، وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (تداووا عباد الله، فإن الله لم يضع داءً إلا وضع له شفاءً).

وختامًا: تأملي كيف كرر الله اليسر مرتين في سورة الشرح: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا، إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ (الشرح: 5-6)؛ لأن الله أراد لك أن تعلمي يقينًا أن هذا الحزن ما هو إلا مرحلة، وما هذا الضيق إلا طريق إلى رحابة أوسع.

نسأل الله أن ييسر أمرك، وأن يشرح صدرك، وأن يمن عليك بالقرآن صاحبًا وشفاءً، وأن يبدل حزنك فرحًا وضيقك رحابة، وأن يهديك سواء السبيل.

www.islamweb.net