تصرفات والداي وأخي تؤذيني..فكيف أجمع بين برهم وحماية نفسي؟

2026-04-02 00:08:47 | إسلام ويب

السؤال:
السلام عليكم.

عمري 24 عامًا، والدي شخصية نرجسية -هداه الله-، لا يترك أي مجال للنقاش إلا وربطه بالدين؛ ليطرح آراءه وتفسيراته المخالفة للسنة ولشرع الله حسب هواه، ويتلاعب بالكلام لدرجة تشكيك من أمامه في أساسيات الدين. وقد خضت معه نقاشات، ولولا أن ثبت الله عقلي وقلبي لوقعت في الفتنة، ولو حاولت نصحه غضب، وسخط، وأصر على موقفه، وكونه محقًا.

لست ابنة بارة؛ فصوتي يعلو على والدتي، وكنت أدعو من قبل على والدي؛ لما سببه لنا من أذى نفسي شديد، إلى أن علمت أنه من العقوق، فتركت ذلك، ووصلت إلى مرحلة أني على الأقل لا أريد أن أكون عاقة بهما، لكن تصرفاتهما تثيران في نفسي عدم الأمان، والخوف، فأنا أبغض تصرفاتهما، وحبهما لأخي، وتدليلهما الفاسد له!

والدي وأخي لا يغضان البصر عن مواضع فينا، ونحن المحارم لهما، وقد كان لأخي سوابق معنا لولا ستر الله -محاولات تحرش-، وقد توصلت إلى أن أسلم حل هو تقليل الجلوس معهما، وتقليل الكلام، وتجنبهما، ونحن في بيت العائلة مع جدي في شقته.

أنا أخشى العقوق، وفي نفس الوقت لست قادرة على برهما، وخاصة عندما يستخدمونها لما يرضي هواهم.

الإجابــة:

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ سائلة حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

نشكركم لتواصلكم معنا وثقتكم بموقعنا.

فهمنا من رسالتك -أختي الكريمة- أنك تعيشين في بيئة أسرية بالغة التعقيد والثقل، وأنك تحملين من الأعباء النفسية والمعنوية ما يفوق ما يُحتمل في الغالب، ولم يكن صمودك وثباتك إلا بتوفيق من الله وحده، وهذا الثبات الذي ذكرتِه شاهدٌ على صدق إيمانك، وعمق تعلقك بربك، فالحمد لله أولاً وآخرًا على أنه حفظكِ وثبّتكِ.

ما تصفينه من سلوك والدك ظاهرة نفسية موثقة، يُعرف فيها بعض أصحاب الشخصيات النرجسية باستخدام الدين أداةً للسيطرة والإقناع، لا أداةً للهداية، ويكون الهدف في الغالب إسكات المعارض، وإثبات الأحقية الشخصية، لا الوصول إلى الحق، وهذا النمط مؤلم بشكل خاص حين يصدر من الأب الذي يُفترض أن يكون مرجعًا للأمان والرشد.

والله سبحانه وتعالى وصف في كتابه الكريم صنفًا من الناس يُجادلون في الله بغير علم، ولا هدى، ولا كتاب منير، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾ (لقمان:20)، وموقفك الصحيح هو ما انتهجتِه فعلاً، وهو الإحجام عن الجدال الذي لا يُفضي إلى ثمرة، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقًا)، وقد أحسنتِ حين أدركتِ أن الانسحاب من هذه النقاشات هو الأسلم لعقيدتك، وعقلك، وروحك.

وأما ما يصيبك من قلق حين تسمعين تشكيكًا في الأساسيات؛ فعليك بتحصين نفسك بالعلم الشرعي الصحيح من المصادر الموثوقة، وبمجالسة أهل العلم الصادقين، ولا تجعلي من مجالس والدك مرجعًا لتشكيل قناعاتك الدينية.

أما ما يتعلق فيما يخص قضية أخيك والتحرش:
فهذه النقطة هي أشد ما في رسالتك خطورةً، وأكثرها إلحاحًا في الحاجة إلى التناول الواضح والصريح، وما ذكرتِه من محاولات سابقة من أخيك بحق المحارم هو أمر لا يجوز السكوت عنه تحت أي ذريعة، لا ذريعة ستر العائلة، ولا خوف إغضاب الوالدين، ولا أي اعتبار آخر؛ فحفظ النفس والعرض من الضروريات الخمس التي جاءت الشريعة الإسلامية لصونها، وحين يكون التهديد داخليًا من داخل البيت؛ فإن الواجب الشرعي والإنساني هو اتخاذ أقصى درجات الحماية، ومن ذلك:

- أن تحرصي على ألا تجلسي أنتِ أو من معك من أخوات في خلوة مع هذا الشخص في أي وقت، وأن تتواصلي مع أي جهة موثوقة من أهل العائلة كجدك، أو غيره إذا تجدد أي تهديد، وأن تعلمي أن الله يعلم ما مضى وما هو آتٍ، وأنه سبحانه ناصر المظلوم.

- إن أمكن التواصل مع مختص نفسي أو جهة متخصصة في دعم ضحايا التحرش الأسري؛ فإن هذا ليس ضعفًا، بل هو حكمة وحماية لك ولمن تحبين، وما مضى كان مؤلمًا، وما تحملينه من أثره نفسيًا يستحق العناية والرعاية.

أما فيما يخص الخوف من العقوق:
فهذا الخوف الذي تحملينه دليل على رقة قلبك، وحسن دينك، غير أن ثمة فرقًا جوهريًا بين البر الواجب، وبين الطاعة المطلقة؛ فالعقوق هو إيذاء الوالدين، والتقصير في حقهم الواجب، أما البر فيُقدَّر بالطاقة، وبما لا يترتب عليه إذلال النفس، أو تعريضها للأذى؛ قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ (لقمان:15)، فقوله تعالى: معروفًا لا يعني معاشرة تُذل فيها نفسك، أو تُضيّع دينك، أو تُعرّض عرضك للأذى، بل يعني ما يتسع له العرف الإنساني القويم من لطف في القول، وعدم أذى، وسد الحاجات الأساسية، وما توصلت إليه من تقليل الجلوس وتجنب مواطن الاحتكاك هو في حقيقته ليس عقوقًا، بل هو اجتهاد عاقل في الحفاظ على نفسك، وعلى ما تبقى من علاقة فيها حد أدنى من السلامة.

أما فيما يخص مشاعر النفور من تصرفاتهما:
فإن بغضك لتصرف ظالم، أو تصرف يُهين كرامتك، أو يتحيز بشكل مؤلم؛ هو أمر طبيعي تمامًا، والإسلام لا يطلب منك أن تُحبي ما يُقلقك أو يُؤذيكِ، بل يطلب منك ألا تَظلمي، والفرق دقيق، لكنه عظيم، تستطيعين أن تُبغضي تصرفًا، وتظلي بارة في الوقت نفسه.

وقد قال بعض العلماء: إن البر بالوالدين الذين يُسيئان لا يعني التماهي مع إساءتهما، بل يعني ألا تقطعي الصلة، وألا تدعي عليهم، وألا تُضمري لهما الأذى، أما الضغينة على الفعل لا على الشخص فهذا ما لا يملك الإنسان دفعه عن نفسه بالكامل، ولا يُحاسب عليه ما لم يتحول إلى قول أو فعل ظالم.

من الأمور التي ستعينك -بإذن الله-: أن تحتفظي بمسافة آمنة عاطفية، وجسدية من مواطن الأذى داخل البيت، وألا تنتظري تغيير والديك أو أخيك؛ فهذا ما لا تملكينه، وأن تصبي طاقتك في بناء نفسك علميًا، ودينيًا واجتماعيًا، حتى يُتاح لك الاستقلال يومًا ما -بإذن الله- وأن تجعلي جدك ومن حولك من أهل البيت الموثوقين سياجًا حول سلامتك ما أمكن ذلك، وأن تتواصلي مع أخصائي نفسي متخصص في الصدمة الأسرية؛ لأن ما مررتِ به ليس أمرًا هينًا، وتستحقين من يساعدك على معالجة أثره بطريقة احترافية.

أختي الكريمة: إن اللجوء إلى الله عز وجل في مثل هذه الأحوال بالدعاء، والتضرع، والمناجاة هو السلاح الأعظم، والملجأ الأعمق، فرب الكون يعلم ما خفي عن كل أحد، وهو وحده القادر على أن يصلح ما فسد، وأن يُبدّل الضيق سعةً، والخوف أمانًا، قال تعالى: ﴿أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ﴾ (النمل: 62).

نسأل الله أن ييسر أمرك، وأن يشرح صدرك، وأن يهديك سواء السبيل، وأن يُحيط بيتك بحفظه وسلامته، وأن يرزقك الأمان الذي طال انتظاره.

www.islamweb.net