أريد الانتقال للمدينة بحكم فرص العمل ووالدي يرفض ذلك!

2026-04-08 00:51:17 | إسلام ويب

السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

جزاكم الله خيرًا على ما تقدّمونه لنا من فائدة عظيمة في هذا الموقع الأكثر من رائع، وبعد:

أنا رجل في عمر السادسة والعشرين، متزوج ولدي ولدان في عمر السنتين، ولدت في قرية نائية عن المدينة، ودرست الجامعة في المدينة، ثم تزوجت من قريتي، ولكن بعد الزواج قررت الانتقال إلى المدينة بحكم فرص العمل؛ ولأن الحياة فيها أفضل من القرية، غير أن أبي يرفض رفضًا قاطعًا، ويقول إنه يجب أن تظل زوجتي في القرية، وإنه يمكنني التنقل بين القرية والمدينة، فأعمل في المدينة إذا كان لدي عمل، ثم أمكث فيها شهرًا أو شهرين وأعود إلى القرية لأسرتي.

حاولت إقناعه لكنه لا يقتنع، ويقول إنه يجب أولًا أن أجمع المال لأتمكن لاحقًا من امتلاك بيت خاص بي بدلًا من تكلفة الاستئجار، ويتحجج بأن بقائي في القرية ضروري لأجل الاهتمام بأمي وأسرتي، علمًا أنني الثاني بين إخوتي الذكور، ولي أخ أكبر مني، وآخر على وشك الزواج، وأبي أيضًا يعمل في المدينة ويتردد على القرية كل شهر أو شهرين.

ما الحل، وهل إذا لم أستمع إلى كلامه وانتقلت إلى المدينة أكون عاصيًا له؟ ما هو السبيل برأيكم؟

الإجابــة:

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ أحمد حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

ابتداءً: شكر الله حرصك على بر والدك، والبحث عن سبل تحقيق مصلحتك الشخصية دون كسر كلامه وإرادته؛ فإن هذا من العمل الصالح الذي ترجى عاقبته بالخير عاجلًا غير آجل، وإذا كان الله قد وعد الواصل لرحمه بسعة الرزق؛ فإن من أعلى الرحم وأخصها على الإطلاق الأب والأم؛ قال ﷺ: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ، وَيُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ».

أخي الكريم، بعد الاطلاع على ما تفضلت به من تحدٍّ تواجهه في اختلاف رغبة والدك عن رغبتك في الاستقرار خارج قريتك، لعلي أختصر إجابتي في النقاط التالية:

1. التهيئة النفسية: كن ابتداءً مستعدًّا لأن تتنازل عن رغبتك لصالح رغبة الوالد في حال عجزك عن تغيير قناعته؛ هذا الاستعداد النفسي الأول يجعلك تتعامل مع الموضوع بحدة أقل، وبنفس طيبة، وهو ما سينعكس على طريقتك في التعاطي مع الموضوع بأكمله.

2. هذا الاستعداد النفسي للتنازل لأجل رغبة الوالد، لا يمنع من أن تعدد أساليب التأثير عليه ومحاولة إقناعه؛ وهنا أنصحك بأن لا تبقى أنت في الواجهة مع والدك؛ فإن تكرار مراجعتك له قد يزيد لديه التشبث برأيه أو الحدة في موقفه؛ ولعلك تفكر في الشخصيات ذات التأثير والقرب منه كأمك أو أحد إخوانك أو أعمامك أو أصدقائه، أو غير هؤلاء.

3. من المداخل التي قد تكون جيدة ومؤثرة على والدك هو أن تجعل الحاجة إلى أخذ عائلتك معك نابعة من زوجتك لا منك أنت، فالأب قد يجد نفسه جريئًا في مخالفة مطالب ابنه ورغباته بحكم حقه الكبير عليه؛ ولكنه لا يجد نفس الجرأة هذه مع مطالب غيره ممن هم أبعد في الصلة.

4. من المداخل المهمة كذلك: إظهارك للقناعة برأي والدك وبيان أن موقفك نابع من خوفك على نفسك من الفتن وأنت بعيد عن أهلك، وما يمكن أن تذكره من الانفتاح في المدينة، وعدم قدرتك على البعد أسابيع كثيرة عن زوجتك؛ فإن هذا قد يؤدي إلى رفع قناعته بموقفك، فتحريك دافع الخوف عليك عنده من الأمور المهمة والمؤثرة غالبًا.

5. من الأمور المهمة في محاولات الإقناع له هو أن تجعل سفرك مفتوح المدة بلا حد؛ فإن هذا يعزز لديه الشعور بفقدك الدائم حتى وإن كنت ستزوره بين فترة وأخرى، اجعل لك أمدًا زمنيًّا محددًا كأن تجعلها سنة أو سنتين، واجعلها مربوطة بهدف هو يحبه كتوفير مبلغ شراء البيت مثلًا؛ فإن هذا سيخفف عليه الأمر جدًّا بحوله تعالى.

6. إياك أن يضعف بِرّك وودّك ولينك في تعاملك مع الوالد خلال فترة المراجعة والإقناع هذه؛ فإن هذا مما يغلظ قلبه عليك، وربما اعتبرها إحدى أوراق الضغط عليه فزاد تصلبًا في موقفه وإصرارًا عليه، فاستبدل ذلك بالرفق واللين معه، وقد قال ﷺ: «مَا كَانَ الرِّفْقُ فِي شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ، وَمَا نُزِعَ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا شَانَهُ»، وقال ﷺ: «إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِأَهْلِ بَيْتٍ خَيْرًا أَدْخَلَ عَلَيْهِمُ الرِّفْقَ».

7. قد يكون من المفيد كذلك إظهار مصلحة من سفرك تعود عليه هو شخصيًّا أو على بيت أهلك؛ وذلك من خلال الوعد بالتزامك بمبلغ شهري محدد يتم إرساله من طرفك، وأن قدرتك على دفع هذا المبلغ ستتضاءل في حال عدم أخذ زوجتك معك بسبب سفرك المتكرر.

8. من الجيد كذلك أن تعمل على التفكير في النقاط التي تمثل مخاوف له من سفرك؛ ومنها على سبيل المثال: فقده لك ولعائلتك وأبنائك؛ فتلتزم له مثلًا بزيارات متقاربة بين كل فترة وأخرى؛ بحيث تعزز لديه الاطمئنان بأن سفرك مع أهلك لن يسبب انقطاعًا كاملًا عنه؛ ولكن عليك أن لا تعد بشيء وأنت غير قادر على الالتزام به بالفعل.

9. ركعة في جوف الليل، مع دعاء صادق تفتح له أبواب السماء، ويفتح معها أبواب قلب أبيك لما تحب؛ فلا تقتصر على الأسباب والوسائل المادية؛ فإن الأسباب المعنوية هي الباب لتيسير كثير من الأمور في حياتنا.

10. في حال أنك بذلت كل ما تستطيع من وسائل مما ذكرناه لك ومما لم نذكره، ثم عجزت عن إقناعه؛ فلا أنصحك بمخالفته، بل ببره بما يحب؛ ولعله إن رأى طاعتك لكلامه واستجابتك لرغبته ما يلين قلبه عليك ويغير موقفه.. فإن كان ذلك فقد تحقق المقصود والحمد لله؛ وإن لم يبقَ على موقفه؛ فأنت حينئذ ستجني بحوله تعالى من بركات البر أضعاف ما ستجنيه من سفرك.. كن واثقًا من ذلك.

وختامًا: كن واثقًا باختيار الله لك، وكن مطمئنًا على ما ستؤول إليه الأمور، فإن الله تعالى وعد بقوله (عسى) وعسى وعدٌ من الله حق: {وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا} وقال ﷺ: «مَنْ تَرَكَ شَيْئًا لِلَّهِ عَوَّضَهُ اللَّهُ خَيْرًا مِنْهُ».

سددك الله -أخي الكريم- وشرح الله قلب والدك لما هو خير لك، وكتب لك الخير حيثما كنت.

www.islamweb.net