أنا الأولى على دفعتي ولكني أفكر في ترك الدراسة.. فما توجيهكم؟
2026-04-28 02:36:42 | إسلام ويب
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله.
أنا طالبة بإحدى الجامعات في كلية الآثار، تخصصتُ في قسم جديد لم تتخرج فيه دفعات كثيرة بعد، والحمد لله، أحصل دائماً على المركز الأول على دفعتي، يستعد والداي للاحتفال بنجاحي وقت ظهور النتيجة فقط، لكنني أشعر بعدم اهتمامهما الكافي خلال فترة الدراسة.
أحب مجالي الدراسي جداً، لا سيما وأنه يتسم بالندرة، ومع ذلك تراودني أحياناً رغبة في ترك الدراسة، إلا أنني أخشى حزن والدتي.
تتطلب الدراسة أحياناً زيارات ميدانية أو السفر خارج المدينة لعدة أيام، والسكن مع زميلاتي، أما العمل مستقبلاً -بإذن الله- فسيكون معظمه من المنزل؛ لأنه يجمع بين الجانب التقني والآثار.
تساؤلاتي هي:
- هل أحضر المحاضرات بانتظام، علماً بأن الغياب يؤثر على الدرجات؟
- هل أستمر في الدراسة أم أتركها؟
- هل يُعدُّ اعتباري للدراسة وسيلة للترويح عن النفس والاستمتاع أمراً جيداً؟
- هل أشارك في الزيارات الميدانية أم لا؟
شكراً لكم."
الإجابــة:
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
نشكركم لتواصلكم معنا وثقتكم بموقعنا.
فهمنا من رسالتك أختي الكريمة أنك طالبة متفوقة، حصلت على المركز الأول في دفعتك في قسم الآثار بالجامعة، وهذا إنجاز يستحق الإشادة والتقدير، والحمد لله الذي وفقك لهذا التميز، لكنك تعانين من تساؤلات عدة تدور في ذهنك، وتشعرين أحيانًا بالإحباط من قلة الاهتمام الوالدي أثناء مسيرتك الدراسية، نحب أن نتحدث معك بصراحة وصدق عن كل ما طرحتِه.
أولاً: من الطبيعي جدًا أن يشعر بعض الأبناء بأن الوالدين لا يُبدون الاهتمام الكافي طوال الرحلة، بينما يظهر فرحهم وحفاوتهم لحظة النتائج، وهذا في الغالب لا يعني غياب الاهتمام، بل كثير من الآباء يُعبّرون عن اهتمامهم بطريقة مختلفة، فهم يدعون في السر، ويرجون لك التوفيق في قلوبهم، لكنهم لا يُجيدون التعبير اليومي عن ذلك بالكلمات، والأجمل أنهم يستعدون للاحتفال بك وقت النتائج، وهذا دليل على أن نجاحك يَسعدهم ويَسُرّهم، حاولي أن تتحدثي معهم بهدوء، وتُخبريهم أنك تحتاجين إلى تشجيعهم ومتابعتهم أثناء الدراسة، وليس فقط عند النتائج، فكثيرًا ما يُفيد الحوار الصريح في ما تُعجز عنه الإشارات والتلميحات.
ثانيًا: هل تتركين الدراسة؟ الجواب بوضوح وثقة: لا، أنت في مجال نادر، وصاحبة المركز الأول في دفعتك، وتحبين ما تدرسينه، هذه نعم، ثلاث اجتمعت لك في آنٍ واحد، فلا تتركيها.
الشعور بالرغبة في الترك يعتري كل طالب جاد في لحظات الضعف والإرهاق، وهو لا يعني أنك لا تصلحين لهذا المجال أو أنك لا تريدينه حقًا، قال تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ (آل عمران: 139)، فالثبات في اللحظات الصعبة هو ما يُفرّق بين من يُكمل ومن يتوقف، وقد أحسن الشاعر إذ قال:
وَمَن يَلقَ خَيرًا يَحمَدِ الناسُ أَمرَهُ *** وَمَن يَغوِ لا يَعدَم عَلى الغَيِّ لائِمًا
ومعنى ذلك أن من ثبت ووصل وجد من يُثني عليه، ومن ترك وجد من يلومه، فاثبتي.
ثالثًا: هل تحضرين المحاضرات؟ نعم بالتأكيد، احضري المحاضرات، الغياب يؤثر على درجاتك بشكل مباشر، وهذا وحده كافٍ ليكون الحضور قرارك الراسخ، لكن أكثر من ذلك، فإن الحضور الجسدي في قاعة الدراسة يبني لك شبكة من المعرفة والعلاقات، والخبرات التي لا يمكن لأي شكل آخر من أشكال الدراسة أن يُعوّض عنها.
النبي صلى الله عليه وسلم كان يُعلّم أصحابه بشكل مباشر، وكانوا يجلسون بين يديه؛ لأن الحضور في مجلس العلم له أثر لا يُستهان به، فلا تُضيّعي هذه الفرصة.
رابعًا: هل تعتبرين الدراسة ترويحًا وتستمتعين بها؟
هذا ليس فقط جيدًا، بل هو نعمة عظيمة تستحق الشكر، أن تجدي في عملك، وفي دراستك متعة، ومعنى فهذا ما يجعل الإنسان يُنتج ويُبدع ويتميز، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يُتقنه)، والإتقان يكون أيسر حين تُحب ما تفعل، فاستمتعي بدراستك، ولا تستحِي من ذلك، واجعلي هذا الشعور وقودًا لمزيد من التميز والعطاء.
خامسًا: هل تذهبين إلى الزيارات الميدانية؟ الزيارات الميدانية في مجال الآثار هي جوهر التخصص ولُبّه، ولا يكتمل التعليم الأثري دون الاحتكاك المباشر بالمواقع والمشاريع، وما دامت هذه الزيارات تتم في بيئة أكاديمية رسمية مع زميلاتك من الطالبات وتحت إشراف أساتذة الكلية، فإنها من باب طلب العلم الذي حثّنا عليه الإسلام.
ننصحك أن تُخبري والدتك بتفاصيل كل رحلة قبلها، وأن تحرصي على التواصل المستمر معها أثناءها، فذلك يُطمئنها ويُريحك، وإن كان لديك شك في أي رحلة بعينها؛ فاستشيري شخصًا تثقين بعلمه ودينه وقُربه من واقعك، وتذكري دائمًا أن طلب العلم طريق شرّفه الله ورسوله، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهّل الله له به طريقًا إلى الجنة).
ختامًا: أختنا الكريمة، أنت في موقع قوة من حيث لا تشعرين، فلديك تخصص نادر، وتفوق موثّق، وحب حقيقي لما تدرسينه، ومستقبل واعد تجمعين فيه بين التقنية والتراث، فلا تتركي هذا الطريق، بل واصلي بثقة وحاضري ومُتّعي نفسك بالتعلم واذهبي إلى الزيارات بوعي وتخطيط، واعلمي أن الله لا يُضيّع أجر المحسنين، وأن ثمرة التعب تأتي في أوانها.
نسأل الله أن ييسر أمرك، وأن يشرح صدرك، وأن يهديك سواء السبيل.