هل يمكن إجراء عملية جراحية في الدماغ للتخفيف من أثر الوسواس؟
2026-05-04 02:45:36 | إسلام ويب
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أعاني من وسواس قهري منذ طفولتي، إذ بدأ عندما كان عمري تسع سنوات، وهو وسواس فكري في المقام الأول، وكذلك سلوكي، ويسبب لي تشتتًا شديدًا في التركيز، وعدم القدرة على العمل أو القيام بمهامي؛ فبمجرد أن ترد الفكرة الوسواسية يتشتت تركيزي تمامًا، وتستحوذ على انتباهي طوال اليوم، فلا أستطيع التخلص منها، ولا التركيز على أي شيء.
حاولت تطبيق العلاج السلوكي المعرفي بمختلف أساليبه، لكن لم أنجح؛ لأن الوسواس يلازمني بإلحاح وتكرار شديدين.
خلال السنوات العشر الأخيرة تناولت معظم أدوية الاكتئاب، وأعطيت كل دواء حقه من المدة والجرعة، لكن لم ألاحظ تحسنًا جذريًا، الدواء الوحيد الذي لم أستطع الاستمرار عليه هو الـ "أنافرانيل"؛ لأنه سبب لي خفقانًا شديدًا، إذ وصلت ضربات قلبي إلى 140 في وقت الراحة، فأوقفه الطبيب، كما استخدمت مضادات الذهان مع مضادات الاكتئاب، دون تحسُّن يُذكر.
أخبرني الطبيب أن حالتي وسواس قهري شديد ومستعصٍ وطويل الأمد، وأن الوسواس القهري درجات: خفيف، ومتوسط، وشديد، وقد أكون من الفئة الشديدة، وقد لاحظت عند مخالطتي لبعض المصابين بالوسواس القهري في العيادة أن حالتهم ليست بهذه الشدة، فلديهم مساحة من الحياة والتركيز، بخلافي أنا، فلماذا أعاني من وسواس يسيطر على تركيزي بهذه الصورة؟ هل حالتي نادرة وشديدة؟ أم أن درجات الوسواس تختلف، وقليل من يصل إلى هذه الشدة؟
ماذا أفعل؟ لقد يئست، ولم أتزوج، ولم أستطع أن أعيش حياتي بشكل طبيعي، وأشعر أن حياتي مدمَّرة، وقد وصل بي الإحباط إلى التفكير في الانتحار.
قرأت عن وجود عملية جراحية تُسمى التحفيز العميق للدماغ، عبر زرع جهاز كهربائي لتخفيف الوسواس القهري، لكني لم أجد من يُجريها في بلدي، وربما تكون مكلفة جدًّا في الخارج، فهل تُعد فعلًا حلًّا أخيرًا للحالات الشديدة؟
كما قرأت عن عمليات جراحية أخرى تقوم على إزالة جزء من خلايا معينة في الدماغ، فهل هذا صحيح؟ وما رأيكم في هذه العمليات؟ وهل تُجرى في العالم العربي؟
وكذلك ما رأيكم في جلسات التحفيز المغناطيسي للدماغ (TMS)؟ فهي متوفرة في بلدي لكنها مكلفة، وقد تحتاج إلى نحو 30 جلسة، وأيضًا: هل يفيد العلاج بالصدمات الكهربائية في مثل حالتي؟
أعتذر عن كثرة الأسئلة، لكني مُرهق ومحبط، ولم أجد تحسنًا مع الأدوية، وأبحث عن حل يعينني على أن أعيش ما تبقى من عمري بصورة طبيعية، وأبدأ حياتي من جديد.
الإجابــة:
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ Ahmed .. حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
أرحب بك في استشارات إسلام ويب، وأسأل الله لك العافية والشفاء والتوفيق والسداد.
أخي الكريم، الوساوس القهرية منتشرة، والحالات المطبقة قليلة جدًّا حقيقة، والوسواس بالفعل يمكن أن يكون خفيفًا أو متوسطًا أو شديدًا، لكن كلها تعالج، وأنا دقيق جدًّا في هذه المعلومة، نسبة نجاح علاج الوسواس 85%، وهذه نسبة عالية جدًّا حتى للحالات الشديدة.
فأخي الكريم، لا بد أن تفكك هذا الوسواس الذي تعاني منه، نعم لا تأخذه كتلة واحدة، أرجو أن تفككه، وهذا أمر ضروري، والأمر الآخر هو ألَّا تعتقد أن هذا الوسواس مطبق عليك وأن حالتك ميؤوس منها، لا، هذا يجب ألا يدور في خلدك أبدًا.
والمرحلة الثالثة وهي مهمة جدًّا: الأدوية إذا لم تفدك في وقت سابق لا يعني أبدًا أنها لن تفيدك الآن، أبدًا، هي تفيد، ولاحظنا الأدوية التي تناولها بعض الناس لم تفدهم لمرة أو مرتين، لكنها أفادتهم في الثالثة.
ولا بد -أخي الكريم- أن أنبه لشيء ضروري جدًا، وهو أن الكثير من الناس يعتبرون أن وساوسهم هي وساوس مطبقة شديدة ولا يمكن أن تعالج، هذا المفهوم خاطئ، مشكلتهم الأساسية أن عدم ثقتهم في العلاج عالية جدًّا، وهذا هو الإشكال، إذًا عدم الثقة في العلاج أو عدم الالتزام به، أو استعجال النتائج، هو الذي يعطي الانطباع أن الوسواس مطبق وشديد، لا أبدًا.
فيا أخي، أنا أريدك أن تأخذ مني هذه النصائح: أن الوسواس يعالج ويعالج بصورة فاعلة جدًّا، والأمر الثاني: دعك من الماضي، أرجو أن تعيش الحاضر؛ لأن الحاضر هو الأقوى، نعم الحاضر أقوى.
وكلامك عن التفكير في الانتحار، أعتقد أن هذا شيء محزن أيها الفاضل الكريم، ما الذي يجعلك تفكر في هذا الأمر؟ أنت مسلم، وإن شاء الله تعالى هذه الحالة تعالج تمامًا، نعم نعم، فأرجو تصحيح مفاهيمك حسب الأسس التي ذكرتها لك، وأرجو الالتزام بأن تكون مع طبيب واحد.
نعم الوساوس القهرية علاجها ممكن، ومعظم الأطباء -أي الأطباء المختصون بالطب النفسي- على دراية بها.
العلاجات التي تحدثت عنها:
- العلاج بالصدمات الكهربائية لا يجدي، بل قد يزيد من الحالة ولا ننصح به
- علاج "TMS" هو للاكتئاب النفسي، نعم وليس للوساوس القهرية.
- جراحات المخ التي كانت تستعمل لعلاج الوساوس القهرية الآن هي ممنوعة تمامًا؛ لأننا اكتشفنا أنها تضر بالإنسان من ناحية الآثار الجانبية، وحتى أخلاقيات المهن الطبية لا تسمح بها في كثير من الدول أو في معظم الدول.
فيا أخي الكريم، علاجك هو العلاج السلوكي، والقناعات الجديدة على الأسس التي ذكرتها لك، وأن تتناول الدواء بالتزام، وكثير من الحالات وجدنا أنها تستجيب للأدوية الذهانية، نعم، مثلًا: عقار "ريسبريدال - Risperdal" حتى جرعة (4 ملغ) في اليوم، يضاف إليه بعد ذلك أحد مضادات الوساوس مثل الـ "زولوفت - Zoloft" بجرعة (100 ملغ)، هذا من أفضل العلاجات التي جربتها ونجحت مع الكثير من الناس.
فالفرصة أمامك موجودة، والفرصة مواتية لأن تتعالج ولأن تشفى تمامًا.
أخي، من الضروري جدًّا أن تجعل لحياتك معنًى، أن تكون لك أهداف، أن تكون لك آمال، أن تكون لك طموحات، أن تضع الآليات التي توصلك إلى أهدافك، لا بد أن تعمل، فقيمة الإنسان في العمل، والعمل هو من أكبر الوسائل التأهيلية لعلاج معظم الحالات النفسية، حتى مرضى الفصام -وهو مرض عقلي رئيسي- اتضح أن الأدوية لوحدها لا تفيدهم فائدة كاملة، لا بد أن يعملوا حتى في وظائف بسيطة، أو ما يسمى بالوسائط المحمية.
فيا أخي الكريم: اجعل لحياتك منهجًا مختلفًا تمامًا، منهجًا يقوم على الحيوية، على الأمل، على الرجاء، على التغيير، وعلى الالتزام بالعلاج.
هذا هو الذي أود أن أذكره لك، وأشكرك كثيرًا على الثقة في إسلام ويب، وأسأل الله لك العافية والشفاء.