أشعر أن جميع من حولي يتأذى بسببي حتى ابنتي رغم عدم حسدي لها!!
2026-06-08 02:44:10 | إسلام ويب
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
تدهورت أحوال أسرتي بشكل كبير.
بنت أختي في نفس عمر ابنتي، لكنها تسبقها في أشياء كثيرة، فصرت أقارن بينهما بشدة، خصوصًا في الكلام وتطور النطق، إلى أن أصبحت ابنتي متلعثمة، وكنت أظن أن ذلك مجرد صدفة، لكن الجميع لاحظ أن حالتها تزداد سوءًا كلما رأيت بنت أختي.
ورغم التزامي بالرقية الشرعية، ومجاهدة نفسي حتى لا أقارن ابنتي بها، فإن الأمر ما زال يؤرقني.
كما أن زوج أختي وأختي اتهماني أيضًا بالحسد، وأخذا أثري ومائي بعد تدهور أحوالهم، ثم تحسنت أمورهم بعد ذلك، لكن زوج أختي أصابه تعطل في العمل، وأصبحت أمي تخاف من وجودي بجانبها.
أنا أحاول كثيرًا، وأدعو الله دائمًا أن يشفيني، وابنتي للأسف متضررة بشدة، ولكني لا أحسدها، ومع ذلك أشعر أن جميع من حولي يتأذون بسببي، حتى إن زواجي أصبح في خطر.
أرجو الإفادة، فأنا أتضرع إلى الله وألجأ إليه.
الإجابــة:
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ هدى .. حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
مرحبًا بك -أختنا الكريمة- في موقعك إسلام ويب، وردًا على استشارتك أقول، مستعينًا بالله تعالى:
ذكرتِ في استشارتك عدة قضايا متشابكة، وهي: التلعثم، والمقارنة، واتهامات الحسد، وتأذي الأقارب، والخوف على الزواج، وسوف أجيب عن ذلك من الناحية الشرعية والنفسية والأسرية.
أولًا: التشخيص الشرعي والنفسي للموقف، بين العين والحسد والوسواس:
1. حدوث التلعثم المفاجئ عند ابنتك، بالتزامن مع لحظة المقارنة والانفعال، يحتاج إلى نظرتين متوازيتين:
• المسار الطبي:
التلعثم المفاجئ عند الأطفال، إذا حصل متزامنًا مع ضغط نفسي، كخوف شديد، أو مقارنة قاسية، أو توتر ناتج عن رد فعل الأم؛ فقد يكون سببًا رئيسيًا لحدوث التلعثم، لأن المقارنة المستمرة تولد عند الطفل رهبة وخوفًا من الفشل، مما يربك آلية الكلام.
والذي ننصح به أن تعرضي هذه الطفلة على أخصائي تخاطب وأخصائي نفسي للأطفال؛ لأن هذا قد يكون تلعثمًا نفسيًا نشأ بسبب ما ذُكر سابقًا، فإن كان الأمر كذلك، فهو قابل للعلاج بإذن الله، مع تخفيف الضغط عن الطفلة، وعدم مقارنتها بغيرها، وتشجيعها على الاختلاط بالأطفال.
• المسار الشرعي:
لا مانع من الرقية الشرعية؛ فهي نافعة بإذن الله، ولا داعي للمبالغة فيها حتى لا تسوء حالتك النفسية، فليس من اليقين أنك أنت من أصابها بالعين، والعين حق، ولكن لا ينبغي عزو كل ما يحدث إلى العين أو الحسد، فقد يكون السبب عضويًا، أو ابتلاءً من الله تعالى.
2. وسواس الحسد والعين:
هناك عبارات ذكرتِها في استشارتك، وهي مقلقة في نظري، مثل قولك: "حسد زوج أختي"، و"أمي تخاف من وجودي"، و"جميع من يقترب مني يتأذى".
فهذه الكلمات توحي -والله أعلم- بأنك تعانين من وسواس قهري، إذ اقتنعتِ أنك تحسدين الآخرين وتتسببين في أذيتهم بطريقة قهرية؛ لأن مشاعرك الداخلية تنعكس على تصرفاتك، فتنظرين إلى الآخرين بخوف وقلق؛ مما يجعل التفكير في النعمة يتكرر بصورة مبالغ فيها.
أختنا الكريمة، أنتِ لستِ مجرمة ولا سيئة، بل تمرين بدوامة نفسية.
وقولك: "أخذوا مائي بعد تدهور حياتهم وتحسنوا"، فيه شعور خطير بأنك أداة شر رغمًا عنك، وهذا من تلبيس الشيطان؛ ليوقعك في اليأس والقنوط من رحمة الله، ويتسبب في قطع رحمك.
3. خطوات عملية للخروج من هذه المحنة:
أولًا: معالجة العلاقة مع الله ومع نفسك:
• مجاهدة النفس والتوبة وتجديد النية:
1- جاهدي نفسك على ترك المقارنة؛ فهذا جهاد عظيم، فكلما سولت لك نفسك المقارنة بينك وبين الناس، أو بين ابنتك وبنات أقاربك، فاستعيذي بالله من الشيطان الرجيم، وكرري: "ما شاء الله، تبارك الله".
2- توبي إلى الله مما وقعتِ فيه من ظلم لابنتك بالمقارنة؛ فهذا مما يخشى من عواقبه، واشغلي لسانك بذكر الله، وقولي: "اللهم إني أعوذ بك أن أَظلِم أو أُظلَم".
3- جَددي نيتك دائمًا بالرضا بما قسم الله لك ولابنتك وزوجك، وافرحي بما أعطاه الله للآخرين، فذلك من الرضا بقضاء الله وقدره.
• إبطال ضرر العين والحسد بالدعاء والذكر:
كلما رأيتِ شيئًا يعجبك في بنت أختك أو غيرها، وخفتِ من أذى العين، فقولي فورًا: "اللهم بارك"، أو "ما شاء الله لا قوة إلا بالله"، واجعلي هذا الذكر حاضرًا على لسانك كلما رأيتِ نعمة عندك أو عند غيرك؛ فهذا الدعاء سبب في دفع أذى العين بإذن الله، وفيه امتثال لهدي النبي ﷺ.
• دعاء الكرب: أكثري من دعاء ذي النون: «لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ»، فما دعا به مكروب إلا فرج الله عنه.
• الإكثار من الذكر: جاهدي نفسك ليبقى لسانك رطبًا بذكر الله تعالى.
ثانيًا: أعيدي النظر في طريقة التعامل مع ابنتك:
• التوقف التام عن المقارنة: أكثري من احتضانها، واللعب معها، ومضاحكتها، وأخبريها أنك تحبينها وتحبين طريقة كلامها كما هي، وأنك كنتِ مخطئة حين قارنتِها بغيرها؛ فهذا الاعتراف يرفع عنها ضغطًا نفسيًا كبيرًا.
• بناء ثقتها بنفسها: أبرزي مهاراتها الخاصة، كالرسم أو الترتيب أو مساعدتك في بعض الأمور، وامدحيها أمام الآخرين، ولا تربطي حبك لها بإنجازاتها؛ فهي تحتاج الآن إلى الشعور بالأمان.
• العلاج المتخصص: لا تترددي في عرضها على أخصائي تخاطب؛ فهذا ليس عيبًا، وعلاج التلعثم ممكن ويسير بإذن الله، وغالبًا ما يتحسن الأطفال سريعًا مع الدعم الأسري المناسب.
ثالثًا: إصلاح العلاقة مع الأهل وإزالة التهمة:
• المصارحة والتبرؤ من الحسد:
1- تحدثي مع أختك وزوجها بكل وضوح ومحبة، وقولي لهما: "أنا أحبكما وأحب ابنتكما، وما يحدث من مشكلات ليس بسببي ولا أتمناه، وأنا أجاهد نفسي لأكون سبب خير".
2- وأكثري من الدعاء لهما بالتوفيق، وأخبريهما أنك لا تمانعين في طلبهما للماء الذي اغتسلتِ به إن كان ذلك يطمئنهما، لكن لا يظنا بك شرًا، فهذه أمور ظنية وليست قطعية، واطلبي منهما العذر إن بدر منك شيء دون قصد؛ فهذا يزيل كثيرًا من التوتر وسوء الفهم.
• التعامل مع خوف الوالدة: اجلسي مع والدتك، وقبلي رأسها، وأخبريها أنك تجاهدين نفسك، واطلبي منها الدعاء لك بالشفاء والهداية، فدعاء الوالدين وبرهما من أعظم أسباب تفريج الكروب.
رابعًا: إنقاذ الزواج:
قد يكون زوجك متأثرًا بالتوتر والقلق والتشاؤم الذي يسيطر عليك؛ وهذا قد ينعكس على استقرار الأسرة، والحل يكون في الآتي:
• التوقف عن الحديث المستمر عن الحسد والعين والأذى، واجعلي البيت واحة هدوء وطمأنينة.
• الاهتمام بزوجك وبيتك، وتفقد احتياجاته، والعناية بأجواء المنزل، ومحاولة استعادة الجوانب الإيجابية في حياتكما.
• الاستفادة من الاستشارة الأسرية، واللجوء إلى مستشار أسري موثوق، وشرح ما تمرين به من ضائقة نفسية؛ فزوجك شريك لك، وليس خصمًا.
وأخيرًا أقول لك: أنتِ امرأة تجاهدين نفسك، وتلجئين إلى الله تعالى، وهذا دليل خير كبير، فلا تستسلمي لصوت الشيطان الذي يوهمك أنك منبوذة أو مؤذية، بل أحسني الظن بالله، وتفاءلي برحمته، فكل ابن آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون.
اشغلي نفسك بالدعاء والذكر، وأعطي ابنتك حبًا غير مشروط، واتركي أمر إصلاح ذات البين لله تعالى، فهو على كل شيء قدير.
وأكثري من تلاوة القرآن الكريم، والاستغفار، والصلاة على النبي ﷺ؛ فإن في ذلك راحة للنفس، وتفريجًا للكروب، وذهابًا للهموم.
وأكثري من دعاء ذي النون، فما دعا به أحد مخلصًا إلا استجاب الله له.
أسأل الله أن يذهب عنك كل سوء، وأن يقر عينك بصلاح ابنتك، وطمأنينة قلبك، واستقرار أسرتك.