كيف أثبت على التوبة وأصدق في تعاملي مع ربي؟
2026-06-14 02:23:33 | إسلام ويب
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أود أن أشكركم على هذا الموقع النافع. أنا فتاة أبلغ من العمر اثنين وعشرين عاماً، وتخرجتُ في كلية الآداب قسم التاريخ، أعاني مشاكلَ عدة؛ فقد اقترفتُ بعض المحرمات في السابق، حيث كنتُ منقادة لإقامة علاقات غير شرعية، وتحدثتُ مع شبان كثيرين، وكان آخرهم قد قال لي إن تفكيري طفولي، وإنه واعٍ بما يكفي فلا يقبل على نفسه زوجة مثلي، متهماً إياي بنقص الوعي.
كذلك كنتُ أعاني إدمان المواقع الإباحية والعادة السرية، ولكني تبتُ إلى الله منهما منذ سنة ولله الحمد.
أحاول الآن الالتزام بنظام غذائي متوازن والتقرب من الله، وأنا مقيمة على الصلاة برغم ثقل الذنوب في نفسي، وأقرأ وردي القرآني بانتظام، ومحافظة على الأذكار والأدعية؛ بيد أنني أخشى النفاق وأن أكون ممن يعبد الله على حَرف؛ لأنني برغم العبادة أقع في المعصية خفية.
علاوة على ذلك، أشتكي من قسوة أهلي في التعامل، وبما أنني الابنة الصغرى، فإنني أتحمل عبء أعمال المنزل بمفردي، وهو ما جعلني أطلب الزواج رغبة في الهروب من هذا الواقع، بالرغم من إدراكي أن مساعدة أمي واجب وهو من بري بها.
أعترف بأنني متسرعة في اتخاذ القرارات، وأن حياتي تفتقر إلى التنظيم، والآن، صليتُ ركعتي التوبة، وسجلتُ في حلقة لتحفيظ القرآن الكريم، والتزمتُ بالحجاب الشرعي الكامل، لكني وجلة وأخاف ألا أستمر في الالتزام به مستقبلاً.
أتمنى من كل قلبي أن أتزوج وتستقر حياتي، وبرغم تقدم الكثيرين لخطبتي، إلا أن الأمر لا يكتمل في النهاية.
الإجابــة:
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ شهد حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
احتوت رسالتك على مجموعة كبيرة من الأمور الهامة؛ ما بين إسراف على نفس في المعاصي والعلاقات المحرمة؛ وبين حرص على الصلاة والذكر والحجاب والتوبة؛ وأمور أخرى مهمة.
أختي الكريمة: أحييك أولاً على صراحتك مع نفسك في مواجهة مشاكلك؛ وعلى عدم استسلامك للمعصية رغم وقوعك فيها؛ فما أنت فيه من حالة المجاهدة والتوبة، والخوف من الرجوع للمعصية، والقيام والتعثر أحياناً، هذه الحالة يحبها الله عز وجل، وإن تخللها بعض التعثر والخطأ، ومن علامة الخير للإنسان عدم استسلامه للمعصية، وبقاء نفسه اللوامة حية توقظه كلما غفل؛ فاحمدي الله على ذلك.
وأود أن أتناول ما تفضلتِ به من إشكاليات عبر النقاط التالية:
1. لفت انتباهي ما أنتِ عليه من المحافظة على الصلاة والذكر وحفظ القرآن مؤخراً؛ فهذا من الخير العظيم، الذي ربما كان هو الذي حفظك الله به من الانحدار بشكل أكبر في متاهات لا يعلم بها إلا الله، ولطالما كانت الصلاة والذكر هما الحافظ للإنسان من سطوة الشهوات، قال تعالى: (فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات)، وقال: ( ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطاناً فهو له قرين)، فاستمري في التمسك بهذين الأمرين، وحسني من مستوى أدائك لهما بحضور القلب وإتقان العبادة، وعدم الاكتفاء بمجرد الأداء؛ وستجدين أثر ذلك على قلبك تثبيتاً وتوفيقاً.
2. وفي المقابل: العلاقات غير الشرعية باب عظيم من أبواب الشر؛ وهي لا تقتصر على ذات المعصية نفسها، وإنما غالباً ما تجر من بعدها حلقات متتالية من الشر، وتنتهي بنهايات مؤسفة، تجعل صاحبها ينكسر قلبه، وينكسر معه إيمانه، ويصبح النهوض والتعافي منها صعباً، وربما يصبح التراجع ليس بيدنا، حيث يتحكم الطرف المقابل بالابتزاز أو التهديد باي شكل كان.
3. ما ذكره لك ذلك المتلاعب من عدم قبوله بك، هو نتيجة طبيعية لتلك العلاقات التي تقدمين فيها نفسك بطريقة سهلة، لمن لا يريدك إلا نزوة عابرة، لا زوجة دائمة، وهذا دافع آخر يجعلك أكثر تمنعاُ من الوقوع في مثل هذه العلاقات، التي تخسرين فيها احترامك لنفسك، قبل أن تخسري احترام الآخرين لك.
4. ذكرت خوفك من النفاق، وهي نقطة إيجابية وهامة، ولكن أحب أن أنبهك إلى مدخل شيطاني خبيث، حيث يزهد فيه العاصي عن عمل الطاعات بحجة أنه يفعل كذا وكذا من المعاصي، وأنه ليس أهلاً لهذه العبادات بسبب إغراقه في الذنوب، وهذا من الجهل بدين الله، ومن وساوس الشيطان، بل ما أرغم الشيطان بأفضل من مزاحمة المعصية بالطاعة، فاستمري في ذلك فإن هذا من المجاهدة (والذين جاهدوا فينا لنهديهم سبلنا).
5. نقطة أخرى مهمة متعلقة وشعورك بالاحتياج العاطفي من خلال الزواج، أود أن أؤكد لك أن الزواج رزق من الله؛ يأتِي به الله في زمانه ومكانه المناسب، وما فاتك ممن تقدم لك من رجال لم يتم الأمر معهم، حينها اسألي الله من رحمته، بالمداومة على الدعاء: (وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون).
6. حتى تحافظي على ما أنت فيه من خير حالياً؛ وتقطعي الطريق على الشيطان والشر الذي كنِتِ فيه، احرصي على أن تخلقي لك بيئة جديدة مختلفة عن البيئة السابقة، ولتكن نقطة البداية من الصحبة الجيدة، فهي السور الأول والأكثر تأثيراً على حياتنا، ولتخلقي لنفسك اهتمامات جادة، وأهداف ذات معنى في حياتك، فالشعور بالخواء مع الفراغ غالباً ما يجر الإنسان إلى مداخل سيئة وخطيرة.
7. في موضوع الزواج، وشعورك بالاستعداد للزواج لأجل الخروج من ضغط أهلك عليك، وقسوتهم معك، أحب أن أنبه هنا إلى خطورة جعل التخلص من ضغط الأهل هو الدافع لأجل القبول بأي شخص، فغالباً ما تكون هذه الزواجات التي تنطلق من هذا الضغط سبباً في زواجات فاشلة، والانتقال من مشكلة مع الأهل إلى مشكلة أكثر تعقيداً مع الزوج، ثم يكون الرجوع إلى الأهل مرة ثانية عملية أصعب وأشق، ولذلك لا تستعجلي في قرارك التاريخي فيمن سترتبطين به.
وأخيراً أختي الكريمة: من الواضح أن معدنك أصيل، وأن بذرة الخير فيك قوية، ومع ذلك فأنت بحاجة إلى تعزيز جوانب الخير لديك، حتى تحافظي على معدنك الأصيل من أي عارض..
سددك الله لكل خير، وأبشري بالخير ما دمت تسعين له.