أخطاء الماضي لا تفارقني وتنغص عليّ حياتي، فكيف أتجاوزها؟
2026-06-16 02:55:25 | إسلام ويب
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أنا فتاة، أود الاستفسار عن هذا الأمر؛ فقبل سنة أنشأت حساب فايسبوك، لم أقم أي علاقة، ولكن تصلني رسائل من الشباب، مثل: من أي بلد أنتِ؟ وهل بلدك فيها مسلمون؟ وكم الساعة في توقيتكم؟ أو عن تخصصي في الجامعة، أو هل تعرفين العالم الفلاني؟ وكنت أجيب باختصار؛ نعم بلدي فيها مسلمون، الساعة كذا في بلدي، وفيها كذا، وإذا عرض علي الزواج، أقول له: عادي أوافق، ولكن الأهل ليسوا موافقين، فقد كنت أرد باختصار، بدون أن أرسل رسائل صوتية.
إلى أن دخل علي شاب ظننت أنه فتاة، وأراد أن يعلمني طريقة تعلم الأوردو؛ لأنني سألته أول مرة ظنًا مني بأنه فتاة، فقال لي هذه الطريقة، وأراني كيف أدرسها، فقلت له: ما هو تخصصك أنت؟ فقال بأنه أستاذ، فسألته كيف أجري بحثًا، فأخبرني بأنه يجب علي الاعتماد على الكتب.
ومرة كلفت ببحث، فأرسلت له: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، هل يمكنك أن تساعدني في هذا البحث؟ لا أعرف النية تحديدًا، هل كانت نيتي حقًا استشارة علم، أم كانت نيتي من أجل لفت الانتباه، لعله أن يحدث نصيب.
كما أن الأستاذ هناك كان يدرسني ويساعدني كثيرًا جزاه الله عنا خيرًا، ولكن في مرة ذكر لي أنه مر بموقف صعب، ورواه لي، وبدأ يتحدث عن الفتاة التي مر بها الموقف، وبدأ يصف شكلها، فقلت له: هل قالوا لك درّسها أم تغزل بها؟ ثم سألته كيف تقول إنها منتقبة ورأيت شكلها؟ ثم أغلقنا الموضوع.
قبل مدة عندما شكرته على مساعدته لأنه ساعدني كثيرًا، فقال بأنه يحب مساعدة الناس، وأنه جراء هذا رأى حلمًا لا يعرف ما إذا كان نذير شؤم أو حلمًا محمودًا، فقلت له هات أفسره لك، ثم لم أرد عليه، مع أن الحلم لم يكن به شيء.
ومرة سألته عن تفسير آية، فشرحها لي، فقلت له: ما شاء الله، كيف تعلمت كل هذا؟ قال لماذا تمدحينني؟ فقلت له: أنا لا أمدحك، بل هذه الحقيقة؛ لأن أساتذتنا لم يكونوا بهذه الخبرة.
الآن أنا تائبة، وأعرف أن التائب من الذنب كمن لا ذنب له، لكن أحس بأن نفسي رخيصة ورذيلة، حتى صديقاتي عندما ينعتونني بالنقيّة، أقول لهم: إن المظاهر خداعة، وصرت أحسد العفيفات الطاهرات؛ لأني أحس بالنقص، ولم أعد أعرف ماذا أفعل؟
أريد أن أنسى، صرت مشتتة، لا آكل، ولا أدرس، وتقربت من ربي بالنوافل والقرآن، ولكن أفعال الماضي لا تفارقني، وأريد توجيهاً منكم، وهل هذه الأفعال تخدش عرضي؟
الإجابــة:
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ مي حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
أهلًا بك في موقعك إسلام ويب، ونسأل الله أن يشرح صدرك، وأن يثبتك على التوبة، وأن يرزقك حسن الظن به، ودعينا ننظر إلى الأمر بهدوء وعدل من خلال ما يلي:
1- أول ما لفت انتباهي في رسالتك أنك تتحدثين عن أحداث مضى عليها زمن، ثم تبت إلى الله منها، ثم أصبحت المشكلة الكبرى ليست تلك التصرفات نفسها، بل نظرتك إلى نفسك بعد التوبة؛ فكثير من الناس لا يهلكهم الذنب بقدر ما يهلكهم العجز عن تصديق أن الله قبل توبتهم، مع أن الله تعالى يقول: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ)، ويقول (إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ).
2- الذي يظهر من وصفك أن أكثر ما كان يقع هو مراسلات عامة، أو أسئلة، أو حوارات متفرقة، وبعضها في أمور دراسية، أو علمية، وبعضها دخلته مساحة من الاستئناس، أو انتظار الاهتمام، أو التفكير في احتمال الزواج، وهذا ليس أمرًا محمودًا بالقطع، خاصة إذا توسع فيه الإنسان، أو فتح فيه أبواب التعلق، والعلاقات غير المنضبطة، لكنه مع ذلك ليس الصورة المضخمة التي تتخيلينها الآن عن نفسك، وكأنك وقعت في فاحشة، أو خنت عرضك، أو أفسدت حياتك كلها؛ وهذا خطأ فاحذري جلد الذات.
3- أرى أن المشكلة عندك الآن هي المبالغة في محاكمة الماضي؛ فأنت لا تنظرين إلى ما فعلت فقط، بل تنظرين إليه بعدسة قاسية جدًا، فتسألين: هل كانت نيتي طلب العلم أم لفت الانتباه؟ هل كنت أقصد السؤال أم كنت أبحث عن نصيب؟ هل مدحي لهذا الأستاذ كان خطأ؟ هل شكري له كان خطأ؟ ثم تستخرجين من كل موقف اتهامًا جديدًا لنفسك، وهذه الطريقة لا تبني توبة صحيحة، بل تبني احتقارًا للنفس.
4- من المهم أن تعلمي أن التوبة لا تعني أن الإنسان لم يخطئ قط، وإنما تعني أنه رجع إلى الله بعد الخطأ، وكلما قرأت رسالتك وجدت فيها خوفًا من الله، وندمًا، وحرصًا على العفة، وتقربًا بالنوافل والقرآن، وهذه ليست صفات إنسانة مستهترة بدينها أو بعرضها، بل صفات إنسانة تخاف الله، وربما قست على نفسها أكثر مما ينبغي.
5- أما سؤالك: هل هذه الأفعال تخدش عرضي؟
فالجواب: أن عرض المرأة لا يضيع بمجرد مراسلات، أو أسئلة، أو أخطاء من هذا النوع، نعم، قد يكون بعضها غير مناسب والأولى تركه، وقد يكون فيه قدر من التوسع في الحديث مع الرجال الأجانب، لكن العرض الذي جاءت الشريعة بحفظه لا يزول بهذه الصورة التي تتخيلينها، وإلا لما بقي لأحد توبة ولا ستر.
6- أحب أن ألفت انتباهك إلى أمر مهم: وهو أن الشيطان قد ينقل الإنسان من ذنب إلى ذنب آخر، فبعد أن يترك المعصية يبدأ فيوسوس له بأنه منافق، أو رخيص، أو فاسد، أو لا يستحق الاحترام، أو أنه أقل من الصالحين، بينما التوبة الصحيحة تثمر تواضعًا وانكسارًا لله، لا احتقارًا دائمًا للنفس، ولا يأسًا من رحمة الله.
7- لا تقولي عن نفسك: أنا لست نقية، وأنا أقل من العفيفات والطاهرات، بل قولي: أنا إنسانة أخطأت وتبت، فلم يجعل الله الطهارة مقصورة على من لم يذنب قط، وإنما جعلها لمن رجع إليه وأناب.
8- من الأمور التي تحتاجين إلى الانتباه لها، أن التوبة لا تكون بالوقوف عند الماضي إلى الأبد؛ فإذا ظل الإنسان يراجع كل كلمة، وكل رسالة، وكل موقف سنوات طويلة فلن يتقدم خطوة واحدة، وقد قال بعض السلف: "إن من مكايد الشيطان أن يُشغل العبد بعد التوبة بالماضي ليعجزه عن العمل للمستقبل"، لذلك أنصحك أن تغلقي هذا الملف بعد أن أخذ حقه من التوبة والاستغفار، ولا تعودي إلى الرسائل القديمة، ولا إلى تحليل النوايا القديمة، ولا إلى محاكمة نفسك كل يوم، بل انشغلي بما أنت عليه الآن: صلاة، وقرآن، وعلم، وعمل صالح، وبناء شخصية أقرب إلى الله مما كانت عليه من قبل.
9- وأخيرًا: لو كانت صديقة لك هي التي كتبت هذه الرسالة، هل كنت ستصفينها بأنها رخيصة، أو فاسدة، أو ساقطة؟ أم كنت ستقولين: أخطأت ثم تابت، والله غفور رحيم؟ فكوني عادلة مع نفسك كما تكونين عادلة مع غيرك، فإن الله سبحانه أرحم بك من نفسك.
نسأل الله أن يقبل توبتك، وأن يشرح صدرك، وأن يطهر قلبك من الوساوس وجلد الذات، وأن يرزقك العفة، والاستقامة، والزوج الصالح، وأن يجعلك ممن إذا أذنب استغفر، وإذا تاب قبل الله توبته، ورفع درجته، والله الموفق.