تبت من علاقة عاطفة والشيطان يحاول إرجاعي إليها، فما الحل؟

2026-07-05 01:27:59 | إسلام ويب

السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

دخلت مجموعة مهتمة بالأدب، وهناك عرفت شاباً وتواصلنا قرابة نصف شهر بأحاديث عامة عن المجموعة، ثم اتفقنا على أن هذا التواصل لا يجوز وتوقفنا وتبنا إلى الله، وبعد مدة لا تتجاوز الشهر عاودنا التواصل، وهنا -للأسف- وقع كل منا في قلب الآخر، وأصبح في حديثنا وعد بالزواج وحياة مستقبلية مشتركة، لكننا عدنا وتبنا واستغفرنا الله، تكرر هذا الأمر عدة مرات، والآن قطعنا التواصل نهائياً، أسأل الله أن يثبتنا.

في نهاية تواصلنا وعدني بأنه أحبني جداً وسيحاول خطبتي ما استطاع، لكن فكرة أن يتزوجني مستحيلة؛ لفوارق اجتماعية عدة بيننا، عندها أخبرته أن يتزوج ويعف نفسه عن الحرام متى استطاع حتى لو لم يتزوجني، وأن أهلي لن يوافقوا به، لكنه أصر وقال إنه سيحاول ويأتي ولو رفضوه.

أنا الآن أشعر بالخوف من المستقبل؛ بالخوف إن أتى خاطب غيره مناسب وأراده أهلي، فماذا أفعل؟ وكيف أتعامل مع الأمر وأنا قلبي مثقل بغيره؟ وبالخوف إن أتى ولم يوافقوا، وبالخوف إن لم يأتِ أصلاً وانتظرته!

أنا أعلم أن هذه وساوس من الشيطان كي أرجع عن توبتي، لكنني لا أعلم كيف أصرفها!

يعلم الله أنني نادمة على ذنبي أشد الندم، وأقاسي منه كثيراً بسبب الخوف من القادم، وبسبب آلام التعلق بهذا الشخص وما تركه في قلبي، وبالخوف من أن أعود عن توبتي -لا سمح الله-؛ فأنا كنت ملتزمة وبعيدة عن هذه الأمور كل البعد، وإلى الآن عندما أفكر بكل ما جرى لا أستوعب أنني أنا فعلت كل هذا!

أعتذر عن الإطالة، فلم أجد من أشكو له همي، ولا أريد أن أتحدث عن ذنب ستره الكريم الحليم اللطيف علي، لكن ضاق عليّ ما في صدري فسامحوني، ومنّوا بما يخفف عني ويعينني ويثبتني.

جزاكم الله خير الجزاء.

الإجابــة:

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ مريم حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

أسأل الله أن يرفع عنك مخاوفك، ويريح بالك، ويهدئ قلبك.

خلقنا الله بقوتنا وضعفنا، بعقلنا وعاطفتنا، بنوازع الخير والشر فينا، ليبقى الصراع بينهما ما حيينا، ولينال كل واحد منا أجره أو وزره بحسب مجاهدة هواه أو استسلامه له (قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها).

وما تفضلتِ به من هذا الصراع المشتعل في قلبك، بين غريزة ميل فطرية وبين لهيب توبة إيمانية هو صورة من صور الصراع الذي يتم فيه اختبار إرادتك، وتمحيص صدق توبتك.

أختي الكريمة: قال عليه الصلاة والسلام: (لم يُرَ للمتحابين مثل النكاح)، فإن كان سبيل الزواج بينكما ممكناً ولو كان صعباً، فليقدم ولا يتأخر، فإن القلب إذا تعلق بإنسان ثقل عليه إخراجه منه إلا بمشقة، ولكن إياكِ أن تجعلي هذا باباً من أبواب الشيطان، فغالب المحرمات الكبرى بين الجنسين إنما وقعت تحت ستار الوعد بالزواج، وخاصة في البيئات الملتزمة، حيث يتعذر على من كان سمته الالتزام أن يفعل المعصية دون شيء يجملها، يخفف به من وطأة نفسه اللوامة عليه.

أما إن كان سبيل الزواج بينكما متعذراً، فمهمتك هنا أشق، ولكنها ليست متعذرة، وهي الاستمرار بما أنت عليه من القطيعة الكاملة عن التواصل معه، مع استحضار مجموعة من الأمور الهامة على النحو التالي:

1. من أكبر المغالطات التي يقع بها العشاق المقارنة بين وهم من يحبون وواقع ما يعيشون، فالمحب الذي لم يقترن بمن يحب يرسم له صورة فائقة الجمال، ويرسم لحياته معه نموذجاً ملائكياً لا يوجد إلا في خياله فحسب، ولو اقترن كل عاشق بمعشوقه لحصل بينهما ما يحصل بين الكثير من الأزواج من منغصات الحياة وخلافاتها، وليس هذا الكلام من باب التلطيف والسلوان لمن حُرم الوصول إلى معشوقه، وإنما هو الواقع الذي تشهد له الوقائع، فكم من قصة عشق صاخبة انتهى الحال بأصحابها بعد الزواج والاقتران إلى الخلاف والشقاق، وربما الطلاق كذلك.

فالشيطان الذي لا يريد بنا إلا الشر، ولا تنقطع وساوسه عنا، إذا عجز عن إيقاعنا في الحرام، اجتهد على إيقاعنا في الغم والحزن الذي كان كثيراً ما استعاذ منه المصطفى -صلى الله عليه وسلم-، ولذلك سيُحَسِن الشيطان صورة من أحببنا ممن لم نقترن به على حساب من يمكن أن نقترن به في المستقبل، وهي خطوة تجر إلى ما بعدها مما هو أسوأ وأخطر منها، من خيانة القلب الذي يتبعه خيانة الجوارح -أعاذنا الله وإياكِ منها-.

2. معركتك الحقيقية ستكون في قلبك الذي تشعرين بأنه أصبح مسلوباً منك، ومأسوراً لمن أحببتِ، وحتى تنتصري في هذه المعركة التي لها ما بعدها، فيلزمك أن تقطعي عن قلبك كل ما يغذي مكانة هذا الشخص فيه، وأن تزيلي من حياتك كل ما يذكرك به، ومن ذلك كل ما يمكن أن يكون قد حصل بينكما من صور، أو محادثات، أو حتى تعليقات وإعجابات سابقة، ولو كانت على عمل علمي أو أدبي لا على شيء شخصي.

3. الإنسان تتقلب حاله بين القوة والضعف، وما نعزم عليه حال قوتنا، ننكس عنه عند ضعفنا، وهذا ما يفسر النكوث المتكرر منكما فيما عزمتما عليه من قطع التواصل بينكما، ولذلك فإن استطعتِ أن تقطعي على الشيطان سبل الرجوع حال ضعفك فهذا حسن، ومن ذلك حذف أي طريقة توصلكِ به، كأرقام هواتفه، أو حساباته الشخصية، أو المواقع العلمية والأدبية التي تجمع بينكما، وهي خطوة تحتاج منكِ إلى عزيمة وقوة، فالنفس تضعف عن مثل ذلك، ولكنها خير معين لكِ عند غلبة الشيطان عليكِ.

4. احمدي الله أن أمد العلاقة لم يطل بينكما، وهو بين انقطاع ووصل، فهذا أرجى أن يكون أخف وطأة عند إرادة التخلص منه، ولذلك لا تطيلي أمد هذه العلاقة بدوام التفكير به واسترجاع ذكرياتك معه، فتصبحي وكأنك لم تقطعي الصلة به.

5. ما كان في القلب، وأراد الإنسان الخروج منه، فلا بد أن يشغل القلب بغيره، وإلى أن يأتي ذلك الغير"الزوج المناسب" أشغلي قلبك بما يملاء عليه جوانبه، وأشغلي نفسك بالأهداف السامية والمشاريع الجادة، وتحقيق المنجزات والانغماس بها، فإن الفراغ مصيدة القلوب، والمنجزات أنسها وسعادتها.

6. أنصحك حالياً بأن تؤخري الارتباط بأي شخص آخر، حتى تشعري بالتعافي شبه الكامل مما أنتِ فيه، ذلك أن انتقال الإنسان بقلبه ومشاعره من شخص إلى آخر لا يكون بالسرعة التي نتمناها، وارتباطه بشخص مع بقاء قلبه مع آخر مصيبة تحل على المرتبط والمرتبط به معاً.

7. ما زلتِ في مقتبل العمر، ومن الجيد الاستفادة مما حدث لك، وأخذ العبرة منه، فقليل من التراخي، مع شيء من التمادي أوقع قلبك في الأسر، وجعلك تعيشين في مرارة أنستك حلاوة البدايات، وقد قيل (الحب أوله لَعِب وآخره عَطَب).

8. رفع المستوى الإيماني، وتعميق الصلة بالله بدوام الاتصال به ذكراً ودعاءً وصلاةً، (واستعينوا بالصبر والصلاة)، (إن ناشئة الليل هي أشد وطئاً وأقوم قيلاً)، فإنها من قوارب النجاة، ومن مؤنسات النفوس وسلوانها، وليس للقلب المتيم أنفع من تعميق حبه لله -عز وجل-، فمنه العوض، وبه الأنس، وعليه المعتمد فيما شق علينا وضاقت به قلوبنا، فهو مالكها ومقلبها (قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبهما كيفما شاء).

وأخيراً: أبشري بالخير، فإن بذرتك الطيبة ونشأتك الخيّرة، وحرصك على ما يرضي الله، مع لهيب المعصية في قلبك، وخوف الله الحاضر في تفاصيل كلامك، كل ذلك من المبشرات بأن أمورك إلى خير بحوله تعالى، وثقي بأن من لجأ بصدق إلى الله فإن من سوء الظن بالله أن نظن أن الله خاذله، ورادّه عنه، وهو القائل سبحانه في الحديث القدسي: (من أتاني يمشي أتيته هرولة...).

أصلح الله بالك، وجعل حبك فيما يحبه ويرضاه.

www.islamweb.net