أشعر بضيق من أمر الخطبة رغم فرحتي بالخاطب أول وهلة، فما السبب؟

2026-07-05 03:26:47 | إسلام ويب

السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أنا أول مرة رأيتُ خاطبي كنتُ متقبلة له وفرِحة، ولما تحدثتُ معه كنتُ سعيدة في الرؤية الشرعية، وفي المرة الثانية عندما رأيته شعرتُ بقبولٍ بسيط، لكنني كنتُ متوترة، واليوم -وهو يوم خطبتي- أشعر بضيقٍ وتوتر، ولا أشعر أنني فرِحة كما كنتُ أتوقع.

قلتُ في نفسي: سأُتم الخطبة، وأكمل، فربما أتعرف إليه أكثر، وأحبه مع مرور الأيام، لكنني لا أعرف ما الذي يحدث لي، وأشعر بضيقٍ لا أعرف سببه.


الإجابــة:

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ أمنية حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبًا بكِ -أختنا الكريمة- في موقعك إسلام ويب، وردًّا على استشارتك أقول مستعينًا بالله تعالى:

نسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يرزقكِ الزوج الصالح الذي يسعدكِ في هذه الحياة، ويعينكِ على أمور دينكِ ودنياكِ، وأن يرزقكِ الحياة الطيبة المطمئنة، إنه سميع مجيب.

قرأت استشارتك بتمعن، وظهر لي أن المشكلة ليست في وجود نفور واضح من الخاطب، وإنما في شعور مفاجئ بالتوتر والاختناق قبيل الخطبة، وهذا فرق مهم ينبغي الانتباه إليه.

ذكرتِ أنكِ عند الرؤية الشرعية الأولى كنتِ متقبلة له وفرحة، وعندما تحدثتِ معه كنتِ مرتاحة، ثم في اللقاء الثاني شعرتِ بقبول أقل مع شيء من التوتر، ثم اقترب موعد الخطبة فظهرت لديكِ مشاعر الخوف والضيق، وهذا التسلسل -غالبًا- ما يشير إلى قلق مرتبط بمرحلة الانتقال من نمط حياة عشتها مدة بالطريقة التي تريحكِ، إلى نمط حياة جديد لا تعرفين كيف ستتعاملين معه، وهذا القلق ليس رفضًا للخاطب نفسه.

كوني على يقين أن الزواج نصيب مقدر من الله تعالى، يأتي في الوقت وبالشخص الذي قدر الله أن يكون زوجًا لكِ، وليس بيدكِ سوى العمل بالأسباب، كالتيقن من أنه صاحب دين وخلق وقادر على تحمل المسؤولية، مع ضرورة إشراك وليكِ في البحث عن هذا الشاب والتيقن من توفر الصفات فيه، ولا تغفلي صلاة الاستخارة؛ فكونكِ تفوضين أمركِ لله سبحانه ليختار لكِ ما فيه الخير، فيه راحة وطمأنينة للقلب، فاختيار الله للعبد خير من اختيار العبد لنفسه، وقديمًا قيل: (ما خاب من استخار، وما ندم من استشار).

كل شيء يدور في هذا الكون لا يخرج عما قدره الله تعالى، كما قال تعالى: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} [القمر: 49]، وقال عليه الصلاة والسلام: «قَدَّرَ اللَّهُ مَقَادِيرَ الْخَلْقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ»، ولما خلق الله القلم قال له: اكتب، قال: وما أكتب؟ قال: «اكْتُبْ مَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ»، وقال عليه الصلاة والسلام: «كُلُّ شَيْءٍ بِقَضَاءٍ وَقَدَرٍ، حَتَّى الْعَجْزُ وَالْكَيْسُ»، والكيس: الفطنة.

وبناء على ما سبق، أوصيكِ بما يأتي:

أولًا: لا تجعلي المشاعر المتقلبة وحدها أساس القرار، وذلك لأن المشاعر البشرية تتغير من يوم إلى يوم، بل ومن ساعة إلى ساعة، ولذلك لم يجعل الشرع معيار الزواج قائمًا على المشاعر وحدها، فالمحبة تأتي بعد عقد الزواج، حتى لو لم يكن هنالك أي معرفة سابقة بين الرجل والمرأة؛ لأن المحبة والسكينة يقذفها الله تعالى في القلوب بمجرد أن تصير المرأة زوجة، وهذه آية من آيات الله تعالى، كما قال سبحانه: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الروم: 21].

المهم هو توفر الصفات المطلوبة في الشخص المتقدم للزواج، وأهمها الدين والخلق، كما قال النبي ﷺ: «إِذَا جَاءَكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَزَوِّجُوهُ، إِلَّا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ»، فالدين والخلق صفتان متلازمتان لا تنفكان أبدًا، وهما صمام أمان للحياة الزوجية السعيدة، وصاحب الدين والخلق إن أحب زوجته أكرمها، وإن كرهها سرحها بإحسان، فإذا كان الخاطب صاحب دين وخلق، ووجد أصل القبول لديكِ، فغياب الحماس الشديد أو الفرح المبالغ فيه لا يعني أن الاختيار خاطئ.

ثانيًا: الخوف من الزواج لا يعني عدم الرغبة فيه، فكثير من الفتيات يشعرن قبل الخطبة أو عقد النكاح بالقلق والمخاوف، وتتوارد عليهن أسئلة كثيرة مثل:
• هل سيكون زوجًا مناسبًا؟
• هل سأكون سعيدة؟
• هل سأستطيع تحمل المسؤولية؟
• ماذا لو لم أنجح في حياتي الزوجية؟

وهذه المخاوف طبيعية؛ لأن الإنسان بطبعه ضعيف ويخشى المجهول، قال تعالى: {وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا} [النساء: 28]، ولذلك فقد تجتمع الرغبة في الزواج مع الخوف منه في الوقت نفسه، ولا يوجد تناقض بين الأمرين.

ثالثًا: سلي نفسكِ عن حقيقة شعوركِ، وحاولي أن تجيبي بصدق عن هذه الأسئلة:
• عندما أفكر في شخص الخاطب نفسه، هل أشعر بنفور شديد منه؟
• هل يوجد عيب ديني أو أخلاقي أو سلوكي يقلقني؟
• لو اعتذر الخاطب اليوم وانتهى الأمر، هل سأشعر بالارتياح أم بالحزن؟
• هل خوفي من الرجل نفسه أم من فكرة الزواج وتغير نمط الحياة؟
الإجابة عن هذه الأسئلة غالبًا تكشف أصل المشكلة.

رابعًا: لا يشترط وجود حب كبير قبل الزواج، فمن الأخطاء المنتشرة الاعتقاد بأن الزواج لا ينجح إلا إذا سبقه حب قوي أو تعلق عاطفي كبير، والواقع أن كثيرًا من الزيجات الناجحة بدأت بقبول واحترام متبادل، ثم نمت المودة بعد ذلك، وكما سبق أن ذكرت لكِ أن المودة والرحمة آية من آيات الله تعالى، يجعلها في قلوب الزوجين من حين أن يتم عقد النكاح، قال الله تعالى: {وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً} [الروم: 21]، فالمودة قد تكون ثمرة للعشرة الصالحة، وليست شرطًا أن تكون كاملة قبل الزواج.

خامسًا: أعطي نفسكِ فرصة كافية للتعرف إليه، فأنتِ ما زلتِ في مرحلة الخطبة، وهي مرحلة مواعدة على الزواج، ومن حق كل من الطرفين التراجع في حال تبين عدم توفر الصفات المطلوبة شرعًا، وهنا من حقكِ في هذه المرحلة أن تعرفي شخصية الخاطب معرفة معقولة، بالتعاون مع ولي أمركِ قبل اتخاذ القرار النهائي، وأن تسألي عن طباعه، وتتعرفي على أسلوب تعامله، وأهدافه، ومدى توافقه معكِ في القضايا المهمة، عبر التواصل معه لمدة معينة، بحيث يكون الكلام منصبًا حول التعرف، لا بناء علاقة حب، مع الابتعاد عن كلام الغزل، كون هذا الرجل لا يزال أجنبيًا بالنسبة لكِ، ولا يجوز بناء علاقة حب في هذه المرحلة.

مما يضاف إلى توفر الدين والخلق، وهو الجمال الداخلي، أن تكوني مقتنعة بجماله الخارجي وشكله، وقد تم ذلك بحمد الله وكنتِ مرتاحة في حينه، وقد أرشد النبي ﷺ إلى الرؤية الشرعية، فقال للصحابي الجليل المغيرة بن شعبة رضي الله عنه: «انْظُرْ إِلَيْهَا؛ فَإِنَّهُ أَحْرَى أَنْ يُؤْدَمَ بَيْنَكُمَا»، والمقصود تحقيق أسباب التوافق والانسجام قبل الإقدام على الزواج.

سادسًا: أعود فأكرر وأؤكد على ضرورة الاستخارة والدعاء، فقد ثبت في صحيح البخاري من حديث جابر رضي الله عنه أن النبي ﷺ كان يعلم أصحابه الاستخارة في الأمور كلها، فاستخيري الله بصدق، واطلبي من وليكِ أن يستشير من يعرف الخاطب من أهل العقل والخبرة، ثم اتخذي قراركِ بعد هدوء وتفكير.

اعلمي أن الاستخارة ليست انتظار رؤيا أو شعور معين، وإنما تفويض الأمر إلى الله، ثم السعي في إكمال الخطبة، ومن ثم العقد، فإن سارت الأمور بيسر وسهولة فهذا دليل أن الله تعالى اختار لكِ هذا الرجل، وإن تعسرت الأمور ولم يحدث الاتفاق على بعض الأمور، فهذا دليل أن الله صرف ذلك الرجل عنكِ، وكوني مطمئنة أن الله لن يختار لكِ إلا ما فيه خير، فلا تقلقي.

نسأل الله تعالى أن يرزقكِ الزوج الصالح، وأن يختار لكِ ما فيه الخير، ويسعدكِ في الدنيا والأخرى، إنه سميع مجيب، ونسعد بتواصلكِ في حال استجد أي جديد.

وبالله التوفيق والسداد.

www.islamweb.net