علاقتي بزوجة أبي تفتقر إلى الحنان والحب، فكيف أتعايش معها بسلام؟

2026-07-07 01:25:31 | إسلام ويب

السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أتمنى أن تصلكم هذه الرسالة وأنتم بخير وعافية.

أنا فتاةٌ عمري 24 سنة، توفيت أمي منذ كان عمري سبع سنوات، وتزوج أبي بعدها، وأنا الآن أعيش مع زوجة أبي منذ أن توفيت أمي.

معاملتُها معي معاملةٌ عادية جافة رغم المآسي التي عشتها؛ يعني منذ صغري وهي قاسية، ليس بمعنى الظلم أو الإساءة -فلا أنكر الجميل، فقد اهتمت بنا من ناحية اللباس والنظافة والأكل-، ولكن من طبعها أنها عندما كانت تغضب مني تقاطعني ولا تتكلم معي لمدة طويلة، رغم أنني كنت صغيرة وأحتاجها في أمور حياتي، لكن ذلك لا يهمها، وعلى أشياء يفعلها كل الصغار مع أهلهم؛ مثل أن تقول لي: "لا تخرجي للعب" فأخرج، واستمر الأمر هكذا حتى عندما بدأتُ أكبر، وبدأتْ تُعلمني شغل البيت؛ فعندما تجد شيئًا ناقصًا تنتقدني وتقاطعني.

وإلى حد الآن ما زالت بالطبع نفسه؛ حتى من ناحية تعليمي أمور البنات الخاصة التي يجب على الفتاة تعلمها من أمها لم تعلمني ولم تنصحني في شيء، حتى إنني ظننت أن بي مشاكل وأمراضًا، وهي أمور عادية تحصل لكل أنثى، وهذا كله بسبب جفائها معي؛ فقد تعلمتُ كل شيء وحدي وبالأخطاء حتى وصلتُ اليوم إلى عمري هذا، لكنني لم أنسَ شيئًا.

وما لفت انتباهي أنه الآن عندما كبرت ابنتها رأيت كيف تهتم بها وتنصحها وترشدها، وتذكرتُ عندما كنت في عمرها وتائهة بلا نصيحة ولا اهتمام؛ وهذا الأمر أثار غيرتي وأوجع قلبي جدًّا، والله يعلم بالنقص وقلة الاهتمام اللذين عانيتُ منهما في كثير من الأمور التي يطول الأمر إن تكلمتُ عنها كلها الآن، لكن لومها لي وتعليمها يقتصر فقط على أشغال البيت والتنظيف، وسابقًا كنت أقول إن طبعها هكذا، لكنني أرى جيدًا حاليًّا أنها لا تعامل ابنتها بذلك الطبع أبدًا، وفي مواقف مشابهة تمامًا لما حدث معي سابقًا.

وهي الآن تقاطعني منذ عيد الأضحى، ولم أبادر بالتكلم معها؛ لأن الموضوع تافه ويتعلق بأعمال البيت، وأنا تعبتُ من هذه المعاملة، فهل يجوز لي مقاطعتها كذلك لأرتاح نفسيًّا؟ ولأنها قالت لي: "أنا لم أطلب منكِ أن تسامحيني"، ولا أنكر أنني في كثير من المرات أتلاسن معها في الكلام عندما أغضب، وأُخرج غضبي من الأمور التي فعلتها معي في الماضي، لكنني لم أصارحها أبدًا بالسبب، بل دائمًا عندما نتشاجر أقول إنني لن أسامحها، وتكون تلك الكلمات في لحظة غضب.

أرجو فتوى عن هذه الحالة، وكيف أتعامل معها؟ لأنني لا أكرهها وليس هينًا عليَّ مقاطعتها، وهل بنظركم ما فعلتُه خاطئ، أم أنني فقط أردتُ وضعها مكان أمي ومكان الأم لا يُعوَّض ولا ألومها؟

وجزاكم الله خيرًا، أرجو الرد.

الإجابــة:

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ Lamis حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبًا بكِ -ابنتنا الكريمة- في استشارات إسلام ويب، ونشكر لكِ دوام تواصلكِ بالموقع، ونسأل الله تعالى أن يوفقكِ لأحسن الأقوال والأعمال.

ونشكر لكِ بدايةً -ابنتنا الكريمة- إنصافكِ لزوجة أبيكِ، ووصف ما فعلته معكِ من الخير والإحسان، وهذا دليلٌ على رجاحة عقلكِ، وحسن إسلامكِ، فنسأل الله أن يزيدكِ هدىً وصلاحًا.

وأجمل ما في سؤالكِ -وكله جميلٌ- ما ختمتِ به هذا السؤال -وهذا الوصف الطويل- من أنكِ ربما كنتِ مخطئةً في تقدير الأمور، فحرصكِ على أن تكون زوجة أبيكِ قائمةً مقام أُمِّكِ في كل شيءٍ، وتقديركِ لهذا التقدير هو الذي ولد لديكِ هذا الغضب منها، والكراهة لها.

والحقيقة -أيتها البنت الكريمة- بخلاف ذلك، الحقيقة أنها امرأةٌ أخرى غير أُمّكِ، وأن العادة الغالبة على كثيرٍ من الناس -وهي عادةٌ -للأسف- غير صحيحةٍ وغير سويةٍ-، أن زوجات الآباء لا يُحسِنَّ معاملة أبناء الزوج وبناته، بينما نرى من زوجة أبيكِ هذه قدرًا كبيرًا من الإحسان، وأنتِ بنفسكِ أقررتِ بأنها لم تظلمكِ في شيءٍ، ولم تسئ إليكِ في شيءٍ.

وهذا ينبغي أن يكون باعثاً لكِ على حبها واحترامها، والإحسان إليها، لكن افتراضكِ أن تكون في مقام أمكِ، ونظركِ بعد ذلك إلى تصرفاتها، وأنها لم تكن كتصرفات الأم مع ابنتها جعلتكِ تنظرين إليها على أنها مقصرةٌ في حقوقكِ، غير محبةٍ لكِ، ونحو ذلك من المشاعر التي ولدت لديكِ الكراهية والنفور منها، لكنكِ إذا أعدتِ النظر في الأمر بميزان العدل والإنصاف؛ فإن هذه المشاعر ستتغير لديكِ.

فلا تكلَّف هذه المرأة أن تُحبكِ كما تحب ابنتها، هذا أمرٌ طبيعيٌ وفطرةٌ بشريةٌ، فإنها ستجد في نفسها الباعث على أن تعامل ابنتها بطريقةٍ أخرى غير التي تعاملكِ بها، وتحرص على أشياء لها لم تحرص عليها في حقكِ أنتِ، وهذا ليس ظلمًا منها لكِ أنتِ، ولا تقصيرًا في حقوقكِ، ولكنها تصرفاتٌ نابعةٌ عن مزيد المحبة لابنتها، فينبغي أن تعذريها في ذلك، وأن تلتمسي لها العذر، وتدركي بأن هذه هي الطبيعة الإنسانية.

ونحن على ثقةٍ -ابنتنا الكريمة- من أن طبيعة تعاملكِ أنتِ معها، فمبادرتكِ أنتِ بإظهار الحب لها سيولِّد لديها مشاعر تدفعها لمبادلتكِ بنفس الأسلوب، فكوني أنتِ سباقةً في هذا، أظهري لها الود والاحترام والمحبة، حاولي أنتِ أن تقيميها مقام أُمّكِ في البرِّ إليها، والإحسان إليها، وإعانتها، والحرص على مصلحتها، وطاعتها، وستجدين منها تصرفاتٍ مماثلةً، فالنفوس البشرية مجبولةٌ على حبِّ من أحسن إليها.

ونحن نرى أن زوجة أبيكِ لا تزال على الفطرة السليمة، لم تُظهر لكِ عداوةً ولا كُرهًا، وهذا يعني أنكِ بإمكانكِ أن تستميلي قلبها إليكِ، فتكسبين بذلك أجر العبادات التي تقومين بها من التودُّد إليها، والإحسان إليها باعتبارها زوجةً لأبيكِ، وباعتبارها امرأةً مسلمةً أيضًا وقريبةً منكِ، وتظفرين أيضًا بمحبتها ونصحها وإرشادها.

والخلاصة -أيتها البنت الكريمة- أن هذه المشاعر التي تعانين منها ينبغي أن تجاهديها، وأن تدفعيها عنكِ بالتماس الأعذار لزوجة أبيكِ، وأن تُدركي تمام الإدراك أنه لا بد من أن تتصرف معكِ تصرفاتٍ مغايرةً للتصرفات التي تتصرفها مع ابنتها، وهذا ليس قدحًا فيها، وإنما هو انفعالٌ بمقتضى الطبيعة البشرية.

لا يجوز لكِ أن تقاطعيها وأن تهجريها، بحيث ترينها ولا تسلمين عليها؛ فهي أولى الناس بإحسانكِ ومودتكِ وقربكِ؛ لقربها من أبيكِ، فإن من برِّ أبيكِ أيضًا أن تبرِّي أحبابه ومن يحبهم، فاحرصي جيدًا على اتباع هذه الخطوات وستصلين -بإذن الله تعالى- إلى ما يسركِ ويسرها.

نسأل الله تعالى أن يوفقكِ لكل خيرٍ.

www.islamweb.net