كيف أتعامل مع عدم تكافؤ الفرص في ظل الواسطة والمحسوبية؟

2026-07-12 03:31:46 | إسلام ويب

السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أنا طالب في الجامعة، كيف أتعامل مع عدم تكافؤ الفرص في ظل الواسطة والمحسوبية، وأن الذي يمتلك المال حاليًا والمعارف يتخطى المجتهد، وأن من يغش أيضًا -سواء في الامتحان أو غيره- يتخطى المجتهد والمثابر؟ كيف أقنع نفسي بتجاوز هذه الأمور؟ وما الطريق الذي أسير فيه لأتجاوز مثل هذه الظروف القاسية، وأصبح أفضل منهم في حياتي العملية بعد الجامعة؟ ونفسيًّا كيف أتقبل هذا الأمر؟

الإجابــة:

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ محمد حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبًا بك -أخي الفاضل- في استشارات إسلام ويب، ونسأل الله أن يوفقنا وإياك لصالح القول والعمل.

بدايةً -أخي الكريم-: فإن ما ذكرته من هذه القضايا لا تنحصر فيك، ولكنها تشغل عقول وقلوب كثير من الشباب المجتهدين والمثابرين، وتحتاج إلى قدر كبير من الوعي والتأمل حتى لا تتحول إلى سببٍ للإحباط أو الانهيار النفسي والأخلاقي والمهني، وحتى نساعدك على فهم هذا الواقع والتعامل معه بصورة صحيحة، نضع بين يديك مجموعةً من المفاهيم والتوجيهات، ونسأل الله تعالى أن ينفعك بها:

أولًا: تيقن أن الحياة دار ابتلاء وامتحان وسعي: من أهم ما ينبغي أن يستقر في قلب المسلم أن الدنيا ليست دار جزاء، وإنما هي دار ابتلاء واختبار وسعي، وليست مكانًا تتحقق فيه جميع الأمنيات، وتكتمل فيه العدالة على الوجه الذي نريده، قال الله تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً ۖ وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾، فالخير ابتلاء، والشر ابتلاء، والغنى ابتلاء، والفقر ابتلاء، والتيسير ابتلاء، وكذلك التعسير ابتلاء.

وقال سبحانه: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ﴾، أي أن الإنسان يعيش في مكابدةٍ ومشقةٍ، وصراعٍ مع تحديات الحياة منذ ولادته إلى وفاته، ولذلك فإن توقع حياةٍ خاليةٍ من الصعوبات، أو الظلم، أو المنافسة غير العادلة يخالف حقيقة الدنيا التي أخبر الله تعالى عنها، بل إن وجود هذه الابتلاءات هو الذي يُظهر معادن الناس، ويميز الصادق من الكاذب، والمجتهد من المتكاسل، والأمين من الخائن، ولولا وجود الغش والواسطة والمحسوبية؛ لما ظهر فضل أهل الاجتهاد والصبر والثبات.

ولهذا، فإن النظر إلى هذه القضية من زاوية واحدة فقط قد يحجب عنك جوانب الخير الكثيرة التي تنشأ من رحم الشدائد، فكم من إنسان صنعت منه المحن شخصيةً عظيمة، وكم من ابتلاء كان سببًا في نجاح لم يكن ليصل إليه لولا تلك الصعوبة.

ثانيًا: النجاح القائم على الغش أو الواسطة قد يتقدم، لكنه غالبًا لا يستمر: نعم -أخي الغالي-، قد ترى بعض الناس يتقدمون في مرحلة معينة بسبب الغش أو الواسطة أو المال، وهذا واقع لا يمكن إنكاره، لكن ينبغي أن تدرك أن النجاح الحقيقي ليس شهادةً جامعية، ولا وظيفةً يحصل عليها الإنسان، وإنما هو منظومة متكاملة من العلم، والخبرة، والمهارة، والأخلاق، والانضباط، والقدرة على التطور المستمر.

فالغش قد يمنح صاحبه درجة، لكنه لا يمنحه علمًا، والواسطة قد تمنحه منصبًا، لكنها لا تمنحه الكفاءة لإدارته، وقد يحصل الإنسان على وظيفة بالواسطة، لكنه يعجز عن إثبات نفسه فيها أو التميز بين زملائه، والواقع مليء بالشواهد على ذلك.

أما أصحاب الإبداع والاجتهاد، فهم الذين يصنعون الفرق الحقيقي في المؤسسات والمجتمعات؛ لأن نجاحهم مبني على الكفاءة لا على الظروف المؤقتة، ولهذا لا تنظر إلى البدايات فقط، وإنما انظر إلى النهايات والعواقب، فإن العبرة بكمال الخواتيم لا ببدايات الطريق.

ثالثًا: لا تجعل الفاسد أو الغشاش ينتصر عليك مرتين: من أخطر ما قد يحدث أن يتحول ظلم الآخرين إلى سببٍ يدفعك إلى اليأس، أو التخلي عن مبادئك، فمشاعر الإحباط، والقنوط، والاستسلام، والرغبة في ترك الاجتهاد، أو التفكير في سلوك طريق الغش أو الواسطة، هي في الحقيقة أكبر انتصار يحققه الفاسد، فإذا تخلى المجتهدون عن اجتهادهم، واستسلم أصحاب المبادئ، تساوى الجميع، ولم يعد هناك فرق بين الصادق والكاذب، ولهذا قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (أَدِّ الأَمَانَةَ إِلَى مَنِ ائْتَمَنَكَ، وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ)، ففساد غيرك لا يبرر فسادك.

واعلم أن شعورك بالرغبة في ترك أهدافك هو أول خطوات الهزيمة؛ لأنك جعلت الآخرين يتحكمون في مستقبلك، وتذكر دائمًا أن النجاح الحقيقي شعور داخلي بالرضا والإنجاز، لا يعرفه من اعتاد سرقة نجاح الآخرين.

رابعًا: كيف تتغلب عليهم؟ السؤال الأهم ليس: لماذا توجد الواسطة؟ بل: كيف أبني نفسي حتى أتجاوز آثارها؟ فالذي يعتمد على الغش أو الواسطة عاجز غالبًا عن بناء نفسه، لأنه اعتاد الطريق السهل، ولم يتعلم تطوير مهاراته، ولا مواجهة التحديات، ولا تحمل المسؤولية، أما أنت، فإن نجاحك مبني على جهد حقيقي، ولذلك فأنت تمتلك أساسًا متينًا للنمو والتطور.

لذلك -أخي العزيز- احرص على تنمية مهاراتك العلمية والعملية والشخصية، حتى تصبح قيمتك في سوق العمل قائمة على ما تملكه من كفاءة، لا على من تعرفه من الناس.

خامسًا: قدراتك الحقيقية هي رأس مالك: ما يميزك عن غيرك ليس الدرجة فقط، وإنما القدرات التي اكتسبتها بالصبر والاجتهاد خلال سنوات الدراسة، فأنت تبني شخصيةً قادرةً على الإنتاج والإبداع وتحمل المسؤولية، بينما من اعتاد الغش أو الواسطة يعيش غالبًا في قلق دائم؛ لأنه يعلم أن نجاحه لم يكن نتيجة استحقاق حقيقي، ولهذا تجد كثيرًا منهم يتوقف عن التطور، ويظل معتمدًا على غيره في كل مرحلة من حياته، فيفقد ثقته بنفسه، ويعيش حالةً من القلق وعدم الرضا مهما أحاط نفسه بالمناصب أو المظاهر.

أخي الكريم، لقد سألت سؤالًا مهمًا للغاية، وهو: "ما الطريق الذي أسير فيه لأتجاوز مثل هذه الظروف القاسية، وأصبح أفضل منهم في حياتي العملية بعد الجامعة؟ ونفسيًا كيف أتقبل هذا الأمر؟"، وإضافةً إلى ما سبق، نذكر لك مجموعةً من الخطوات العملية التي تعينك -بإذن الله تعالى- على تجاوز هذا الواقع:

أولًا: واصل بناء نفسك دون توقف: اجعل هدفك أن تضيف إلى نفسك في كل عام قيمةً جديدة "قيمة مضافة"، لا تكتفِ بما تعلمته في الجامعة، بل احرص على تعلم اللغات، والمهارات التقنية، ومهارات التواصل، والقيادة، وإدارة الوقت، والعمل الجماعي، وكل ما يزيد من قيمتك المهنية، فالقيمة المضافة هي التي تصنع الفارق الحقيقي بين الناس.

ثانيًا: احرص على التسويق الإيجابي لنفسك: وسع دائرة علاقاتك الاجتماعية والمهنية، فالعلاقات ليست كلها واسطةً محرمة، بل قد تكون من باب التعارف المشروع والتزكية الحسنة، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا)، لذلك شارك في المؤتمرات، والدورات التدريبية، والأنشطة العلمية، وتعلم كيف تعرض مهاراتك وإنجازاتك بثقة واحترافية، فإن كثيرًا من الفرص تأتي بعد معرفة الناس بقدرات الإنسان الحقيقية.

ثالثًا: حافظ على صحتك النفسية: فالنفس المحبطة والقلقة والمترددة قليلة الإنتاج، ضعيفة العزيمة، والاستسلام بداية كل فشل، ومن أعظم ما يقوي النفس حسن الصلة بالله تعالى، والمحافظة على الصلاة، والإكثار من الدعاء، وذكر الله، وقراءة القرآن، قال الله تعالى: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾، وحاول أن تخرج من دائرة التفكير المستمر في المشكلة، إلى دائرة العمل وبناء الذات حتى لا تصبح ضحية التفكير السلبي الدائم، فالانشغال بالحلول يصنع النجاح، أما الانشغال الدائم بالمشكلة فيستنزف الطاقة ويزيد القلق.

رابعًا: ابنِ فهمًا متوازنًا للحياة والرزق والفرص: فالحياة -أخي العزيز- ليست كلها كما نريد، والأرزاق بيد الله تعالى، يقسمها بحكمته وعدله، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فعليه السخط، قال سبحانه: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾، وقال تعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا ۝ وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾، وهذا لا يعني ترك الأخذ بالأسباب، بل يعني أن تجتهد، ثم ترضى بما يقدره الله تعالى، مع اليقين بأن الخير فيما اختاره سبحانه.

خامسًا: اقترب من الناجحين الحقيقيين: اقرأ سير العلماء، والمصلحين، ورواد الأعمال، والمبدعين، وتأمل كيف بدأ كثير منهم من بيئات بسيطة وظروف صعبة، ثم بلغوا مراتب عالية بالصبر والمثابرة والاجتهاد، ستجد أن ما جمع بينهم لم يكن المال ولا الواسطة، وإنما العزيمة، والاستمرار، والإيمان بقدرتهم على النجاح، وهؤلاء هم الذين يصنعون الحضارات ويتركون أثرًا يبقى بعدهم، ونسأل الله تعالى أن يجعلك منهم.

وفي الأخير -أخي الغالي- حتى تستطيع أن تتجاوز هذا الواقع، لا بد أن تفهمه على حقيقته، وأن تدرك أن النجاح لا يُقاس بلحظة، ولا بامتحان، ولا بأول وظيفة، قد يبدو في البداية أن الغشاش أو صاحب الواسطة هو الأكثر نجاحًا، وقد يؤيد هذا الانطباع بعض ما تراه في الواقع والمجتمع، لكن هذه نظرة قصيرة المدى، أما عند النظر إلى مسيرة الحياة بأكملها، فإن الكفاءة، والاجتهاد، والصدق، والإتقان، هي التي تبقى وتؤتي ثمارها -بإذن الله تعالى-.

فاستمر في طريقك، واصبر، وأحسن الظن بربك، واعلم أن الله تعالى لا يضيع أجر المحسنين، قال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرا).

أسأل الله تعالى أن يوفقك، وأن ييسر لك الخير حيث كان.

www.islamweb.net