ذكريات الماضي تؤرقني وتدفعني إلى لوم نفسي، فكيف أعالج ذلك؟
2026-07-20 01:35:10 | إسلام ويب
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
إخواني: كانت طفولتي مضطربة، ولم أعش فيها بإيجابية، ورغم أن هناك غيري ممَّن عاشوا تجارب سلبية أيضًا، فإنني أشعر بأنني ألوم ذاتي؛ لأن هناك أمورًا كان يمكنني أن أبتعد عنها، أو أرد عليها وأمنع حدوثها، لكنني لم أفعل!
أفيدوني، أفادكم الله، فأنا أشعر أن نفسي السابقة كانت غريبة جدًّا عن نفسي الحالية، حتى إنني أُصبت ببعض الاضطرابات النفسية في طفولتي، والآن يؤرقني سؤال النفس اللوامة: هل كان يمكن أن أكون أفضل من هذا، وأن أدافع عن نفسي من الشرور، وأبتعد عن الأشياء السيئة؟
علمًا بأنني أعيش في بيئة سامة، تكثر فيها الشرور والظلم، وفي دولة يكثر فيها الإجرام.
الإجابــة:
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ محمد، حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
أهلًا بك في إسلام ويب، ونسأل الله أن يفتح عليك أبواب الخير، وأن يشرح صدرك، وييسر أمرك، ويعينك على طاعته، وأن يرزقك البصيرة والحكمة، ويجعلك ممَّن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأن يصلح حالك، ويبارك لك في عمرك وعملك، ويكتب لك السداد والتوفيق في الدنيا والآخرة.
شيء جميل أن يكون لدى الواحد مِنَّا معرفة جيدة بنفسه، وتقييم شامل لها، فإن هذا ممَّا يساعده في الارتقاء بحاله يومًا بعد يوم، وفي إطار ما تفضلت به عن حالك، وعن طفولتك المضطربة وتأثيراتها عليك إلى يومك هذا، أود أن أشير عليك بالتالي:
أولًا: نحن -أخي الكريم- شئنا أم أبينا، نتاج ما مررنا به من تربية ونحن صغار، وما مررنا به من ظروف مختلفة في سائر مراحل حياتنا، ولكن في المقابل، هذا لا يعني الاستسلام لآثار تلك التربية، أو البيئة والظروف التي عشنا فيها، فطبيعة التكليف الذي كلفنا الله به قائمة على مبدأ الابتلاء! الابتلاء الذي يجعلنا غير مستسلمين للصعوبات التي مرت بنا سابقًا، أو تمر بنا لاحقًا، فالظروف والمصاعب هي أدواتنا في رفع قدراتنا الذاتية على إدارة أنفسنا، ومواجهة التحديات بقوة وثبات، ومن ثم فإن تجاوز هذه الابتلاءات بنجاح هي المعيار الذي من خلاله يفوز فيه من يفوز، ويخسر فيه من يخسر في رحلته إلى الله.
ثانيًا: التعامل مع الماضي ينبغي أن يكون من خلال ثنائية الاستفادة من أخطائه أولًا، وعدم الوقوع تحت أسره ثانيًا، فاللوم المستمر للنفس على ما كان منها في الماضي، وخاصة في مراحل الطفولة وعدم التكليف، هو جلد للنفس في غير مصلحتها، بل هو على النقيض تمامًا، حيث يعتبر امتدادًا للخطأ في حق أنفسنا، فنفقد ثقتنا بذواتنا، مع ملاحظة أن مرحلة الطفولة لا مؤاخذة شرعية على ما كان فيها.
ثالثًا: من نفائس ما قرره علماؤنا عندما تكلموا عن شرط الندم في التوبة، أنهم قرروا أن الندم ولوم النفس، إن زاد عن الحد اللازم، وأوصل صاحبه إلى القعود والانكسار، فإنه لوم غير مشروع وغير مستحسن، لأنه من عمل الشيطان الذي يجعل صاحبه في حالة ضعف داخلي، فلا يخرج من حالة الضعف إلى القوة، بل يعزز حالة الضعف لديه، وهذا بالضبط ما يهدف له الشيطان في معركته مع الإنسان.
رابعًا: أرى -أخي الكريم- أنك بحاجة إلى أن تنظر إلى المستقبل أكثر من نظرك إلى الماضي، وأن تفكر بأهدافك أكثر من التفكير بسقطاتك، وأن تتأمل في نقاط قوتك أكثر من تعزيز نقاط ضعفك، وأن تخرج نفسك من حالة الاستضعاف والزلل التي مررت بها إلى حال القوة والصواب فيما أنت قادم عليه.
خامسًا: ذكرت بيئتك السيئة، وما فيها من ظلم وشرور وإجرام، ولا شك أن البيئة السيئة لها انعكاساتها السلبية على من يعيش فيها، ولذلك قد تكون بحاجة إلى صناعة بيئة إيجابية مصغرة خاصة بك، تساندك وتساعدك وتتقوى بها على صعوبات الحياة، وضعف النفس، وفتور الهمة، فحاجة الواحد مِنَّا إلى الصحبة الجيدة هي حاجة لا تختص بالصغار دون الكبار، بل هي حاجة مشتركة للجميع، ذلك أن قابليتنا للتأثر الإيجابي أو السلبي من الدائرة المحيطة بنا هي قابلية عالية للغاية.
وقد أمر الله عز وجل نبيه المصطفى ﷺ بذلك، حيث وجهه بقوله: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا}، فما كان توجيهًا للنبي ﷺ، فهو من باب أولى توجيه لكل من دونه من أمته.
سددك الله أخي الكريم، وكتب لك الخير حيث كنت.