وساوس قهرية توصلني إلى نوبات من البكاء والعجز، فما العلاج؟
2026-07-27 00:28:17 | إسلام ويب
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أعيش في بيئة عائلية تفتقر تمامًا إلى النضج، وأشعر دائمًا أنهم هم المراهقون، وأجد نفسي عاجزةً عن الاعتماد عليهم أو الوثوق بتفهمهم، بل بات أكبر مخاوفي أن أتحول إلى نسخة منهم؛ لأنني امتصصتُ كل سلبيات هذه العائلة.
منذ صغري، وأنا أعيش في جحيم من الوساوس القهرية التي تتجاوز مجرد الأفكار، لتتحول إلى نوبات هستيرية من البكاء والصراخ، والعجز التام عن مغادرة الفراش أو تناول الطعام، ولا يهدأ هذا الألم الجاثم على صدري إلَّا بحلول الليل، وهذا الأمر وراثة أيضًا من خالاتي.
تفاقمت هذه الحالة بشدة مع دخولي عمر السابعة عشرة؛ حيث عشتُ ثلاثة أشهر متواصلة من الانهيار والبكاء المستمر، حتى في المدرسة، بسبب صدمة التغيير المفاجئ، وإدراكي المُرّ للوقت الضائع، وأصبحتُ أبكي على الفقد قبل حدوثه، وتحت وطأة مقولة: «دوام الحال من المحال»، صرتُ أعيش انفصالًا زمنيًا مرعبًا؛ حيث أرى الحاضر وكأنه ذكريات مضت، ومستقبلًا بائسًا ينتظرني.
ورغم أنني حظيتُ بأولى الصداقات الحقيقية هذا العام، إلَّا أن شعورًا خانقًا دفعني إلى الرغبة في حظر الجميع، وحتى وأنا في هذه الحالة، كنت أرى نفسي تافهة، وأتساءل: ما الذي يدفعني إلى الصراخ؟ لكنني كنتُ أشعر أن الأسباب لم تكن هي التي تجعلني أصرخ، بل كان هناك ألم أشعر به في صدري، هو ما يجعل الأمور تزداد سوءًا، فهل أنا ممسوسة؟
ورغم أن هذه الحالة جعلتني ألتزم بصلاتي، وأترك الأغاني، وأبتعد عن الألعاب السامة، فإنني كنتُ أكره حتى هذه الأمور، مع أنها جميعًا أمور جيدة، فقد شعرت بألم غريب وجسيم؛ جعلني أتمنى لو تُؤخذ روحي، وأتخلص من هذا الجحيم.
عقلي لا يتوقف عن التفكير، وأخشى أن أكرر مأساة خالتي التي تعيش حياة بائسة مليئة بالتضحيات المستغلة، وألم التشتت، وأرى ظلال مستقبلها البائس تلاحقني، وأخاف من شبح العنوسة وراثةً، أو أن أكون زوجةً سيئة تفشل في أداء مسؤولياتها، بينما كان عقلي يصرخ.
حاولتُ الهروب نحو التصميم الرقمي كبديل، لكنني لم أحصد سوى إرهاق جسدي، وألم في عيني ويدي، دون أي إنجاز يُذكر، وهذا ما أفعله منذ الصغر دائمًا، إذ أدخل مجالات تستهلك صحتي، ولا أحصد منها فائدة، بل قد أجمع ذنوبًا؛ لأنني قمت بأنشطة أخرى قبل ذلك.
أنا الآن مجرد جسد يسحب الأكسجين، وعديمة الثقة؛ لأنه ليس لدي ما أثق به، ويلازمني شعور طاغٍ بالقبح، وتشتت كامل يمنعني من الراحة أو الإنتاجية، وأخشى أن أتحول إلى شخص حاقد وغيور يكره نجاح أقرانه، وأعيش مع التفكير المفرط، والأدهى من ذلك كله أنني على أعتاب أهم سنة دراسية في حياتي، بعقل محترق تمامًا، ومضطرب من الداخل.
الإجابــة:
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ ديلارا حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
نرحب بكِ -أختنا الفاضلة- عبر استشارات إسلام ويب، ونشكر لكِ تواصلكِ معنا بهذا السؤال، وقد قرأتُ سؤالكِ هذا، والأسئلة السابقة التي أرسلتِها إلينا.
بُنيَّتي، يبدو أن ما تشعرين به هو التفكير الزائد، والقلق المفرط، فمن المهم أن تُدركي أننا لا نستطيع أن نطلب منكِ ألَّا تفكري هذا التفكير الزائد؛ لأن التفكير الزائد ليس قرارًا إراديًا، بل غالبًا هو أسلوبٌ تعلَّمه دماغكِ في محاولةٍ لتجنُّب الأخطاء والمخاطر التي تعرضتِ لها، أو شعرتِ بها خلال مرحلة طفولتكِ.
لذلك، يُفيدكِ أن تغيري علاقتكِ بأفكاركِ، ومما يمكن أن يعينكِ ما سأقوله لكِ: أنكِ لستِ أفكاركِ؛ فالعقل مثل جهاز إنذارٍ، فأحيانًا يصبح حساسًا أكثر من اللازم، فيُطلق الإنذار حتى عندما لا يوجد خطرٌ حقيقيٌ.
بُنيَّتي، حاولي الأمور التالية:
• أولًا: ميِّزي بين ما يمكنكِ التحكم فيه، وما لا يمكنكِ، واسألي نفسكِ: "هل هذا الأمر بيدي؟"، فإذا كان الجواب: نعم، فضعي خطةً بسيطةً للتعامل معه، وإذا لم يكن بيدكِ، فاستمرار التفكير فيه لن يُغيِّر شيئًا.
• ثانيًا: أطلب منكِ ألَّا تطلبي اليقين الكامل؛ فكثيرٌ من القلق ناتجٌ عن الرغبة في ضمان أن كل شيءٍ سيكون على ما يرام، ولكنكِ تعلمين أن الحياة لا تُعطينا يقينًا كاملًا، والنضج النفسي هو قُدرتنا على التعايش مع شيءٍ من عدم اليقين.
• ثالثًا: حاولي أن تنتقلي من التفكير إلى الفعل، أي اسألي نفسكِ: "ما أصغر خُطوةٍ أستطيع القيام بها الآن؟"، فهذا الفعل يُخفِّف من قلق التفكير الزائد.
• رابعًا: حاولي تقبُّل أن الأفكار ليست حقائق؛ فمجرد أن العقل يقول لكِ مثلًا: إنكِ ستكونين فاشلةً في المستقبل، أو إنكِ ستكونين عانسًا، هذه مجرد أفكار، فما الدليل على صحتها؟! وكون هذا قد أصاب إحدى خالاتكِ، لا يعني أنكِ ستكونين مثلها.
• خامسًا: حاولي أن تُريحي دماغكِ قليلًا، بأن تطبقي نمط الحياة الصحي، كالنوم الكافي، وممارسة الرياضة، وتقليل المنبهات قدر الإمكان.
• سادسًا: حاولي التقليل من التعرض المستمر للأخبار، ووسائل التواصل الاجتماعي؛ فهذه كلها تزيد من قلق الدماغ.
بُنيَّتي، تذكِّري أخيرًا أنكِ في السابعة عشرة من العمر، أي إنكِ ما زلتِ في مرحلة التطور والتكيف مع الحياة، ولا شك عندي أن السنين ستعلمكِ كيف تتكيفين مع ظروف حياتكِ مهما صعبت.
ختاماً: أدعو الله تعالى أن يُيَسِّر لكِ هذه السنة الدراسية المهمة، وأن يرزقكِ السكينة والطمأنينة، ويمن عليكِ بالعافية، ويوفقكِ لكل خير، متمنيًا لكِ تمام التوفيق والتفوق.
والله الموفق.