هل من وسائل عملية تعينني على تقوية الرضا وحسن الظن بالله؟

2026-07-29 04:27:42 | إسلام ويب

السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

لدي استشارة تتعلق بأمرين:

أولًا: هل الخوف من المستقبل، أو ممَّا قد يحدث في الأيام القادمة، أو من وقوع أمر مُعيَّن، يُعد دليلًا على ضعف الإيمان؟ وكيف كان الصحابة -رضي الله عنهم- يجاهدون في سبيل الله، ويواجهون المخاطر دون أن يسيطر عليهم الخوف على أنفسهم؟ وما الذي كان يُعينهم على الثبات والطمأنينة في مثل تلك المواقف؟

ثانيًا: كيف أستطيع أن أرضى بنصيبي في الحياة دون أن أقارن نفسي بالآخرين، وأن أحقق التسليم التام بقضاء الله وقدره؟ أحيانًا ينتابني شعور بأن أشخاصًا أقل التزامًا بدين الله، أو أقل حرصًا على شرعه، قد رُزقوا من متاع الدنيا ما هو أفضل وأجمل، ولا أدري كيف أُعين نفسي على الثبات، وأقوي يقيني بأن كل ما كتبه الله لي هو الخير، حتى وإن لم أفهم حكمته في الوقت الحاضر.

كثيرًا ما أشعر بالإحباط، وكأن حياتي شديدة الصعوبة، وأنني لا أنال إلا القليل من الخيرات، رغم أنني أبذل جهدي دائمًا في فعل ما أستطيع، وأسعى إلى ما يرضي الله، فبماذا تنصحونني؟ وهل من وسائل عملية تعينني على تقوية الرضا والتسليم، وحسن الظن بالله؟

الإجابــة:

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ منة حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبًا بكِ في استشارات إسلام ويب، ونشكر لكِ تواصلكِ بالموقع، وحرصكِ على معرفة ما يقربكِ إلى الله تعالى، ويُرضِّيكِ بقضائه وقدره.

وهذه الأسئلة التي تسألينها -أيتها الكريمة- أسئلة مشروعة، وهي في الوقت نفسه مؤثرة في حياة الإنسان وسعادته؛ فإن معرفة الأجوبة الصحيحة عنها تسهم كثيرًا في أن يعيش الإنسان حياةً هادئةً مستقرةً سعيدة.

والله تعالى الذي يُقدِّر لنا المقادير قد أخبرنا -سبحانه وتعالى- في كتابه الكريم، وعلى لسان رسوله ﷺ، بما يبعث على الطمأنينة والسعادة إذا أحسنَّا التصرف مع هذه الأقدار.

فقد أخبرنا الله في كتابه الكريم عن حقيقة مهمة، إذا اعتقدها الإنسان في قلبه، وصدق بها تصديقًا كاملًا؛ فإنها -بإذن الله تعالى- ستكون مفتاحًا لسعادته، فقال سبحانه: {مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِّكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ}.

فأخبرنا في هاتين الآيتين أنه -سبحانه وتعالى- قد كتب كل ما يقع في هذا الكون، وكتب مقادير الناس وأرزاقهم قبل أن يخرجوا إلى هذه الدنيا. وإذا أيقن الإنسان بهذه الحقيقة؛ فإنه يعيش مطمئنًا؛ لأنه يُدرك تمام الإدراك أنه لا يمكنه أن يُغيِّر ما كتبه الله تعالى.

فما قدَّره الله تعالى لا بد أن يقع؛ ولهذا قال سبحانه: {لِّكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ}، أي: لا تحزنوا على الأقدار المكروهة التي تصيبكم؛ سواء بإصابتكم بشيء مؤلم مكروه، أو بفوات شيء محبوب، فإن مَن آمن بأن الله قد كتب ذلك قبل أن يخرج إلى الدنيا، فإنه يُدرك أنه لا فائدة من الهم والقلق والحزن.

وكذلك في المقابل، إذا أصابته نعمة، فإنه لا يفرح بها فرحًا يحمله على العجب أو ينسبها إلى نفسه، بل يدرك أن هذا كله من فضل الله تعالى عليه. فهذه الآية فيها تعزية للإنسان في كل مصيبة يُصاب بها، وتأديب له فيما ينبغي أن يفعله عند كل نعمة تنزل به. فإذا عاش الإنسان بهذه الروح، وعقد في قلبه هذه العقيدة؛ فإنه سيعيش حياةً سعيدة.

أمَّا الخوف من المستقبل، وكون الإنسان يتخوَّف ممَّا قد يحدث له في الأيام القادمة؛ فهذا الخوف في حد ذاته ليس إثمًا ولا ذنبًا، ولكن ينبغي للمؤمن ألَّا يُفرط في هذا الجانب، وأن يُحسن التوكل والاعتماد على الله تعالى؛ فالله سبحانه هو الذي يدبر الأمور كلها؛ هو الذي دبَّر ما مضى، وهو الذي يدبر ما سيأتي.

فإذا عرفتِ ربكِ بأنه الرحيم، الرحمن، الودود، اللطيف، الحكيم، العليم، وعرفتِه بأسمائه وصفاته؛ فإنكِ تعلمين أنه لن يُقدِّر لكِ إلا ما فيه صلاحكِ وخيركِ؛ فالله أرحم بنا من أنفسنا، ومن أمهاتنا وآبائنا.

فهو الذي يدبر أمورنا، ويدبرها بما يصلح لنا، وإن كان شيئًا نكرهه؛ فقد قال الله تعالى: {وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}.

فإذا آمنتِ بهذه العقيدة؛ فإنكِ ستعيشين مطمئنةً لما سيحصل لكِ في المستقبل، وإن أصابكِ شيء يؤلمكِ؛ فدوركِ هو الصبر، والرضا بقضاء الله تعالى، واليقين بأنه سبحانه قدَّره لخير يعلمه، وبهذا يزول عنكِ الاضطراب والقلق.

وأمَّا كون هذا الخوف من المستقبل علامةً على ضعف الإيمان، فالجواب: أنه -بلا شك- يتفاوت بحسب تفاوت قوة الإيمان في القلب؛ فالإيمان الكامل بالله تعالى، وبأسمائه وصفاته، مع كمال الاعتماد عليه؛ يطرد عن القلب هذا القلق والخوف، وإذا قلَّت معرفة الإنسان بالله؛ ربما تزيد عنده هذه المخاوف.

وأمَّا كيف ترضين بما قدَّره الله تعالى، وبنصيبكِ في هذه الحياة؟ فالذي أرشد إليه النبي ﷺ هو أن تقارني نفسكِ بمن هو أقل منكِ في أمور الدنيا، لا بمن هو أكثر منكِ؛ فقال ﷺ: «انْظُرُوا إِلَى مَنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ، وَلَا تَنْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكُمْ، فَهُوَ أَجْدَرُ أَنْ لَا تَزْدَرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ».

فهذه المقارنة تبعث في القلب الرضا، وتُدركين معها أنكِ تتقلبين في نعم كثيرة من نعم الله تعالى؛ فحاولي دائمًا أن تنظري إلى من هو أقل منكِ نصيبًا في أمور الدنيا، وبهذا تعلمين أن الله تعالى قد رزقكِ خيرًا كثيرًا.

وأمَّا كون الله سبحانه يرزق بعض الفُسَّاق وبعض العصاة؛ فهذه من حكمته سبحانه وابتلائه في هذه الدنيا؛ فإن الدنيا قد يرزقها الله لبعض الفجار، بينما يمنعها عن بعض الصالحين، لحكمة يعلمها سبحانه، ولِمَا في ذلك من الخير الذي قد لا يدركه الإنسان.

نسأل الله تعالى أن يوفقكِ لكل خير، وأن يرزقكِ الرضا بقضائه، وحسن التوكل عليه.

www.islamweb.net