تعثرت وتأخرت في الدراسة.. فكيف أبدأ من جديد؟

2026-08-20 03:31:42 | إسلام ويب

السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أنا طالب في الفرقة الثالثة بكلية الطب في جامعة القاهرة، وعمري 38 سنة، وأنا أكبر إخوتي، ولدي أخوان؛ أحدهما مهندس متزوج، والآخر تخرج في كلية الصيدلة، ولي أخت عمرها 14 سنة تعاني من تأخر عقلي، ووالدي موظف متقاعد، ووالدتي معلمة.

نجحت في السنة الأولى من كلية الطب، ثم نجحت في السنة الثانية بعد ثلاث سنوات، ودخلت السنة الثالثة عام 2010، ومنذ ذلك الوقت وأنا فيها، لأني طوال هذه السنوات لم أكن أذاكر، ولم أكن أدخل الامتحانات، رغم أني ما دخلت مادة وذاكرت إلا ونجحت.

عملت في عدة أعمال؛ حتى أتحمل مسؤولية فشلي، ولا أكون عبئًا على أهلي؛ فهم طيبون جدًّا ويحبونني، وكان آخر عمل لي عام 2015، حين عملتُ لحسابي الخاص في مجال الأدوية، وكنتُ أوزع أدوية العناية المركزة والتخدير على المستشفيات والأطباء، وبسبب أدوية التخدير سجنتُ عام 2016 لمدة 40 يومًا، ثم حصلتُ على البراءة في النهاية.

كنتُ ناجحًا جدًّا في هذا العمل، وحققتُ منه دخلًا جيدًا، واكتسبتُ من خلاله ثقةً بنفسي؛ لأنني استطعتُ النجاح في شيء، وكلُّ ذلك وأنا لا أدخل امتحانات الكلية، وإنما كنتُ أؤجل دراستي من سنة إلى أخرى.

وبعد خروجي من الحبس، واصلت العمل في مجال الأدوية، وتوسع عملي، وازداد دخلي، حتى حُبست مرةً أخرى عام 2018، وحُكم عليَّ هذه المرة بالسجن ست سنوات، فدخلتُ السجن، وعشتُ أسوأ فترة في حياتي، ورأيتُ فيها من أصعب ما مر بي، ثم خرجتُ في شهر أكتوبر عام 2024 إلى عالم مختلف كثيرًا عن العالم الذي تركته.

خرجتُ وأنا أشعر بأنني تائه عن العالم الخارجي، كما أصبحت الرغبة الجنسية لدي مرتفعةً جدًّا، وكنتُ أخشى بعد خروجي ألَّا أتمكن من العودة إلى الكلية مرةً أخرى، ولكنني ذهبتُ مع والدي إلى وكيلة الكلية، وتحدثنا معها، وكانت النتيجة أن مُنحتُ فرصةً لدخول امتحانات عام 2026.

لكنني الآن لا أعرف كيف أبدأ المذاكرة، ولا أستطيع أن أمسك الكتاب، وأصبحتُ أميل إلى الراحة كثيرًا، وليست لدي رغبة في الحياة، كما أنني أنام كثيرًا، رغم أن أهلي يقفون إلى جانبي جدًّا، ويوفرون لي كل الظروف التي تساعدني على النجاح، لكنني أشعر بالعجز؛ لأنني لا أستطيع أن أحقق لهم النجاح الذي ينتظرونه مني.

وفكرتُ في ترك الكلية نهائيًا، لكنني لا أستطيع اتخاذ هذا القرار؛ لأنني ما زلت أرغب في إكمالها، وفي الوقت نفسه أفكر في عمري الذي مضى، وفي أصدقائي الذين أنهوا دراستهم، وأصبحوا يعيشون حياتهم، بينما أشعر أنني ما زلت في مكاني؛ فلا أنهيت الكلية، ولا تزوجت، ولا أصبحت لدي زوجة أو أبناء.

وفي أوقات كثيرة أفكر في الانتحار، ولكنه مجرد تفكير في الوقت الحالي، كما أن حالتي تتقلب؛ فأحيانًا أشعر بحماس شديد، وأقول لنفسي إنني سأنجز وأكمل دراستي، ثم يعقب ذلك شعور باليأس والإحباط، وأصبحتُ أخاف من الإقدام على أي شيء جديد، ولا أشعر بالفرح أو السعادة في حياتي.

أنا متعب جدًّا، ولا أعرف كيف أستعيد قدرتي على المذاكرة والنجاح، ولا كيف أُسعد نفسي وأهلي! وأشعر بأن عمري مضى سريعًا من غير أن أنتبه إليه.

أطلب منكم مساعدتي وإرشادي إلى ما ينبغي أن أفعله؛ لعلكم تكونون سببًا -بعد الله تعالى- في نجاتي مما أنا فيه، وجزاكم الله خيرًا.

الإجابــة:

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ تائه في الحياة حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

أخي الكريم، أسأل الله أن يفرج همك، ويشرح صدرك، ويعوضك خيرًا عما مضى، وأن يجعل ما بقي من عمرك أفضل مما مضى منه.

أولًا: تفهم معاناتك وما مررت به:
نحن نُقدِّر جدًّا شجاعتك في أن تكتب عن هذه المعاناة بهذه الصراحة؛ فما مررت به ليس أمرًا يسيرًا، فقد عشت سنوات طويلة من التعثر، ثم مرت بك تجربة السجن وما صاحبها من قسوة، ثم خرجت إلى حياة تغيرت من حولك، ومع ذلك ما زلت متمسكًا بحلمك في إكمال الطب، وهذا في حد ذاته علامة على أن في داخلك رغبة في الحياة والبداية من جديد.

ثانيًا: التعثر لا يعني الفشل:
أخي الكريم، أنت لست إنسانًا عاجزًا، ولست فاشلًا لمجرد أن طريقك طال وتعثر، فقد ذكرت أنك كلما ذاكرت ودخلت امتحانًا نجحت، ونجحت كذلك في عملك، وأثبتَّ قدرة على تحمل المسؤولية وتحقيق النجاح، وهذا يعني أن المشكلة ليست في انعدام القدرة، وإنما يبدو أن هناك نمطًا طويلًا من التأجيل والتجنب، ثم جاءت ظروف قاسية زادت الأمر تعقيدًا، حتى أصبحت الآن تجد صعوبة في استعادة قدرتك على البدء والاستمرار.

ثالثًا: لا تجعل الماضي حكمًا على مستقبلك:
من المهم ألَّا تنظر إلى سنواتك الماضية باعتبارها حكمًا نهائيًا على مستقبلك، فقد مضى وقت طويل، ووقعت أخطاء، وكانت هناك قرارات كان يمكن أن تكون أفضل، لكن جلد نفسك على الماضي لن يفيدك بشيء، ولن يساعدك على النجاح في السنة القادمة، فالمطلوب الآن ليس أن تعوض السنوات الماضية دفعة واحدة، وإنما أن تنقذ ما بقي من حياتك خطوة بعد خطوة.

رابعًا: آثار المرحلة الانتقالية بعد السجن:
أنت في الحقيقة أمام مرحلة انتقالية صعبة، فقد خرجت من السجن بعد سنوات طويلة، ووجدت عالمًا تغير، وأنت نفسك تغيرت خلال هذه التجربة، ومن الطبيعي بعد تجربة قاسية وطويلة أن يشعر الإنسان بالغربة والارتباك، وأن يحتاج إلى وقت حتى يستعيد إيقاع حياته، وثقته بنفسه، وقدرته على التخطيط للمستقبل، لذلك لا يصح أن تختصر حالتك كلها في كلمة "كسل" مثلًا.

خامسًا: أهمية التقييم النفسي:
ما تصفه من كثرة النوم، وفقدان المتعة، وانعدام الرغبة، وصعوبة البدء، والخوف من الجديد، والتذبذب بين الحماس الشديد واليأس، والشعور بأن الحياة بلا فرح، كل ذلك يستحق أن يؤخذ بجدية، وقد تكون وراءه آثار نفسية تحتاج إلى تقييم وعلاج؛ لذلك أنصحك ألا تكتفي بالنصائح العامة، بل أن تعرض نفسك على طبيب أو أخصائي نفسي موثوق؛ لتقييم حالتك بصورة مهنية، خاصة بعد التجارب الشديدة التي مررت بها.

سادسًا: التعامل الجاد مع أفكار الانتحار:
أشد ما استوقفني في رسالتك قولك إنك تفكر أحيانًا في الانتحار، حتى إن قلت إن الأمر مجرد تفكير حاليًا، فلا ينبغي أن نتعامل معه باستخفاف، ولا أقول لك ذلك لتخويفك، وإنما لأن حياتك غالية، ولأن وجود هذه الأفكار مع اليأس وفقدان المتعة يستحق مساعدة مباشرة، فحاول أن تخبر والدك، أو والدتك، أو شخصًا قريبًا تثق به بما تمر به، ولا تبقَ وحدك عندما تشتد عليك هذه الأفكار.

واحرص على أن تكون بعيدًا عن أي وسيلة قد تستخدمها لإيذاء نفسك، فإذا تحولت الأفكار إلى نية أو خطة، أو شعرت أنك قد تقدم على إيذاء نفسك، فاطلب المساعدة الطارئة فورًا، ولا تنتظر أن تزول الفكرة وحدها، ففي قطر يمكن الاتصال بالطوارئ على الأرقام المعتمدة في أي مكان على مدار الساعة.

سابعًا: العلاج النفسي لا ينافي التوكل:
اعلم أن طلب العلاج النفسي لا ينافي التوكل على الله، كما أن العلاج لا يعني أنك ضعيف الإيمان، فقد قال النبي ﷺ: «تَدَاوَوْا عِبَادَ اللَّهِ»، والأخذ بالأسباب عبادة وطاعة لله.

ثامنًا: لا تقنط من رحمة الله:
أما من الناحية الإيمانية، فلا تجعل ما مضى سببًا للقنوط من رحمة الله، قال تعالى: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا} [الزمر:53]، وباب التوبة والإصلاح والعمل مفتوح ما دام الإنسان حيًا، ولا يجوز أن تجعل أخطاء الماضي سببًا لإغلاق باب المستقبل.

تاسعًا: قرار الاستمرار في دراسة الطب:
أما فيما يتعلق بدراسة الطب، فلا أنصحك أن تتخذ قرارًا بتركه وأنت في ذروة اليأس والتعب النفسي، فأنت تقول لفظيًا وبوضوح: "أنا أريدها"، وحصلت على فرصة حقيقية للعودة إلى الامتحانات، فحافظ على هذه الفرصة، لكن لا تجعل نجاحك في الطب هو المقياس الوحيد لقيمتك أو لجدارة حياتك.

إذا استقرت حالتك النفسية وأخذت بالأسباب، فابدأ في استعادة طريقك، فإذا تبين بعد ذلك أن هناك قرارًا آخر أصلح لك، فاتخذه حين تكون هادئًا وقادرًا على التفكير في وضع أفضل.

عاشرًا: العمر لا يعني انتهاء الفرص:
لا تجعل عمرك، 38 سنة، سببًا للحكم بأن الحياة انتهت، فأنت متأخر عن زملائك في الدراسة، وبعضهم تزوج وأنجب وبنى حياته، لكنك لا تعيش حياتهم، وهم لا يعيشون حياتك، فالمقارنة المستمرة ستجعلك ترى ما ينقصك، وتنسى ما تملكه، وأنت ما زلت قادرًا على التعلم، والعمل، والزواج، وبناء حياة مستقرة، وليس هناك عمر ينتهي عنده الأمل.

الحادي عشر: الاستفادة من دعم والديك:
قد وضح -أخي الكريم- من كلامك أن والديك قد وقفا إلى جوارك، وهذا أمر عظيم، فلا تجعل حبك لهما يتحول إلى شعور دائم بالذنب، فأنت لا تسعدهما بتحطيم نفسك، وإنما تسعدهما بأن تريهما أنك بدأت تستعيد حياتك، ولو بخطوات صغيرة، ويمكنك أن تتحدث معهما بصدق عن أهمية استمرار دعمهما لك خلال هذه المرحلة.

الثاني عشر: لا تنتظر الحماس حتى تبدأ:
لا تنتظر حتى يأتيك الحماس لكي تبدأ؛ لأن الحماس متغير، وقد يأتي يومًا ويغيب أيامًا، فابدأ بما تستطيع، ولو كان قليلًا، واجعل لك وقتًا ثابتًا يوميًا للدراسة.

حاول -أخي الكريم- أن تضع أمامك أهدافًا قصيرة: ماذا سأفعل اليوم؟ ماذا سأنهي هذا الأسبوع؟ ولا تحمل نفسك سؤال السنوات كلها، مثل: متى سأتخرج؟ وماذا عن الزواج؟ وماذا عن المستقبل؟ فهذه أسئلة مهمة، لكن وقتها بعد أن تستعيد قدرتك على إدارة يومك.

الثالث عشر: استعادة نظام حياتك اليومية:
حاول أن تستعيد جسدك وحياتك اليومية، بوقت نوم واستيقاظ منتظم، وحركة أو رياضة مناسبة، وخروج من المنزل، وتواصل مع أشخاص صالحين، ووقت للقرآن، والصلاة، والدعاء، ولا تنتظر أن تشعر بالحياة حتى تتحرك، فأحيانًا تأتي المشاعر الإيجابية بعد أن يبدأ الإنسان في تغيير سلوكه، وليس قبله.

الرابع عشر: التقدم بخطوات صغيرة:
تذكَّر -أخي الكريم- أنك لا تحتاج الآن إلى أن تصبح إنسانًا مختلفًا تمامًا، بل تحتاج فقط إلى أن تصبح أفضل من الأمس، فإذا استطعت أن تجعل كل يوم فيه خطوة واحدة إلى الأمام، فبعد أشهر ستجد أنك قطعت مسافة لم تكن تتخيلها.

لا تنس أن لديك بالفعل أدلة على قدرتك؛ لأنك نجحت عندما ذاكرت، ونجحت في عملك، وتحملت مسؤولية نفسك في ظروف صعبة، وخرجت من تجربة شديدة القسوة، وما زلت تبحث عن طريقك، وهذه ليست صفات إنسان انتهت حياته، لكنها صفات إنسان تعثر، لكنه لم يفقد رغبته في النهوض.

الخامس عشر: خطوات عملية للبدء من جديد:
ابدأ بعلاج حالتك النفسية، واحمِ نفسك من أفكار الانتحار، واستعن بأسرتك، ثم ضع نظامًا بسيطًا للدراسة، ولا تتخذ قرارًا مصيريًا وأنت في ذروة اليأس، واستمر في الدعاء والعمل، ولو بخطوات صغيرة.

السادس عشر: خلاصة القول:
• اعمل على حماية نفسك أولًا.
• اطلب التقييم النفسي.
• استعن بأسرتك.
• لا تتخذ قرارًا مصيريًا وأنت في حالة كبيرة من اليأس.
• ابدأ بخطوة دراسية صغيرة ثابتة، وكررها يومًا بعد يوم.
• لا تحاول أن تعوض الماضي كله الآن.
• ركز على بناء يوم واحد جيد، ثم يوم آخر، ومع الأيام يتكون المستقبل.

أختم لك بمعنى أرجو أن يبقى حاضرًا في قلبك: ليس المهم كم تأخر قطارك، وإنما المهم ألا تنزل منه وأنت ما زلت قادرًا على مواصلة الطريق، فقد لا تستطيع تغيير السنوات الماضية، لكنك تستطيع -بإذن الله- أن تغير السنوات القادمة، وما دمت تقول: "أنا أريد استكمال دراسة الطب"، وتطلب المساعدة، ولا تزال تبحث عن طريق للخروج، فهذه نافذة أمل ينبغي أن تتمسك بها.

نسأل الله أن يفرج كربك، ويشرح صدرك، ويعينك على إصلاح ما مضى، وأن يرزقك توبة صادقة وبداية مباركة، ويحفظك من كل سوء، ويجعل ما بقي من عمرك خيرًا وبركة، وأن يقر عين والديك بصلاحك ونجاحك، وأن يفتح لك من أبواب رحمته وتوفيقه ما يعوضك عن كل ما مضى.

www.islamweb.net