حاولت الإصلاح بين والديّ فغضب مني أبي وقاطعني، فكيف أتصرف؟

2026-08-04 04:43:40 | إسلام ويب

السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

والدي مسافر، وقد غضب مني بسبب أني كنت أحاول الإصلاح بينه وبين والدتي، وأحاول تقريب وجهات النظر، وهو الآن يتهمني بأني أرهقته نفسياً وسببتُ له تعباً جسدياً، ولم يعد يكلمني، ومع ذلك فإني أرسل له رسائل لأطمئن عليه، ولكنه لا يرد عليَّ، فهل ما فعلته يُعدّ عقوقاً؟ وإذا لم أعد أرسل له رسائل مرة أخرى لحين رده عليَّ، فهل يكون عليَّ إثم؟ وكيف يمكنني التعامل معه؟

الإجابــة:

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ ملك حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبا بك -ابنتنا الكريمة- في موقعك استشارات إسلام ويب وجوابي لك كالآتي:

أولاً: أسأل الله تعالى أن يبارك فيكِ، وأن يكثر من أمثالكِ، وأن يجعلكِ من عباده الصالحين البررة بأهليهم، وأن يزيدكِ إيماناً وصلاحاً والتزاماً، وإنه لا شك ولا ريب في أن ما تقومين به من إصلاح بين والديكِ لهو قربة إلى الله تعالى، وعمل عظيم فيه البر والإحسان بالوالدين، وهو أمر يتطلب الحكمة، واللطف، والصبر المستمر لتحقيق التوافق وتقريب وجهات النظر بينهما.

ولكن نظراً لحساسية الأمر، ولا سيما أن الوالد -سواء كان أباً أو أماً- يرى ولده أو ابنته صغيراً مهما كبر الأولاد (فهم صغار في أعين والديهم)، فإنه لا بد من الحذر في التعامل معهما، وخاصة الأب؛ فقد يدخله نوع من الاستعلاء والتحرج جراء تدخل الأبناء في حل مشاكله الخاصة، ولذلك أوصيكِ عند حل المشاكل بين والديكِ بالآتي:

• الدعاء والإلحاح بالدعاء أن يؤلف الله بين قلوبهما، وبخاصة في أوقات الإجابة المعروفة، فأكثري من الدعاء لوالديكِ بالصلاح والوفاق والتراحم.

• البداءة بالحديث مع أمكِ؛ لأن العادة أن الأم هي الأقرب، وحاولي معها على الأقل أن تتوقف عن الإساءة الظاهرة، وألا تذكر والدكِ بسوء.

• بالنسبة للوالد، ذكّريه بأنه العاقل الذي جرت العادة بأن يضحي دائماً لإسعاد أسرته، وأنه لولا الله ثم هو ما كانت هذه الأسرة، وأن إصلاح السلوك نوع من العلاج وليس ضعفاً أو ذلاً، وأنه قائد السفينة الذي عليه أن يصلحها ويصبر على ذلك حتى يجني ثمار زرعه؛ إلى غير ذلك من الكلام العاطفي المؤثر في الطرفين.

• احرصي على أن تخاطبي كلاً من والديكِ على حدة؛ فذلك أرجى في النفع وتحقيق الفائدة، مع الكلمة الطيبة ونصيحة كل طرف على حدة بأسلوب لين ورفق، دون انحياز أو لوم قاسٍ.

• نقل الجانب الجميل لكل من والديكِ عن الطرف الآخر، وتقريب القلوب بنقل المشاعر الطيبة، مع اختيار الأوقات الهادئة وغير المتوترة لطرح الحلول، أو تقديم النصيحة.

ثانياً: لا بد أن تعلمي أن الله تعالى أوصى بالوالدين خيراً وبراً وإحساناً؛ فقال تعالى: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ۖ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} [النساء: 36]، وقال تعالى: {وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَىٰ وَهْنٍ} [لقمان: 14].

وفي حديث عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال: سألت رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: أي الأعمال أحب إلى الله -عز وجل-؟ قال: «الصلاة على وقتها»، قلت: ثم أي؟ قال: «بر الوالدين»... إلخ الحديث.

وفي حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: جاء رجل إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسول الله، من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: «أمك»، قال: ثم من؟ قال: «أمك»، قال: ثم من؟ قال: «أمك»، قال: ثم من؟ قال: «أبوك» (متفق عليه).

وقد حذرنا نبينا الكريم محمد -صلى الله عليه وسلم- من العقوق وخاصة الأم، ففي حديث المغيرة بن شعبة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «إن الله تعالى حرم عليكم عقوق الأمهات» (متفق عليه)، وفي حديث عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «رضا الله في رضا الوالدين، وسخط الله في سخط الوالدين» (أخرجه ابن حبان وصححه).

ثالثاً: عليكِ ببر الوالدين وتلبية طلبهما والقيام بحقوقهما ورعايتهما، وهذا هو الأصل في الشرع الإسلامي الحنيف، والعرف المعمول به في حياة المسلمين، لا سيما عند كبرهما واحتياجهما إليكِ.

رابعاً: الوالدان ليسا كغيرهما، فقد أنزلهما الشرع الحكيم منزلة خاصة، وأوجب البر بهما والإحسان إليهما ولو كانا كافرين مجتهدين في سبيل إضلال ولدهما، وصده عن الحق ورده من الإيمان إلى الكفر، كما قال تعالى: {وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا ۖ وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا} [لقمان: 15].

فالمقصود من هذا كله بيان منزلة الوالدين وحقهما على ولدهما، وأنه لا يجوز للولد أو البنت الإساءة إلى الوالدين والسعي في إيذائهما أو إلحاق الضرر بهما وإن أساءا إليكِ، مع بيان عدم جواز ظلم الوالدين للأبناء والبنات على حد سواء، ولذلك أنصحكِ بالصبر على جفاء الوالد وقطيعته لكِ وعدم الرد على رسائلكِ، واحذري أن تعاملي والدكِ بالمثل، فليس هو نداً لكِ، بل أنتِ ابنته والوصل منكِ ابتداءً وانتهاءً.

وأنا مقدر مشكلتكِ، وأعرف ما تعانينه، وهذا ابتلاء من الله تعالى، فقد يبتلي الإنسان بأقرب الناس إليه، ولذلك عليكِ بالصبر الجميل لا سيما مع أبيكِ.

خامساً: ونصيحتي لكِ إن رأيتِ تعنت الوالد وعدم تجاوبه معكِ، فأرى عدم التدخل في علاقته مع الوالدة، حيث إن نصيحتكِ له تزيده عتواً ونفوراً ويتضايق منكِ ويخبركِ بأن ذلك سبب له مرضاً في صحته، فاكتفي بما مضى، ولا تتدخلي في الإصلاح للضرر الحاصل في علاقتكِ مع والدكِ، و {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا}.

وختاماً: أسأل الله أن يبارك في جهودكِ في الإصلاح بين الوالدين، وأن يسعدكِ في الدارين، اللهم آمين.

www.islamweb.net