التوازن بين بر الوالدة، والادخار للمستقبل والزواج

2026-08-06 03:08:05 | إسلام ويب

السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

فضيلة الشيخ، أرجو توضيح الحكم الشرعي في حالتي؛ حتى لا أظلم أمي، ولا أظلم نفسي.

أنا شاب أعمل وأعيش مع أسرتي، وراتبي هو مصدر دخلي الوحيد، ووالدتي تطلب مني تقريبًا نصف راتبي كل شهر، وأنا أدفعه تجنبًا للخلافات.

أنا لا أرفض مساعدة أمي، بل لو كانت محتاجةً فعلًا، وكنت أعيش معها وحدنا، لأعطيتها ما أستطيع عن رضا، لكن المشكلة أن جزءًا من المال يدخل في مصاريف البيت، ويستفيد منه إخوتي أيضًا، مع أنهم لا يساعدون بنفس القدر في نفقات المنزل.

وللعلم، أنا أصغر إخوتي، وأقلهم راتبًا، ومع ذلك فُرض عليَّ دفع نصف راتبي للبيت، وأنا أحتاج إلى جزءٍ من راتبي للمواصلات، والملابس، والعلاج، واحتياجاتي الأساسية، ولا أستطيع توفيرها كاملةً خلال الشهر، كما أنني أريد الادخار للمستقبل والزواج، ولا أملك مسكنًا، أو جهازًا، أو مدخراتٍ كافيةً.

وعندما أحاول الاحتفاظ بجزءٍ من راتبي، أو تقليل المبلغ الذي أدفعه، تحدث خلافات، ويقال لي أحيانًا: «ربنا لن يكرمك وأنت تخفي مالك»، ويقولون: «أعطنا كل مالك حتى يعطيك الله»، بل يُقال لي أحيانًا: إن الله سيضيّق عليَّ إذا لم أعطِ المال.

بناء على ذلك أريد أن أسأل:
• ما الواجب عليَّ شرعًا تجاه أمي من راتبي؟
• وهل يجب عليَّ أن أعطيها نصف راتبي أو كل ما أملك؟
• وهل يجوز لي ادخار جزءٍ من راتبي، لتلبية احتياجاتي والاستعداد للزواج؟
• وهل يجب عليَّ الإنفاق على إخوتي القادرين على الكسب؟
• وهل يجوز لي أن أحدد مبلغًا معينًا أساهم به في مصاريف البيت، مع الاحتفاظ بباقي راتبي؟

أرجو توضيح الحد الشرعي بين بر الوالدين، والنفقة الواجبة، وحق الإنسان في ماله، واحتياجاته، ومستقبله؛ حتى أتصرف بما يرضي الله، دون ظلمٍ لأمي أو لنفسي.

الإجابــة:

بسم الله الرحمن الرحيم.
الأخ الفاضل/ أدهم حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

أهلًا بك في موقعك إسلام ويب، ونسأل الله أن يبارك لك في رزقك، وأن يرزقك برَّ والدتك، وأن يغنيك بحلاله عن حرامه، وبفضله عمَّن سواه، وبعد:

فإن من أجمل ما في رسالتك أنك لم تسأل: كيف أتخلص من الإنفاق على والدتي؟ وإنما سألت: كيف أجمع بين برها، وبين العدل مع نفسي؟ وهذا هو السؤال الصحيح؛ لأن الشريعة لم تأتِ بإهدار حق الوالدين، ولم تأتِ كذلك بإهدار حق الابن.

وأول ما ينبغي أن تعلمه أن بر الوالدين من أعظم القربات، وأن الإنفاق عليهما إذا احتاجا من أفضل أبواب البر، وأنك لن تجد من يحبك، ويرجو صلاحك بلا مقابلٍ مثلهما، لكن مع ذلك فإن البر لا يعني أن يصبح الابن بلا حقٍّ في ماله، ولا أن يحمل وحده ما يجب أن يشترك فيه غيره، ولهذا ينبغي أن نفرق بين عدة أمورٍ:

أولًا: إذا كانت والدتك فقيرةً، ولا تجد ما يكفيها لنفقتها الأساسية، وأنت قادرٌ على الإنفاق عليها، فإن نفقتها واجبةٌ عليك، وعلى إخوتك القادرين، كلٌّ بحسب قدرته، وليس على أصغرهم أو أقلهم دخلًا وحده، فإن أصر أحدهم على الاستئثار بالأجر، وحيازة هذا الفضل، بدفع كل نفقاتها، فهذا شأنٌ عظيمٌ، ونسأل الله له الزيادة والنماء.

ثانيًا: إذا كان المال الذي تدفعه يدخل في مصروفات البيت العامة، ويستفيد منه جميع الإخوة القادرين على الكسب، فلا يجوز شرعًا أن يُحمَّل أحد الأولاد وحده العبء الأكبر دون سببٍ معتبرٍ؛ لأن العدل يقتضي أن يتحمل كل قادرٍ نصيبه بحسب دخله وقدرته.

ثالثًا: لك حقٌّ شرعيٌّ في أن تنفق على نفسك، من طعامك، ولباسك، ومواصلاتك، وعلاجك، وسائر حاجاتك الأساسية، كما أن من حقك أن تدخر من مالك ما يعينك على الزواج؛ فإن الزواج من الحاجات الأصلية التي حثت عليها الشريعة، وليس ترفًا أو رفاهيةً.

ولهذا، فلا يجب عليك -إذا كان في ذلك ضررٌ ظاهرٌ عليك- أن تعطي والدتك جلَّ راتبك لمجرد أنها طلبت ذلك، إلا إذا كنت متبرعًا بذلك عن طيب نفسٍ، لا عن إكراهٍ أو خوفٍ من اللوم.

وأما قول بعض الناس: "أعطِ كل مالك، وسيعوضك الله"، فهذا ليس حكمًا عامًّا لكل أحدٍ، بل الشرع جاء بالتوسط، ونهى عن التبذير، كما نهى عن الشح، ومدح الاعتدال؛ قال تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا}.

وكذلك لا يصح أن يقال لك: "إن الله سيضيّق عليك؛ لأنك ادخرت للزواج"، فهذا الكلام لا نعلم عليه دليلًا، بل قد يكون الادخار في مثل حالك من حسن التدبير، إذا كان بقدر الحاجة، ومن غير بخلٍ ولا تقصيرٍ في الحقوق الواجبة.

ونحن ننصحك بالخطوات العملية الآتية:
• اجلس مع والدتك في وقتٍ هادئٍ، وأخبرها بمحبةٍ أنك لا تريد التقصير في حقها، ولكن راتبك لم يعد يكفي جميع الالتزامات.

• بيّن لها مصروفاتك الحقيقية، من مواصلاتٍ، وعلاجٍ، واحتياجاتٍ أساسيةٍ، وما تحتاج إليه لتكوين نفسك والزواج؛ فإن كثيرًا من الخلاف ينشأ من عدم وضوح الصورة.

• اقترح أن يكون لك مبلغٌ ثابتٌ تشارك به في مصروفات البيت كل شهرٍ، يناسب قدرتك، وتلتزم به؛ حتى تستقر الأمور، ويزول سبب النزاع المتكرر.

• تحدث مع إخوتك القادرين على الكسب؛ فإن نفقة البيت ليست مسؤولية شخصٍ واحدٍ، بل مسؤوليةٌ مشتركةٌ بحسب القدرة.

• إذا كان يصعب عليك فتح هذا الموضوع، فاستعن بشخصٍ حكيمٍ من العائلة، يحبه الجميع، ليبيّن الأمر بهدوءٍ، دون أن يشعر أحدٌ أنك تريد التهرب من البر.

• احرص على ألّا يكون الحديث مع والدتك حديث محاسبةٍ أو مطالبةٍ بالحقوق، بل حديث ابنٍ يريد أن يبرَّ أمه، ويبحث عن طريقةٍ يستطيع أن يستمر عليها دون أن يرهق نفسه.

• وأوصيك أيضًا ألا تجعل الشيطان يستغل هذا الخلاف، فيحوّل برك بوالدتك إلى ضيقٍ في قلبك منها، أو إلى تقصيرٍ في حقها؛ فأعطها من البر، والكلمة الطيبة، والخدمة، والاحترام، ما استطعت؛ فإن البر أوسع من المال.

وفي الوقت نفسه، لا تحمل نفسك ما لا تطيق؛ فإن الله يقول: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا}، والنبي ﷺ قال: «ابْدَأْ بِنَفْسِكَ فَتَصَدَّقْ عَلَيْهَا»، أي: ابدأ بقضاء حاجتك الواجبة، ثم أنفق بعد ذلك على من تلزمك نفقته بحسب ترتيب الحقوق.

فاجمع بين الإحسان إلى والدتك، وحسن التخطيط لمستقبلك، ولا تجعل أحد الأمرين يهدم الآخر؛ فإن الشريعة جاءت بالعدل والرحمة، لا بالغلو والإضرار.

نسأل الله أن يبارك في رزقك، وأن يلين قلب والدتك، وأن يؤلف بينكم، وأن يرزقكم جميعًا السعة في الرزق، والمحبة في القلوب، والله الموفق.

www.islamweb.net