كيف أستعيد حسن ظني بالله وأخرج من حالة اليأس والضيق التي أعيشها؟

2026-08-11 00:24:38 | إسلام ويب

السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

حياتي مضطربة من جوانب كثيرة؛ فقد خسرت وظيفتي منذ خمس سنوات، ومنذ ذلك الوقت لم أعمل، كما أن أهلي يقسون عليَّ كثيرًا، ويعاملونني معاملةً سيئةً، مع أنني على العكس من ذلك تمامًا معهم؛ فأقف إلى جانبهم في كل ما يحتاجون إليه، وخاصةً عندما يمرض أحد منهم.

وأعيش في بيت عائلة مع عمي وأولاده، وللأسف أشعر أنهم يطمعون في نصيبنا، وأنا أواجه ذلك وحدي، وأهلي لا يقفون إلى جانبي، بل أشعر أنهم يحاربونني، وأنا لا أريد أن أُظلم مرةً أخرى؛ فقد تعرضت للظلم كثيرًا في حياتي، وتعبت جدًّا.

كما بدأت حالتي الجسدية تتأثر؛ فأشعر بآلام في جسمي وعظامي، وفقدت بعض وزني، مع أن جسمي ضعيف وقليل الوزن أصلًا، ونومي لا يتجاوز ساعات قليلةً، ومتقطعةً، ومنذ فترة كنتُ أشعر بألم شديد عندما أبدأ في الصلاة، وأصبحتُ دائمًا أشعر بالخوف والقلق والتوتر، وأترقب حدوث الأسوأ، وللأسف أشعر أن حياتي تنتقل من سيئ إلى أسوأ.

دعوتُ الله أن يحييني ما دامت الحياة خيرًا لي، وأن يتوفاني إذا كانت الوفاة خيرًا لي، وكنتُ في السابق أشعر بأنني أقرب إلى الله ممَّا أنا عليه الآن، وللأسف عندما أجلس مع نفسي تأتيني أفكار سلبية، فأقول: إن الله لم يكتب لي أن أفرح، ولا يريد أن يعطيني شيئًا، وإنه يكرهني، مع أنني أرى أناسًا أسوأ مني حالًا وأفعالًا، ومع ذلك أراهم في نعم وخير.

وأحيانًا، عندما أدعو الله، أقول في نفسي: لقد دعوت كثيرًا من قبل ولم أرَ استجابةً لما أريده، وأشعر أنني مبتلى في كل شيء، حتى في علاقتي بأهلي، وعندما أجد فرصة عمل، أشعر أحيانًا بأنها تحتاج إلى إمكانات أكبر ممَّا لدي، فأخاف من التقدم إليها، وأحيانًا أتقدم إلى وظائف ولا يرد عليَّ أحد.

أرى الناس من حولي تتقدم حياتهم، بينما أشعر أن حياتي ومستقبلي يتأخران، ولا أعرف إلى أين ستصل بي هذه الحال، ولم يكن هذا ظني ولا رجائي في الله، وقد وصلت بي شدة الضيق في بعض الأوقات إلى أفكار مؤذية ومقلقة أخشى معها على نفسي، وأشعر باليأس من الدنيا والآخرة.

ومع ذلك، فأنا أصلي وأصوم، ونادرًا ما يفوتني فرض أو أتأخر عنه، وأحاول التقرب إلى الله، وأعمل ابتغاء مرضاته ومحبته، ولم أتعمد يومًا الاعتداء على حق أحد، أو ظلم أحد، أو جرحه بكلمة، نعم أقع في الذنوب والمعاصي، لكنني -والحمد لله- أتوب، وأحاول الابتعاد عنها.

كنتُ أستمع إلى الشيوخ والدروس، وأسمع أن من يقف على باب الله ويسأله فإنه سبحانه كريم، وأن الإنسان ينبغي أن يسأل الله أمور دنياه؛ فمن لنا غيره؟ وخاصةً من كان في مثل حالي، فلا قريب يقف إلى جانبي، ولا صديق، ولا أحد يمد إليَّ يده ليساعدني على الخروج مما أنا فيه، بل أشعر حتى أن أهلي وأقارب أمي وأبي يقفون ضدي.

أعلم أننا ينبغي أن نسأل الله الرزق الحلال، وأن نصبر ونبتعد عن الحرام، لكن شدة ما أمر به جعلني في بعض الفترات أفكر في ترك بعض الطاعات والوقوع في المعاصي، بسبب ما أراه، من أن بعض من يفعلون ذلك يعيشون في سعة وراحة، مع أنني أعلم أن فضل الله ورحمته لا ينالهما الإنسان بمجرد عمله.

فكيف أتعامل مع هذه الأفكار والمشاعر؟ وكيف أستعيد حسن ظني بالله وأخرج من حالة اليأس والضيق التي أعيشها؟


الإجابــة:

بسم الله الرحمن الرحيم.
الأخ الفاضل/ أحمد حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

قرأتُ رسالتك أكثر من مرة، وحاولتُ الغوص فيما وراء كلماتك، لما رأيتُ من عمق شكواك وشعورك بالأسى، وحتى يكون لكلامي أثرٌ حقيقيٌّ، فأنا مضطرٌّ أن أكون صريحًا معك، حتى وإن كان في هذه الصراحة ما يزعجك، فأرجو منك المعذرة.

أخي الكريم: في كل سطر من سطور رسالتك التي تفضلتَ بها شعورٌ بالمظلومية من كل من حولك؛ والدك، ووالدتك، وأهلك، وعمك، وأولاده، هذا الشعور بالمظلومية الذي جعلتَ فيه الآخرين مسؤولين عن رداءة حالك، وأنهم متواطئون على التنكر لمجهوداتك، بينما هم يقدرون من لا يبذل مثل ما تبذل! ثم امتدت حالة التسخط والتشكي من كل من حولك، لتصل إلى التشكي من أقدار الله عليك، واستهجانها واستغرابها، وأن الله يكرم ويعطي من يعصيه، ولا يكرم من يطيعه بالصلاة والصيام؟!

أخي الكريم: من هنا نقطة البدء، أعني من مراجعة هذه الحالة التي تشعر فيها أنك البريء المستحق لكل خير وسعة، وأن الآخرين هم المخطئون دومًا في تقديرك وإكرامك! ولتفصيل الإجابة إليك هذه النقاط:
• قد نجد أحيانًا ممن حولنا ضيقًا وعدم تفهم، وربما يقع الظلم علينا من بعضهم، ولكن هذا لن ينفي أن المسؤولية في إنقاذ أنفسنا تقع علينا نحن، وليس على الآخرين.

• لا تظن أن الناجحين لا يواجهون عقبات متعددة من القريب والبعيد، ولكننا في هذه الحياة نجتهد قدر طاقتنا في تجاوز عقباتها، إلى أن نلقى الله، وكلما تجاوزنا عقبةً ارتفع سقف قدرتنا وقوتنا، وكلما استسلمنا لعقبةٍ زاد ضعفنا وهمنا.

• شيء من المراجعة للنفس من المهم القيام به، اسأل نفسك: ما الشيء الذي يجعل أقرب الناس لي بعيدين عني، وغير مقدرين لي؟ لماذا لا يكونون عونًا لي؟ لا بد أن هناك خطأً ما من طرفي.

أمَّا تمني الموت والتفكير في الانتحار، فهو -لا شك- نتيجة طبيعية لحالة الفراغ والإحباط التي تمر بها، ولكن هل هو فعلاً حل؟! لو كان الانتحار ينهي أحزاننا وهمومنا لقتل الكثير من الناس أنفسهم، إن الانتحار هو حكم الإنسان على نفسه بعذابه المستمر بنفس الطريقة التي أنهى بها حياته! إنه المزيد من الشقاء في الآخرة فوق شقاء الدنيا.

أما علاقتك بالله عز وجل، وهي الأهم بين كل ما سبق؛ فإن عتبًا كبيرًا يقع عليك -أخي الكريم- في هذا الجانب، علاقتنا مع الله لا تبنى على المساءلة وإنما على التسليم، فنحن لا نسأل الله: لماذا فعلتَ بي كذا؟ لماذا حرمتني وأعطيتَ غيري؟ لماذا أدعوك ولا تستجيب لي؟ وإنما تقوم على التسليم التام له سبحانه وتعالى، والرضا بأقداره.

راجع ما كتبته في سؤالك، وتفكر بعمق: هل يليق هذا الكلام في حق الله سبحانه وتعالى؟! وهل يتوقع الواحد مِنَّا أن يعيش في هذه الحياة بلا تحديات أو عقبات أو هموم أو ابتلاءات؟! كيف يثبت أن فلانًا صادق في إيمانه وتسليمه لربه، أم أنه كاذب منافق إلَّا الابتلاء؟! قال تعالى: {الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ} [العنكبوت: 1-3] وما الذي يدخلنا الجنة بعد رحمة الله تعالى إلَّا ثباتنا على ألوان البلاء المختلفة؟! قال تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم ۖ مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّىٰ يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ ۗ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ} [البقرة: 214].

أخي الكريم: قانون الابتلاء في الدنيا قانون "عكسي" يبتلي الله فيه الأحب له بالمصائب الأكبر، قال -عليه الصلاة والسلام-: «أَشَدُّ النَّاسِ بَلَاءً الْأَنْبِيَاءُ ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ» (رواه الترمذي وأحمد) وعن عبد الله -رضي الله عنه- قال: «دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يُوعَكُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّكَ لَتُوعَكُ وَعْكًا شَدِيدًا، قَالَ: أَجَلْ، إِنِّي أُوعَكُ كَمَا يُوعَكُ رَجُلَانِ مِنْكُمْ، قُلْتُ: ذَلِكَ أَنَّ لَكَ أَجْرَيْنِ؟ قَالَ: أَجَلْ، ذَلِكَ كَذَلِكَ، مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُصِيبُهُ أَذًى، شَوْكَةٌ فَمَا فَوْقَهَا، إِلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا سَيِّئَاتِهِ، كَمَا تَحُطُّ الشَّجَرَةُ وَرَقَهَا» (أخرجه البخاري).

والسبب في هذا القانون العكسي أن البلاء في ميزان الله -سبحانه وتعالى- هو فرصة لمضاعفة الأجور وتكفير السيئات، فالمعيار هو معيار أخروي، ليس للدنيا فيه أي حساب، قال -عليه الصلاة والسلام-: «مَا يَزَالُ الْبَلَاءُ بِالْمُؤْمِنِ وَالْمُؤْمِنَةِ فِي نَفْسِهِ وَوَلَدِهِ وَمَالِهِ حَتَّى يَلْقَى اللَّهَ وَمَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ» (رواه أحمد) بل من غرائب ما جاء عن المصطفى ﷺ قوله: «إِنَّ الرَّجُلَ لَيَكُونُ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ الْمَنْزِلَةُ مَا يَبْلُغُهَا بِعَمَلِهِ، فَمَا يَزَالُ يَبْتَلِيهِ بِمَا يَكْرَهُ حَتَّى يُبْلِغَهُ إِيَّاهَا» (رواه أبو داود).

ولو أخذنا بنفس تفكيرك، بأن الله إذا ابتلى عبداً فمعنى ذلك أنه لا يحبه، لقلنا إن الله لا يحب أنبياءه، وهم صفوة الخلق، ومع ذلك ابتلاهم بأصناف البلاءات، يوسف سجن ظلماً بضع سنين، وأيوب ابتلي بالفقر والمرض حتى هجره أكثر الناس، ومحمد صلى الله عليه وسلم ابتلي بأذى قومه، حتى أخرجوه من أحب البلاد إليه، ويعقوب ابتلي بفقد ابنه سنين طويلة، ومع ذلك تراه يقول: {إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [يوسف: 86].

أخي الكريم: إن هذه النظرة إلى البلاء بهذا الشكل كفيلة بأن تجعلك تعيد حساباتك، وتوقن بأن ما تشتكي منه اليوم من أشكال البلاء هو ما تتمنى أنه كان أكثر شدة بعد أن ترى عظيم أجره يوم القيامة؛ فالله سبحانه هو المدبر لشؤون الكون؛ يعطي ويمنع، يقبض ويبسط، يعز ويذل، وهو العليم الحكيم، نتلقى كل أقداره بالقبول، والرضا، والتسليم التام؛ {لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} [الأنبياء: 23]، فنحن لسنا إلا عبيدًا في ملكوت الله، تجري علينا أقداره، عباداتنا له هي محصلة عبوديتنا له، فلا نمتن على الله بعبادة أيًّا كانت، ولا نستكثر في جنابه صلاةً، أو صيامًا، أو سواه، بل إن توفيقنا للعبادة هو محض فضل من الله، ونعمة أخرى من نعم الله.

أخي الكريم: في سورة الفاتحة التي نقرأها عشرات المرات يوميًّا نكرر فيها: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} [الفاتحة: 6]، فما يوفقنا له الله من الهداية وأنواع العبادة، هو من أعظم نعم الله علينا التي تحتاج إلى مزيد من الشكر، وعندما رأت عائشة -رضي الله عنها- من شدة عبادة المصطفى ما رأت، سألته: يا رسول الله، أولم يغفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟! فكانت إجابته -عليه الصلاة والسلام-: «أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا» (رواه البخاري ومسلم).

هذه هي العبودية، يقدم فيها المسلم العبادة وهو ممتلئ بالامتنان لله أن وفقه لها، وممتلئ بالخوف من الله أن لا يقبلها منه!! فأين الذين يمنون على الله بركعاتهم وصدقاتهم؟! قال تعالى: {يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا ۖ قُل لَّا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُم ۖ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} [الحجرات: 17].

وختامًا أخي الكريم: شيء من مراجعة ذاتك، وتحملك لمسؤولية أخطائك، مع تصحيح نظرتك حول مفهوم العبودية لله، ومفهوم الابتلاء، مع تنمية مهاراتك الحياتية، والبحث عن الأبواب المفتوحة، وتجاوز الأصوات المحبطة من حولك، والبحث عن نقطة قوة لديك تكون نقطة انطلاق جديدة؛ كل هذا سيكون عونًا لك بحوله تعالى على الخروج مما أنت فيه.

فرج الله همك، وفتح لك أبواب كل خير.

www.islamweb.net