هل مرض ابنتي وتأخر نموها يمكن أن يكون بسبب السحر؟
2026-09-02 23:52:42 | إسلام ويب
السؤال:
السلام عليكم.
لدي ثلاثة أطفال؛ وُلدت طفلتي الأولى عبر تقنية أطفال الأنابيب، بعد انتظار دام 5 سنوات، وجاء طفلي الثاني دون أي علاج طبي، فكان هبةً من رب العالمين بعد سنتين من ولادة الطفلة الأولى، وكلاهما ينعم بالصحة والعافية -بفضل الله-، ولم يعانيا عند الولادة من أي مشكلات صحية، سوى نقصان في الوزن.
بعد ثماني سنوات من الحمل الثاني، ورغبةً من زوجي في الإنجاب، حاولنا إجراء التلقيح الاصطناعي ولكن المحاولة لم تنجح، ثم تفاجأت بعد شهرين من العملية بحصول حمل طبيعي، وكانت مفاجأة سارة للغاية، وطوال فترة الحمل، كانت الطبيبة تخبرني بأن حجم الجنين صغير، دون أن تحدد ما إذا كان يعاني من مشكلة صحية معينة، ثم تعرضت لولادة مبكرة في الشهر الثامن، ووُلدت طفلتي وهي تعاني من صعوبة في الرضاعة الطبيعية، ومن هنا بدأت المعاناة؛ إذ اكتشفنا -بعد رحلة مضنية مع المواعيد الطبية- أنها تعاني من فتحات في القلب، الأمر الذي استدعى خضوعها لعمليتين جراحيتين في القلب، وتركيب أنبوب تغذية أنفي جرى تحويله لاحقاً إلى البطن.
لا أريد الإطالة في تفاصيل المعاناة الطبية، ولكن ابنتي تبلغ الآن من العمر 7 سنوات؛ لا تتكلم، ولا تتناول أي طعام عن طريق الفم، بل تعتمد كلياً على أنبوب التغذية البطني، باستثناء شرب الماء الذي تتناوله بطريقة طبيعية، كما أنها تعاني من ضعف في العضلات، وتأخر نمائي، ورغم أنها في السابعة من عمرها، إلا أن بنيتها تبدو كبنية طفلة في الرابعة.
أنا إنسانة صابرة ومؤمنة بقضاء الله، ولكن هذا الابتلاء صعب جدًا؛ فنحن نعيش في بلد أجنبي، وقد صبرت طويلاً على الحمل، وعانيت كثيراً في الولادة، لا سيما بعد إصابتي بنزيف حاد بعدها، ومع اجتماع كل هذه الأحداث ثار في نفسي ظنٌّ بأن هناك عملاً أو سحراً صُنع لي أو لابنتي؛ إذ يعجز عقلي عن استيعاب كيف يمكن لإنسان أن يعيش ويتحرك دون أن يأكل من فمه؟!
ابنتي تذهب إلى المدرسة، وتتلقى هناك الدعم اللازم، وأنا لا أقصّر في رعايتها أبداً، غير أن ثقل الابتلاء يدفعني دائماً للتساؤل: لماذا لم يكن حملي سهلاً؛ وأنا التي لطالما أحببت الأطفال وتمنيتهم؟ كما أن وجود طفل من ذوي الاحتياجات الخاصة يعيد إلى ذهني فكرة السحر والأعمال المؤذية.
يقول الأطباء: إن هناك احتمالاً لوجود طفرة جينية غير معروفة؛ لأننا أجرينا الفحوصات والتحاليل كافة، ولم نصل إلى سبب محدد، وهي تفهم الكثير مما نقوله، لكنها لا تتكلم، وقد سعينا لإلحاقها بجلسات علاج النطق، ولكن دون جدوى، فماذا عساي أن أفعل؟
حاليًا أمر بحالة نفسية ليست جيدة، وأتابع مع أخصائية نفسية؛ رغبةً مني في العناية بأولادي وزوجي في الغربة على أكمل وجه.
أرجو منكم إرشادي ونصحي، والدعاء لي، وجزاكم الله خيراً.
الإجابــة:
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ أم يوسف حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
نرحب بك -أختنا الفاضلة- عبر استشارات إسلام ويب، ونشكرك على تقديرك لهذا الموقع، داعين الله تعالى القبول منا جميعًا.
أختي الفاضلة: أنا أتفهم مقدار الألم في هذه الرحلة التي عشتموها؛ سواء من صعوبة الإنجاب، وأن الطفل الأول كان طفل أنابيب، ثم الحمل الطبيعي بعد ذلك، ثم الطفلة الثالثة، وما عانيتِ منه، أعانك الله، وثوابك عظيم عند الله عز وجل، في صبرك، ورعايتك لأسرتك، وأطفالك، وخاصة هذه الفتاة الثالثة.
أختي الفاضلة: لا أعتقد أن الموضوع موضوع عين، أو سحر، أو مس، وإن ما تعاني منه ابنتك في الغالب لأسباب عضوية؛ بسبب وجود مشكلة ما في حصول الحمل أصلًا، ثم تطور الجنين، ومن بعده الولادة المبكرة؛ فيغلب على ظني أن ابنتك -أو طفلتك- تعاني من أذية دماغية، وهذا يظهر من خلال الأمور الأخرى التي تعاني منها.
الجيد -أختي الفاضلة- أمران:
• الأمر الأول: رعايتك لها، وحرصك على راحتها.
• الأمر الثاني: أنكم في بلدٍ يقدم الخدمات الطبية المناسبة، والدعم المناسب في المدرسة وغيرها، ليس ككثيرٍ من بلاد العرب والمسلمين؛ حيث تنعدم -مع الأسف- أو تضعف مثل هذه الخدمات، فنحمد الله تعالى على ذلك.
لا بد من تعاون زوجك معك في هذا الموضوع؛ لأن هذه المعاناة تضع ضغوطًا كثيرةً على الأسرة كلها، إلَّا أن رعاية الله، ولطفه، تعين على تجاوز مثل هذه الابتلاءات.
واضح -أختي الفاضلة- أنه بالرغم من هذه المعاناة، أنك تعملين مساعدةً طبية، فبارك الله فيك، وأعانك على ما تقدمين.
وأريد أن أخبرك -أختي الفاضلة- بأن هناك في هذه الحياة أمورًا لنا سيطرة عليها؛ وهذه يفيد أن نعمل عليها، ونفكر فيها، وهناك أمور خارج إرادتنا وسيطرتنا؛ فلا نضيّع الوقت كثيرًا في التفكير فيها.
ولأشرح هذا: أذكر لك ما عانيناه وقت جائحة كورونا، وانتشار المرض بشكل واسع، وإلى آخره، فهذا ليس بأيدينا، فلا نضيّع وقتنا فيه، ولكن ما يمكن أن نفعله في ذلك الحين، أن نغسل أيدينا، ونضع الكمامة على الوجه، إلى آخره، وفي مثل حالتكِ مع ابنتك، هناك أمور يمكنك أن تقومي بها، وأنت لا تقصّرين فيها، أما بقية الأمور فبيد الله عز وجل.
أسأل الله تعالى لك ولزوجك ولأطفالكما الصحة والعافية، وأن يجزيكما خير الجزاء على ما تقدمان.
_______________________________________
انتهت إجابة الدكتور/ مأمون مبيض -استشاري الطب النفسي-
وتليها إجابة الشيخ الدكتور/ أحمد المحمدي -مستشار اجتماعي وتربوي-.
_______________________________________
أهلًا بك في موقعك إسلام ويب، ونسأل الله أن يربط على قلبك، ويبارك لك في ابنتك وأولادك، ويجعل ما بذلتِ من صبر ورعاية في ميزان حسناتك، وأن يلبس ابنتك ثوب العافية، ويقر عينك بصلاحها وتحسنها.
وقد أحسن الدكتور مأمون مبيض -حفظه الله- في إجابته، وأفادك بجملة من التوجيهات النفسية والطبية المهمة، ولا سيما ما ذكره من ضرورة الاستمرار في رعاية ابنتك، والاستفادة من الخدمات الطبية، والتأهيلية المتاحة، والتفريق بين الأمور التي يمكنك العمل عليها، والأمور الخارجة عن إرادتك وسيطرتك، ونحن نؤكد ما تفضل به، ونضيف إليه بعض التوجيهات من الجانب الشرعي؛ حتى تكتمل لك جوانب الإجابة -بإذن الله تعالى-.
فقد قرأنا رسالتك بما فيها من سنوات طويلة من الانتظار، والحمل الصعب، والولادة المبكرة، والعمليات، ورحلة العلاج والرعاية اليومية، ومن الطبيعي أن يبحث الإنسان عن جواب لسؤال: لماذا حدث كل هذا؟ لكننا نريد أن نساعدكِ على وضع المسألة في ميزانها الصحيح، فانتبهي لما يأتي:
• أولًا: لا يوجد فيما ذكرتِ ما يثبت أن ما أصابك أو أصاب ابنتك كان بسبب سحر أو عمل، ومع أننا نؤمن بأن السحر حق، فإنه لا يجوز أن نجعل كل مرض مجهول السبب دليلًا عليه؛ فعدم معرفة الأطباء للسبب لا يعني أن السبب سحر، كما أن غرابة حالة ابنتك بالنسبة إليك لا تجعلها دليلًا على ذلك.
وقد يكون هناك احتمال لسبب جيني لم يظهر حتى الآن، وقد يبقى السبب غير معروف؛ أي: إن الأمر ينبغي أن يبقى في دائرة البحث والأسباب التي قدَّرها الله، لا أن ننقله بلا دليل إلى الجزم بالسحر.
• ثانيًا: لا تربطي شدة الابتلاء بمحبة الله لك، أو غضبه عليك، ولا تقولي: أنا أحب الأطفال، فلماذا ابتُليت في أطفالي؟ فإن الله لم يجعل الدنيا دارًا يأخذ فيها كل إنسان ما أحب على الصورة التي أحبها، بل هي دار اختبار؛ فقد قال تعالى: {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} [الملك: 2] والأنبياء -وهم أحب الخلق إلى الله- أصابتهم الأمراض، وفقدوا الأحبة، وتأخر عن بعضهم الولد، وذاقوا من ألوان البلاء ما ذاقوا؛ فالابتلاء لا يعني أنك فعلت شيئًا استحققت به ما حدث، ولا يعني أن الله حرمك رحمته.
• ثالثًا: قد يكون من أشق ما في ابتلائكِ أنكِ لا تجدين جوابًا واضحًا عن سؤال: «لماذا؟»، لكن الإيمان بالقدر يعلمنا أن معرفتنا بالسبب ليست شرطًا لوجود السكينة؛ فنحن نبحث عن الأسباب، ونعالج، ونسأل المختصين، لكن إذا انتهى علمنا فزعنا إلى قول الله تعالى: {وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 216] ثم إننا قد نعرف الحكمة بعد سنوات، وقد لا نعرفها في الدنيا أبدًا، ويبقى يقيننا بأن أقدار الله لا تخرج عن علمه وحكمته ورحمته.
• رابعًا: انظري إلى ابنتكِ بطريقة أخرى أيضًا؛ فهي ليست مجموعة أمراض، ولا مجرد «طفلة لا تأكل ولا تتكلم»، وإنما هي ابنتكِ التي تفهم كثيرًا مما تقولون، وتمشي، وتتحرك، وتشرب، وتذهب إلى المدرسة، وتتلقى الدعم، ولها شخصيتها، ومشاعرها.
لذلك، لا تجعلي ما فقدته من القدرات يحجب عنك ما أعطاها الله منها، وما دامت تفهم كثيرًا، فهذا باب كبير للتواصل معها، ولو لم يكن بالكلام الذي تتمنينه الآن.
• خامسًا: استمروا في الأخذ بالأسباب، ولا تيأسوا لأن محاولة سابقة لم تحقق النتيجة المرجوة، وتابعوا مع الجهات المختصة بحالتها، وما تحتاج إليه، بحسب ما يراه المختصون، ولكن لا تجعلي حياتكِ معلقة على العثور على اسم للسبب؛ فمعرفة السبب مهمة، إلا أن رعاية ابنتك، وتلبية ما تحتاج إليه اليوم أهم.
• سادسًا: الرقية الشرعية أمر محمود، فلا حرج في أن ترقي ابنتك ونفسك، فالقرآن شفاء ورحمة، والرقية مشروعة، لا لأنك حكمت عليها بأنها مسحورة، اقرئي عليها الفاتحة، وآية الكرسي، وسور الإخلاص والفلق والناس، والأدعية النبوية في الاستشفاء، مع المحافظة على أذكار الصباح والمساء.
واجعلي ذلك عبادة هادئة تبعث في البيت السكينة، لا برنامجًا لمراقبة ابنتك، وانتظار ظهور علامات السحر عليها، وإن استطعت الذهاب لأداء العمرة، والشرب من ماء زمزم بنية الشفاء؛ فذلك فيه خير كثير، وأكثري من دعاء النبي ﷺ: «أَذْهِبِ الْبَأْسَ رَبَّ النَّاسِ، اشْفِ وَأَنْتَ الشَّافِي، لَا شِفَاءَ إِلَّا شِفَاؤُكَ، شِفَاءً لَا يُغَادِرُ سَقَمًا».
• سابعًا: احذري من الدخول في رحلة مع الرقاة؛ بحثًا عمن يخبرك بمن سحرك، ومن فعل ذلك، ومتى وقع؛ فقد ينتقل الإنسان من ألم المرض إلى الشك في الأقارب والناس، ثم يصبح كل موقف قديم دليلًا عنده على السحر.
ولا تثقي بمن يدّعي معرفة الفاعل، أو يطلب اسم الأم، أو الصور، أو الآثار، أو يستعمل الطلاسم والأمور المجهولة، وإن أردتم الرقية، فالرّقية الشرعية تستطيعين القيام بها بنفسك لابنتك.
• ثامنًا: لا تلومي نفسك؛ فلقد فعلت ما تستطيعه الأم: حملت، وصبرت على الولادة والنزيف، ورافقتِ ابنتك خلال عمليتين في القلب، وتحملت أنبوب التغذية، والمواعيد، والعلاج، وما زلت تسعين في تعليمها وتأهيلها، وفي الوقت نفسه تحاولين القيام بحق زوجك وبقية أولادك، فلا تحولي سؤال: «لماذا حدث هذا؟» إلى محاكمة مستمرة لنفسك.
ونحب أيضًا أن تستمري في الاستعانة بمن يساعدك على تحمل هذا العبء؛ لأن الأم التي ترعى طفلة تحتاج إلى هذه الدرجة من العناية تحتاج هي الأخرى إلى من يعينها.
وبناءً على ذلك، لا تجعلي العناية بنفسك أمرًا تشعرين بالذنب تجاهه؛ فاستقرارك، وقوتك، من أعظم ما يعينك على رعاية ابنتك، وبقيّة أسرتك.
وأخيرًا: لا تجعلي أملك كله معلقًا على صورة واحدة للشفاء؛ وهي أن تتكلم ابنتك، وتأكل كما يأكل بقية الأطفال، ثم تشعرين أن كل يوم لا يحدث فيه ذلك يوم ضائع، بل ادعي الله بالشفاء الكامل، ولا تيأسي من رحمته. وفي الوقت نفسه، افرحي بكل تقدم صغير يفتحه الله عليها: كلمة، أو إشارة جديدة، أو قدرة أفضل على التواصل، أو حركة، أو استقلال في أمر من أمورها؛ فقد تأتي الفتوحات في حياة هذه الطفلة على هيئة خطوات صغيرة، لكنها عند أم انتظرتها سنوات نعم عظيمة.
نسأل الله رب العرش العظيم أن يشفي ابنتك شفاءً تامًا، وأن يفتح لها أبواب الفهم والتواصل، والنطق والعافية، وأن يبارك في جسدها، وعقلها، وعمرها، وأن يجعلها قرة عين لك ولأبيها، وأن يعوضك عن كل ليلة بكيت فيها، وكل ساعة تعبت فيها، أجرًا وسكينة ورضًا، وأن يرزقك قوة لا تقسو معها نفسك، وصبرًا لا ينقطع معه الرجاء، وأن يحفظ لك أولادك وزوجك، ويجمع لكم خير الدنيا والآخرة، والله الموفق.