بين أذى الأب ويأس الابنة..معاناة أسرة في ظل زوج نرجسي

2026-08-20 03:43:20 | إسلام ويب

السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أنا فتاة عمري 25 عامًا، أعاني أنا وأمي وأخي من نرجسية والدي، لكن أكثر ما يؤلمني هو الأذى النفسي والجسدي الذي تتعرض له أمي باستمرار.

أمي إنسانة فاضلة، تجلس في البيت أغلب الوقت، وطوال حياتها كانت منشغلة بتربيتنا وتعليمنا وحفظ القرآن، وهي كثيرة الدعاء، خصوصًا في مواطن الإجابة، لكن أبواب الدنيا تبدو منغلقةً أمامها؛ فوضعنا المادي صعب، ووالدي دائمًا ما يُؤذيها نفسيًا بالسبِّ والشتم، وكان يضربها في السابق، كما أنه يُلقي عليها اللوم في كل شيء، ويختلق المشكلات لأتفه الأسباب.

وهو بخيل عليها، ويستكثر عليها كل شيء، ولا يرتاح حتى يراها متضايقةً ومتوترةً، وبعد كل ذلك يقول لها إنها ناقصة الأنوثة، ولا يُعجبه شيء، رغم أنه السبب في ضيقها وحزنها المزمن، وحتى مشكلاتها الصحية؛ فهي تعاني من آلام مزمنة، وقد وصل به الغرور إلى أن قال: "إنه متفضل عليها ببقائه معها، وإن تركها فهناك ألف امرأة تتمناه".

وأنا -بصراحة-أعتقد منذ مدة أن الطلاق هو الحل مع شخصية كهذه، لكن أمي تظنُّ أنها تحافظ على بيتها بهذه الطريقة، وتقول إنها حتى لو فكرت في الانفصال، فإنها لا تملك شيئًا؛ فليس لديها بيت، ولا مال، ولا سند.

فهل من الخطأ أن أقول لها: توكلي على الله، فقد يفتح الله لك أبوابًا لا تتوقعينها إذا طُلِّقتِ؟ فهي غير مقتنعة بذلك.

أمَّا المشكلة الأخرى فهي أنني -غفر الله لي- وصلتُ إلى أعلى درجات اليأس، وأعلم أن لله حكمةً في كل شيء، لكن الشيطان يوسوس لي، ويجعلني أشعر بالحيرة واليأس، ولا أستطيع فهم سبب استمرار هذا الضرر والضيق الواقع على أمي، مع أنها تدعو باستمرار، وتحرص على الأعمال الصالحة.

فهل هذا هو النصيب الذي كُتب لها ولي في هذه الدنيا، أم أن هناك سببًا يحول دون الفرج، ونحن مقصرون في الأخذ به؟

أنا متعبة جدًّا، وقلبي مكسور، ولا أستطيع تقبل فكرة أننا سنبقى على هذه الحال، فهل هذا الشعور يُعد من عدم الرضا بقضاء الله؟

الإجابــة:

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ ل م، حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

حياكِ الله -أختي الكريمة- في موقعكِ إسلام ويب، ونشكر لكِ اهتمامكِ بوالدتكِ وحرصكِ على ما فيه صلاحها واستقرار أسرتكِ، ونسأل الله أن يصلح حال والدكِ، وأن يؤلف بين القلوب، ويجعل بيتكم عامرًا بالسكينة والمودة والرحمة، وأن يحفظ والدتكِ، ويجبر خاطرها، ويخفف عنها ما تجد من أذى وضيق، وأن يستجيب دعاءها، ويكتب لها ولكم الخير حيث كان، ويرزقكم الصبر والحكمة وحسن التوكل عليه.

أختي الكريمة، احتوت استشارتكِ على جانبين مهمين: نرجسية والدكِ ومعاناة والدتكِ، والبحث عن حل في علاقتها معه، ومسألة استبطاء إجابة الدعاء، رغم صلاح والدتكِ وإلحاحها بالدعاء منذ زمن.

أختي الكريمة، سأفترض دقة توصيفكِ لواقع والدكِ ووالدتكِ، وسأجيبكِ بناءً عليه، ولكني أريدكِ أن تفترضي أن هناك مساحة من الخطأ محتملة في توصيفكِ لهذا الواقع، بحيث تعيدين التأمل العميق فيه.

أولًا: فيما يخص والدكِ ووالدتكِ:
ما يصح انتهاءً لا يصح ابتداءً، بمعنى أن ما كان يمكن فعله في بدايات الأمور قد لا يناسب فعله في نهايتها، فلو أن أمكِ حديثة الزواج بأبيكِ، وكان يتمتع بهذه الشخصية النرجسية المحتقرة لها، والمتفضلة عليها، والمؤذية لها على الدوام نفسيًا وجسميًا، فإنني حينها سأجعل الطلاق أحد الحلول التي سأنصح بها أمكِ، بعد أن تعجز عن الحلول العلاجية الممكنة قبل ذلك.

ولكن بعد قرابة الثلاثين سنة من الزواج، فإن خيار الفراق بينهما يصبح خيارًا غير منصوح به فيما يظهر لي، إلَّا في حالة واحدة، وهي أن يكون في استمرار الزواج أذى نفسي كبير لأمكِ، من الممكن أن يؤثر عليها نفسيًا أو صحيًا، والسبب في هذا الرأي هو أني أفترض أن قدرة الوالدة على التعايش مع شخصية الوالد، بعد ثلاثين سنة من الزواج، في الغالب تكون أعلى، هذا من جهة، ومن جهة أخرى: فرص تأسيسها لأسرة جديدة أو زواج جديد هي أيضًا ضعيفة جدًا؛ مما يعني أن الطلاق سيجعلها أمام مرحلة جديدة مزعجة لها.

وعلى كل حال، في أمور الزواج والطلاق يكون الصواب هو ما يقتنع المستشير نفسه أنه صواب، بمعنى أن قدرة الإنسان على العيش مع فلان أو لا، والصبر على المشاكل الفلانية أو لا، هي قضايا نسبية ومختلفة، ولا يحددها إلا صاحب الشأن نفسه.

كما أن الوقت غالبًا هو في صالح أمكِ، فاستقلالية المرأة عن الرجل ترتفع كلما كبرا في السن، ذلك أن وجود أبنائها، وقدرتهم على رعايتها والنفقة عليها، يضعف أدوار الأب التحكمية، ويخفف من شدته النفسية عليها، فهي مع أبنائها الكبار تنتقل من حالة الضعف إلى القوة.

ثانيًا: بالنسبة للدعاء واستبطاء الإجابة وسوء الواقع المزمن:
اعلمي -أختي الكريمة- أن الله تعالى لم يجعل هذه الدنيا موطنًا لتحقيق جميع الآمال، ومن أعظم حِكَم الدعاء وغاياته أن يستشعر العبد عبوديته لله -سبحانه وتعالى- وافتقاره إليه، كما قال ﷺ: «الدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادَةُ»، فالدعاء في ذاته عبادة، سواء تحققت الإجابة على الصورة التي يرجوها العبد أم لم تتحقق، ولذلك فنحن حين ندعو الله نكون رابحين بما نتقرب به إليه من عبادة، وأمَّا ما يتحقق من دعائنا أو لا يتحقق على الوجه الذي نرجوه، فأمره إلى الله تعالى، يُقدِّره بحكمته وعلمه.

فالله تعالى لم يجعل الدنيا منتهى آمالنا، ولم يجعل ما يحصل لنا فيها نهائيًا ولا دليلًا على سعادتنا أو شقائنا، وإنما هي مرحلة عابرة، وقد يكون حجم ما نعانيه فيها من مآسٍ وآلام متناسبًا تناسبًا عكسيًا مع ما سنلاقيه من سعادة وسعة في الآخرة، إذا صبرنا ونجحنا في تجاوز هذه الابتلاءات كما يحب الله، ولذلك كان الأنبياء هم الأشد بلاءً، ثم الأمثل فالأمثل.

والدعاء -كما تعلمين أختي الكريمة- لا يضيع عند الله، فإمَّا أن يستجيب الله للعبد ما دعا به في الدنيا، وإمَّا أن يُدَّخر له من الخير والثواب في الآخرة بمثل ما دعا به وزيادة، فإن ما عند الله محفوظ لا يضيع منه شيء، فقد قال النبي ﷺ: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَدْعُو بِدَعْوَةٍ لَيْسَ فِيهَا إِثْمٌ، وَلَا قَطِيعَةُ رَحِمٍ، إِلَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ بِهَا إِحْدَى ثَلَاثٍ: إِمَّا أَنْ تُعَجَّلَ لَهُ دَعْوَتُهُ، وَإِمَّا أَنْ يَدَّخِرَهَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ، وَإِمَّا أَنْ يَصْرِفَ عَنْهُ مِنَ السُّوءِ مِثْلَهَا»، قالوا: إذًا نكثر، قال: «اللَّهُ أَكْثَرُ».

ولا تجعلي الشيطان يصيبكِ بشيء من الحزن أو الشك، بل سلمي له سبحانه بالرضا عن قضائه، ولكنه الرضا المقرون بالعمل والسعي لتحسين ما تعانين منه، فليس بعد السعي إلَّا التسليم والرضا، وأما مع التقصير في السعي، فإن أبواب الندم لا شك أنها تفتح على العبد.

أسأل الله أن يصلح حال والدكِ، ويهدأ باله، وأن يكتب لوالدتكِ الخير حيث كان، وأن يجزيكِ الخير على سعيكِ في شؤون والدتكِ، والله يحفظكِ ويرعاكِ.

www.islamweb.net