ضعُف يقيني بالله وكلما طال عمري كثرت آثامي!!

2026-08-31 02:40:01 | إسلام ويب

السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

كلما طال عمري كثرت آثامي، وقد وددت لو أنني لم أُخلق، ومع مرور الأيام، يضعف حسن ظني بالله ويقيني به، فلا أستطيع أن أتوكل على الله حق التوكل، ولا أن أوقن بقدرته، ولا أدري لماذا!

وكلما دعوت الله أن يصلح لي ديني ودنياي وآخرتي، أقع بعدها في ذنوب ومعاصٍ، وصرت أشعر كأنني إذا دعوت الله وسألته الخير، يحصل عكس ذلك من الشرور، وهذه مشكلتي الكبرى.

وحاليًا أمر بمشاكل كثيرة، منها أنني غير اجتماعي وفقير، وهذا يؤثر فيَّ بشدة، وهناك مصائب أخرى لا أريد ذكرها، وكلما أردت أن أدعو الله، لا أستطيع أن أدعوه بقلب موقن بالله ومحسن الظن به.

أرجو منكم أن تنصحوني وتساعدوني، فأنا الابن الوحيد في العائلة، وأن تدعوا لي.

الإجابــة:

بسم الله الرحمن الرحيم.
الأخ الفاضل/ يوسف حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

أخي الكريم، ما زلتَ في بداية حياتك، ولم تتجاوز الثامنة عشرة من عمرك، فما الذي رأيته في حياتك حتى يضعف يقينك بالله، وتشعر بكل هذا الأسى؟!

إن الله يختبر العبد بتأخير عطاياه له؛ فإن بقي العبد متعلقًا به، طارقًا لبابه، راضيًا بقضائه؛ فتح له من واسع فضله، وربما كان فضله على غير ما يطلب العبد، وإنما يورثه ما هو قطعًا خيراً منه، ومن أفضل ما يمكن أن يعطيه الله له الرضا والاطمئنان؛ فإنهما من أوسع أبواب السعادة، فمن منحه الله الرضا نال السعادة، وإن لم ينل من الدنيا إلا القليل، ومن سلبه الرضا عانى التعاسة، ولو حاز ملك قارون.

أخي الكريم، تدعو الله، ثم تقع في المعاصي، وتشتكي من هذه الحال، وهنا عدة نقاط في هذا الجانب:

1. الابتلاء سنة الله في خلقه، يبتليهم بما يحبون، ويقيس عبوديتهم بالاستجابة لما هو واجب عليهم.

2. وقوعنا في المعصية بعد عزمنا على التوبة هو مما يبتلينا الله به كذلك، فتزداد به حاجتنا إلى الإنابة إليه، والاستعانة به، وتُهذّب نفوسنا بالشعور بالضعف والتقصير في حق الله، والانكسار له؛ وكل هذا مما يحبه الله، قال رسول الله ﷺ: «لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ، وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ، فَيَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ، فَيَغْفِرُ لَهُمْ».

3. الربط بين الدعاء وبين تحقق عكس ما تدعو به هو من عمل الشيطان، يثبطك به عن الدعاء، وإيجاد فجوة بينك وبين الله، وإذا ترك العبد الدعاء، فماذا بقي من عبوديته لله؟ وهل يستغني عبد عن دعاء الله ورجائه؟ لقد لخَّص رسول الله ﷺ العبادة كلها بقوله في الحديث الحسن: «الدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادَةُ».

4. وفي المقابل، فإن الربط بين الدعاء وبين انتظار الإجابة المباشرة وتحقق المقصود هو أيضًا من الأخطاء الكبيرة التي يقع فيها كثير من الناس؛ فنحن ندعو الله بما نحب، وبما نظن أنه الخير لنا من سعة الرزق، وكثرة المال والولد، وغيرها، ولكن نترك تقدير الأمور لعلام الغيوب، العالم بحال كل واحد منا، وما يصلح له وما لا يصلح له.

رُوي عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إِنَّ مِنْ عِبَادِي مَنْ لَا يُصْلِحُ إِيمَانَهُ إِلَّا الْفَقْرُ، وَلَوْ أَغْنَيْتُهُ لَأَفْسَدَهُ ذَلِكَ، وَإِنَّ مِنْ عِبَادِي مَنْ لَا يُصْلِحُ إِيمَانَهُ إِلَّا الْغِنَى، وَلَوْ أَفْقَرْتُهُ لَأَفْسَدَهُ ذَلِكَ»، فالله هو الأعلم بخيرية الأمور لنا، قال تعالى: {وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ}.

5. أمَّا بالنسبة للمشاكل الكثيرة التي تمر بها، فإني أنصحك -أخي الكريم- ألَّا تفكر فيها جملة واحدة؛ فإن هذا سيدعوك إلى الإحباط، حاول تفتيتها مشكلة مشكلة، وابدأ بما تستطيع حله، وكلما تجاوزت مشكلة انتقل إلى الأخرى، وستكتشف أن قدرتك على تجاوز مشاكلك وحلها تزداد يومًا بعد يوم، وأن حالة الاكتئاب التي تمر بها بدأت تنخفض بحوله تعالى.

وقد تكتشف أن بعض المشاكل مرتبطة ببعض، فما إن تحل واحدة حتى تنحل المشاكل المرتبطة بها مباشرة؛ فمشكلة الانطواء مثلًا، لو أنك استطعت حلها، وأصبحت أكثر اجتماعية مع الآخرين، فقد يفتح لك ذلك باب العلاقات التي هي من مفاتيح الرزق، فتجد عملًا مناسبًا، وتتحسن نفسيتك على إثر ذلك، وهكذا.

وأخيرًا أخي الكريم: فإن الاستعانة بالصبر والصلاة هي وصية الله لكل من تواجهه المصائب، وتأكد دائمًا أن عاقبة الصبر الظفر بحوله تعالى، ولكن إنما يكون ذلك في الوقت الذي يحدده الحكيم الخبير سبحانه وتعالى.

فرَّج الله همك، ووسَّع عليك، وأسعدك في الدنيا والآخرة.

www.islamweb.net