صلاة بغير خشوع ودعاء بغير شغف .. كيف أجعل إيماني قوياً بالله؟

2026-09-06 01:45:12 | إسلام ويب

السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أعاني من انعدامٍ تامٍّ للرغبة في الصلاة بالمسجد -إذ أصبحتُ أصلي في البيت- وتوقفتُ عن الدعاء وقيام الليل؛ فقد كنتُ في السابق أشعر بلذةٍ وحضورِ قلبٍ عند الدعاء والقيام، أمَّا الآن فلا أشعر بأي شيء، ولا أملك أدنى شغفٍ أو رغبةٍ في الدعاء.

منذ الصف الثالث الابتدائي، كان الجهد المبذول في الدراسة لا يحقق النتائج المرجوة، ولا حتى قريباً منها، وفي هذه السنة بدأ التشتت وعدم الفهم والنسيان، حتى شرح المواد لم أعد أفهمه لِما أعانيه من صعوبة الفهم والاستيعاب، حتى في الحساب -بخلاف السنة التي قبلها؛ حيث كنتُ متفوقًا-؛ مما تسبب في فشلٍ دراسيٍّ مستمر، فضلاً عن أن أهلي يقارنونني بمن حولي طوال الوقت.

وفي الصف الرابع الابتدائي، اكتشفتُ أن الحزن والخيالات الحزينة تمنحني نشوة، وما زال الاكتئاب مستمراً معي إلى اليوم، إذ أشعر دائماً بأنني في وادٍ والآخرون في وادٍ آخر.

ومثال ذلك: عندما كنتُ في الصف الأول الابتدائي، وكان الأستاذ يصحح إملاء الاختبار، كان هناك زميلان يراجعان الأخطاء، فقلتُ لهما: «القمر الأوروبي ظهر وهو حرام»، فنظرا إليّ ولم يردا، وحتى الآن أجد نفسي معزولاً كلياً في وادٍ والجميع في وادٍ آخر خلال المناقشات؛ حيث أجد تلك المناقشات في الإنترنت، لكنني لا أجدها في الواقع.

وقد ذهبتُ وشاركتُ في الحرب عندنا في السودان رغبةٍ في الموت فحسب، وأنا أعلم أن شعاراتهم مجرد كذب، ولكنني وجدتُ أموراً عظيمة؛ فقد وجدتُ الخمر، والنساء، والمخدرات، وسرقة الأموال ونهبها بكل الطرق، حتى باسم الدين والجهاد، فخرجتُ من بينهم.

وما أريده هو:
كيف أعود لأصلي وأدعُ الله، وأقوم الليل بذلك الشعور الجميل؟ فقد أصبحتُ كالجماد! وملاحظة -والعياذ بالله-: هل أنا أحمّل الله ما حدث معي من مشاكل وفقر؟! علمًا بأنني منذ أن بدأتُ الجامعة تركتُ الذهاب إلى المسجد، وبدأتُ بالتدريج أفقد شعور اللذة والشعور الجميل.

الإجابــة:

بسم الله الرحمن الرحيم.
الأخ الفاضل/ خالد حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

أسأل الله تعالى أن يربط على قلبكَ، ويجبر كسركَ، ويعوضكَ عن سنوات الألم والخذلان، وأن يردكَ إليه ردًّا جميلًا.

أحمد الله في رسالتكَ على أمر مهم جدًّا، ألا وهو أنكَ ما زلت تسأل: كيف أعود إلى الله؟ فهذه الرغبة نفسها علامة خير، وليست علامة موت القلب.

ومن الجميل كذلك أنكَ خرجت من بيئة الحرب بعدما رأيت ما فيها من فساد واستغلال للدين؛ وهذا يدل على أن عندكَ قدرةً على مراجعة نفسكَ ورفض الباطل.

أخي الكريم، أظن أن مشكلتكَ أعمق من مجرد "فقدان لذة العبادة"، فأنت تحمل منذ سنوات تراكمًا من الإخفاق الدراسي، والمقارنة، والحزن، والعزلة، ثم تجربة الحرب وما رأيته فيها.

ونتيجةً لذلك، ومع مرور الوقت، أصبح عقلكَ وقلبكَ في حالة إنهاك شديد؛ لذلك لا أنصحكَ أن تفسر كل ما يحدث بأنه ضعف إيمان أو عقوبة من الله تعالى لكَ.

• أولًا: لا تجعل الشعور هو مقياس علاقتكَ بالله تعالى، فقد تصلي ولا تشعر بشيء، وتدعو ولا تجد دمعةً، وتصلي قيام الليل وقلبكَ ثقيل؛ ومع ذلك أنت عند الله تعالى في عبادة عظيمة، قال تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} [العنكبوت:69].

بناءً على ذلك، لا تنتظر أن تأتيكَ الرغبة حتى تصلي؛ بل صلِّ حتى تأتي الرغبة، ولا تنتظر الخشوع حتى تدعو؛ بل ادعُ الله وأنت فاقد للشعور؛ فالصدق يظهر أحيانًا في الاستمرار رغم الجفاف، وقد قال النبي ﷺ: «أَحَبُّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللهِ أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ».

• ثانيًا: عودتكَ للمسجد لا تجعلها مشروعًا ضخمًا، بل ابدأ من الغد بصلاة واحدة في المسجد، وليكن هدفكَ المحافظة عليها لمدة أسبوع، ثم زد صلاةً أخرى.

فلا تقل: "سأعود كما كنت، وسأقوم الليل وأبكي في الدعاء"؛ لأن هذا الضغط قد يزيد عجزكَ، بل اجعل شعاركَ "الآن: أريد أن أكون حاضرًا، لا أن أشعر"، وإذا صليت في المسجد ولم تشعر بشيء، فلا تحزن، فأنت بذلك قد ربحت الصلاة والجماعة، ولو لم تربح الإحساس الذي كنت تعرفه سابقًا.

• ثالثًا: لا تحاول استرجاع لذة قيام الليل بالقوة، بل ابدأ بركعتين فقط قبل الفجر أو بعد العشاء، ولو قرأت فيهما قصار السور، ثم قل بعدهما دعاءً بسيطًا جدًّا، حتى لو كان: "يا رب، أنا لا أشعر بشيء، لكني لا أريد أن أبتعد عنكَ، فأصلح قلبي وردني إليكَ،" فهذا الدعاء بحد ذاته عبادة.

• رابعًا: انتبه جدًّا لمسألة الحزن والخيالات، فقد ذكرت أنكَ منذ طفولتكَ اكتشفت أن الحزن والخيالات الحزينة تمنحكَ نشوةً، وأنكَ تعيش منذ سنوات في اكتئاب وعزلة، ثم وصل بكَ الحال إلى الذهاب للحرب طلبًا للموت!

ومن ثم، فهذه النقطة لا ينبغي التعامل معها باعتبارها مجرد فتور إيماني، بل أنت تحتاج إلى تقييم نفسي متخصص لدى طبيب نفسي، أو أخصائي نفسي موثوق؛ وليس ذلك لأنكَ "مجنون"، حاشاك، وإنما لأن سنوات طويلةً من الحزن، واضطراب التركيز والذاكرة، وفقدان المتعة، والعزلة، وتجربة الحرب، كلها أمور تستحق تقييمًا مهنيًا جادًّا، فضلًا عن أن الإيمان لا يتعارض مع طلب العلاج؛ فقد قال النبي ﷺ: «تَدَاوَوْا عِبَادَ اللهِ، فَإِنَّ اللهَ لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلَّا وَضَعَ لَهُ دَوَاءً».

وإذا عادت إليكَ رغبة الموت أو فكرة الذهاب إلى مكان خطر لكي تموت، فلا تبقَ وحدكَ معها، بل أخبر شخصًا تثق به فورًا، وابتعد عن السلاح وأماكن القتال، واطلب مساعدةً طبيةً عاجلةً؛ فحياتكَ ليست شيئًا يجوز لكَ أن تتخلص منه بسبب سنوات قاسية.

• خامسًا: لا تفسر فشلكَ الدراسي على أنه دليل أنكَ أقل من الآخرين، فأنت تقول إنكَ كنت متفوقًا ثم بدأ التشتت والنسيان وصعوبة الاستيعاب؛ وهذا التغير نفسه مهم؛ فقد يكون مرتبطًا بالضغط النفسي أو الاكتئاب أو آثار التجارب الصادمة أو أسباب أخرى قابلة للعلاج، لذا لا تقل: "أنا غبي"، بل قل: "هناك شيء أثّر في قدرتي على التعلم، وسأبحث عن سببه."

كما أن المقارنة التي يمارسها أهلكَ مؤذية، لكن لا تجعل كلامهم تعريفًا لنفسكَ، قال تعالى: {وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ} [النساء:32].

• سادسًا: هل أنت تُحمّل -تعالى الله- مسؤولية ما حدث لكَ؟ إن مجرد سؤالكَ وخوفكَ من ذلك لا يعني أنكَ تعترض على الله تعالى، فالإنسان قد يتألم ويسأل: "لماذا حدث هذا لي؟" وهذا يختلف تمامًا عن الاعتراض على حكم الله، فقد قال يعقوب عليه السلام: {إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ} [يوسف:86].

فالفرق كبير بين أن تقول: "يا رب، أنا متألم ولا أفهم ما يحدث، فأعنّي"، وبين أن تقول: "الله ظلمني" والعياذ بالله، ولهذا اجعل شكواكَ إلى الله لا بعيدًا عنه، ولا تتوقف عن الدعاء لأنكَ غاضب أو متعب، بل اذهب إلى الله تعالى بتعبكَ نفسه.

وأريد منكَ خلال الفترة القادمة أن تتوقف عن مطاردة الشعور القديم؛ فلا تبحث عن الدموع، ولا عن النشوة، ولا عن الإحساس الروحي السابق، بل ابنِ العلاقة من جديد بهدوء عبر ما يلي:

• صلاة واحدة في المسجد يوميًّا في البداية.
• ركعتان قيام ليل، ولو بلا خشوع.
• صفحة قرآن يوميًّا، وليس جزءًا.
• دعاء دقيقتين فقط.
• مشي أو رياضة يومية.
• نوم منتظم وتقليل السهر والعزلة.
• لقاء شخص صالح ترتاح إليه بدل البقاء وحيدًا.
• حجز موعد مع مختص نفسي لتقييم حالتكَ، خصوصًا بسبب تاريخ الحزن وفقدان المتعة وتجربة الحرب وأفكار الموت السابقة.

وتذكر شيئًا مهمًّا جدًّا: قد تكون الآن في مرحلة تحتاج فيها إلى أن تحملكُ الطاعة، لا أن تحمل الطاعةُ شعورَكَ، وسيأتي الإحساس -بإذن الله تعالى- لكن لا تجعل عودتكَ إلى الله معلقةً بعودته، قال تعالى: {لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ} [الزمر:53].

ولعل أجمل ما تفعله الليلة أن تسجد لله تعالى دون أن تطلب شيئًا كبيرًا، وتقول فقط: يا الله، أنا تعبت، لا أعرف كيف أصلح نفسي، ولا أستطيع أن أرجع كما كنت، لكني لا أريد أن أضيع منكَ، فأصلح قلبي، واشفِ صدري، وأعنّي على الصلاة، وردني إليكَ ردًّا جميلًا.

أسأل الله تعالى أن يشفي قلبكَ ونفسكَ، وأن يعوضكَ عن كل ما فقدته، وأن يجعل ما مررت به بابًا لقرب أعظم منه، كما أسأله أن يرزقكَ صحبةً صالحةً، وعلمًا نافعًا، وسكينةً بعد هذا الاضطراب، وأن يريكَ في نفسكَ وفي حياتكَ أيامًا تقول فيها: الحمد لله أنني لم أستسلم.

www.islamweb.net