هل أستمر في وظيفة لا أجد فيها تقديرًا ولا مكافآت؟
2026-08-30 03:18:56 | إسلام ويب
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أعمل محاسباً في مطعم، وقد أتيت إلى هذا العمل منذ أربعة عشر شهراً، مسماي الوظيفي مدير ومحاسب، لكن الواقع أنني أقوم بكل شيء تقريباً، وأغطي مكان أي عامل عند الحاجة، وأتحمل مسؤوليات كثيرة لا تقتصر على عملي الأساسي.
أعاني من تدني الراتب؛ فراتبي لا يختلف كثيراً عن راتب أي عامل يقتصر عمله على تنزيل الطلبات فقط، وقد تحدثت مع المالك بشأن زيادة راتبي، فأخبرني أن الوضع المالي للمطعم لا يسمح بذلك، وأنه لا يستطيع زيادة الراتب، لكنني أرى أنه يمنح زيادات لبقية الموظفين، كما يعطيهم "البقشيش" بينما منذ دخولي إلى المطعم لم أحصل على أي زيادة أو مكافأة.
كما أن تصرفات المالك وأولاده معي، تجعلني أشعر وكأنني شخص غير مرغوب فيه، أو أنني بلا أهمية داخل مكان العمل.
لا أعرف ماذا أفعل؛ فقد صبرت مدة أربعة عشر شهراً رغم ضعف الراتب وكثرة الأعباء، وأخشى إن تركت العمل أن أكون غير راضٍ بقضاء الله، أو أنني لم أصبر بما فيه الكفاية.
لكن -والله- أصبح الوضع لا يُطاق، خاصة عندما أتعرض للمضايقات، ومن أشد ما يؤلمني أن أُعامل كشخص غير مرغوب فيه، وكأنني بلا قيمة أو تقدير.
راتبي قليل، ولا أحصل على أي علاوات، رغم أنني أعمل مديراً ومحاسباً، وأقوم كذلك بأعمال إضافية لتعويض النقص في العمالة، كما أنني لا ألقى التقدير حتى في أسلوب الكلام والتعامل.
أنا حائر جداً، هل أترك هذا العمل وأبحث عن فرصة أخرى، أم أستمر فيه وأواصل الصبر؟
الإجابــة:
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ أيمن حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
مرحبًا بك أخي الفاضل في استشارات إسلام ويب، وأسأل الله أن يلهمنا وإياك السداد والرشد في القول والعمل.
بداية أخي العزيز: الصبر لا يعني الاستسلام وتضييع الحقوق والرضا بالظلم، وإنما الصبر أن يتعامل الإنسان مع ما يقع له بالحكمة، وأن يسعى في الوقت نفسه إلى إصلاح واقعه، وتغيير ما يستطيع تغييره بالطرق المشروعة - فإذا كان الواقع كما ذكرت في رسالتك - فلا بد أن تجتهد في تغيير هذا الواقع الذي تعيشه، وأن تبحث عن الأفضل ما دام ذلك في أبواب الحلال والمتاح.
فإذا كان لديك عقد عمل، ثم تم تغيير العمل الفعلي عما هو منصوص عليه في العقد، فهنا يمكنك أن تشرح لمديرك هذا الأمر، وتبين له أن طبيعة العمل التي أصبحت تقوم بها تختلف عما تم الاتفاق عليه، أما إذا كان العمل من غير تعاقد واضح -وهذا هو الذي يظهر من رسالتك- فهذا قد يكون أحد الأسباب التي دفعت المدير إلى التهاون في بعض حقوقك، أو التقليل من جهودك وتخصصك كمحاسب ومدير، وربما التقليل من قدرك لأنك ربما تكون مضطراً للعمل فترضى بأي شيء، وهذا يفتح باب الاستغلال عند بعض النفوس.
لذلك أخي الكريم ننصحك بالتالي:
أولا: وثّق تجربتك في هذا العمل، واجعل الفترة التي قضيتها فيه إضافة حقيقية إلى خبرتك، واستفد منها في تطوير سيرتك الذاتية ومهاراتك، ولا تنظر إلى هذه الفترة على أنها ضياع للوقت مهما كانت الظروف فيها صعبة.
ثانيًا: خلال بقائك في هذا المكان، ابدأ بهدوء وتأنٍّ في البحث عن عمل أفضل، ومكان يناسب مؤهلاتك، وراتب يتناسب مع خبرتك وجهدك، فإذا وجدت عملاً مناسبًا، وقررت الانتقال إليه، فأخبر صاحب المطعم بذلك، وبين له أن سبب انتقالك هو بحثك عن فرصة أفضل تتناسب مع تخصصك وظروفك، وحدد الفترة التي ستنتقل فيها، كأسبوع أو شهر، بحسب ما تم الاتفاق عليه، وهذا من باب احترام حقوق الآخرين وعدم مفاجأتهم.
ثالثًا: وسّع دائرة علاقاتك ومعارفك، وحاول أن تخرج من دائرتك الضيقة إلى دائرة أوسع في البحث عن العمل، ولا تحصر نفسك في مكان واحد أو جهة واحدة كالمطاعم، فقد يأتيك الفرج من طريق لم يكن في حسابك.
رابعًا: اجتهد أن تتميز في عملك، وتتفانى فيه ما دمت موجودًا فيه حاليًا، فلا تقصر ولا تتقاعس، بل على العكس، اجتهد وبادر وأثبت قدراتك، رغم صعوبة هذا على النفس؛ لأن هذا في حد ذاته قد يكون سببًا في أن يراجع المدير تقديره لجهدك، وربما يعيد النظر في راتبك أو مسؤولياتك، وفي الوقت نفسه، تأكد وتثبت هل فعلاً لا توجد إمكانية للزيادة؟ وهل غيرك يحصل على زيادات أو إكراميات وتحرم منها أنت من دون أي سبب، فهذه أمور ينبغي أن تعرفها قبل أن تحكم على وضعك بشكل نهائي.
خامسًا: لا تتوقف عن تطوير نفسك، حتى ولو كنت في هذه الفترة تعمل في مكان لا تشعر فيه بالتقدير الكافي.
أخي الفاضل، السخط على الوضع الذي تعيشه لا يعني بالضرورة عدم الرضا بقضاء الله، كما أن محاولة الخروج من الظلم أو البحث عن عمل أفضل ليست من قلة الصبر، الإنسان قد يصبر على واقعه، وفي الوقت نفسه يسعى إلى تغييره للأفضل ما دام ذلك ممكنًا، وهذا هو المطلوب؛ فليس الصبر أن يبقى الإنسان في مكان يضره وهو قادر على الانتقال منه، وإنما الصبر أن يسعى إلى الإصلاح من غير ظلم ولا تعدٍّ ولا محرم.
لذلك أخي: خطط للخروج منه بطريقة حكيمة، والأفضل ألاّ تقرر ترك العمل إلا بعد أن تجد عملاً آخر مناسبًا.
وأثناء كل هذا، اجتهد أشد الاجتهاد في الدعاء، والتضرع إلى الله تعالى أن يوفقك للخير وييسره لك، واحرص على أداء الصلاة في وقتها، ومداومة الذكر والطاعات؛ فإن هذه الأعمال تعين على ثبات القلب وشرح الصدر، قال الله تعالى: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)، وقال سبحانه:(الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ)، وقال تعالى:( وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ)، واجعل هذا المعنى دائما أمامك "اسعَ، وخذ بالأسباب، واستعن بالله، ولا تستسلم لليأس"، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز).
وفقك الله ويسر أمرك.