بعد وفاة والدي يفتك بقلبي الحزن والشعور بالذنب، فما نصيحتكم لي؟

2026-08-30 04:22:03 | إسلام ويب

السؤال:
توفي أبي منذ ثلاثة أيام بين يديّ، وكان واعيًا بما يحدث، حدثت الوفاة خلال يوم ونصف، وكان بصحة جيدة قبل ذلك.

أنا الآن أشعر بنارٍ داخل قلبي، فكلما تخيلته عادت إلى ذهني لحظات كثيرة كانت بيننا، كنت أحيانًا أضايقه وأغضبه، ثم أندم بعد ذلك، الندم يقتلني، والحزن يفتك بقلبي، ولا أستطيع التحمل.

كما أنني شهدت لحظات وفاته، ورافقته إلى الطبيب، ثم رأيته يفارق الحياة في المستشفى، وأشعر أنني أنا السبب في موته وألمه، كذلك أخاف عليه من القبر، خاصة أنه كان يخاف الأماكن المظلمة والضيقة.

لا أستطيع أن أصف ما بداخلي، ولكن باختصار أشعر أنني كنت سببًا في قطع علاقاته مع بعض الأقارب والجيران الذين ظلموه؛ فقد كانت شخصيته طيبة ومتسامحة، وأنا من وضعت حدًا لذلك، فهل عليه ذنب بسبب هذا الأمر؟ وكيف أعرف حاله الآن؟ وهل هو مستقر في مكان طيب؟

أشعر بالانهيار، كان أبي حنونًا حتى على القطط، وخدومًا للناس في قضاء مصالحهم، ومربيًا لأبناء أخيه الأيتام، وكان يقول: "لله الأجر والثواب"، بينما كنت أقول له إنهم لا يستحقون، فهل نقص أجر أبي بسبب ذلك؟

أرجو أن تتفهموا سؤالي، فأنا لا أستطيع الآن ترتيب أفكاري، أو تنسيق كلامي بسبب شدة ما أمر به.

الإجابــة:

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ عبد الرحمن حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبًا بك -أخي الكريم- في استشارات إسلام ويب، ونشكر لك تواصلك بالموقع.

وبدايةً نقول: عظَّم الله أجرك، ورحم الله والدك، ونسأل الله أن يسكنه فسيح جناته، وأن يتقبل منه أعماله الصالحة، ويجعل ما أصابه كفارة لذنوبه ورفعة لدرجاته.

ونحب أولًا -أيها الحبيب- أن نبشرك بالبشارات التي بشر الله تعالى بها عباده؛ فقد أخبر الله في كتابه في مواضع منه أنه لا يضيع أجر المحسنين، فينبغي أن تحسن ظنك بالله تعالى، وتظن بالله تعالى خيرًا، وأنه سيعامل والدك بالإحسان كما كان هو يحسن إلى خلق الله؛ فالقاعدة الشرعية: {هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ}، وقد أثنى الله تعالى على المحسنين في آيات كثيرة من كتابه.

والإنسان المؤمن -أيها الحبيب- حريص على الشيء النافع، هكذا قال النبي ﷺ: «احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلَا تَعْجِزْ»، وهذه هي الوصية التي نوصيك بها: أن تحرص الآن، في هذه اللحظات، على الشيء النافع الذي ينفعك أنت، وينفع والدك.

فالذي ينفعك أنت: أن تبر هذا الوالد، وتحسن إليه بعد موته، ومن الإحسان إليه: الدعاء له والاستغفار، ومن الإحسان إليه: أن تتصدق عنه؛ فإن الصدقة تصل إليه، ومن الإحسان إليه: أن تؤدي الحقوق التي كانت عليه للناس، إذا كانت عليه حقوق، فهذا كله إحسان وبر ينتفع به والدك.

وأمَّا أنت فتنتفع ببرك لوالدك، وتكفر ما كان منك من تقصير في حقه، أو عقوق له في حياته، وخير ما نوصيك به: التوبة؛ فإن التوبة تمحو الذنب مهما كان ذلك الذنب عظيمًا، وقد قال الرسول ﷺ: «التَّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ»، فلا ينبغي أن يكون شعورك بالذنب سببًا لليأس والقنوط؛ فاليأس والقنوط من رحمة الله هو في حد ذاته من أعظم الذنوب وأكبر الموبقات.

فتب إلى ربك بندمك عن ذنوبك السابقة، واعزم على إصلاح الحال وعدم العود إليها؛ فإذا تبت هذه التوبة، فإن الله يقبل توبتك، كما قال سبحانه في كتابه: {وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ}.

والموت -أيها الحبيب- هو نهاية كل حي، فلا بد أن يسير الإنسان إلى هذا القدر المحتوم، ولا يستطيع الإنسان أن يقدم هذا القدر أو يؤخره؛ فلا ينبغي أن تذهب نفسك ألمًا وحسرة لأن والدك قد مات.

أمَّا ما تذكره من كون والدك كان يخاف من الأماكن المظلمة ونحو ذلك، وتريد أن تطمئن عليه الآن في قبره؛ فهذه أخبار غيب لا يعرفها أحد، ولا يستطيع أن يتنبأ بها أحد.

ولكن المطلوب من الإنسان المؤمن أن يحسن الظن بالله تعالى وبالميت، ويعلم أن الله تعالى وسعت كل شيء رحمته، وأنه لا يعجزه أن يغفر للإنسان المذنب، ويتجاوز عنه، ويتقبل منه ما كان منه من طاعة؛ فأحسن ظنك بالله تعالى.

واجتهد في الإحسان إلى والدك، كما قلنا: بالدعاء له، والاستغفار، والتصدق عنه، واعلم أن هذا يصله وينتفع به كثيرًا، وقد جاء في الحديث أن الرجل يرى يوم القيامة في صحيفته استغفارًا كثيرًا، فيقول: «مِنْ أَيْنَ لِي هَذَا؟ فَيُقَالُ: بِاسْتِغْفَارِ وَلَدِكَ لَكَ»، هكذا ورد الحديث عن النبي ﷺ.

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يأخذ بيدك إلى كل خير، وأن يغفر لوالدك ويرحمه.

www.islamweb.net