أختي تسيء إلى أمي وتثير المشكلات رغم محاولات علاجها

2026-08-26 01:44:27 | إسلام ويب

السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أنا فتاة متزوجة، وأبلغ من العمر 24 سنة، لدي أخت أكبر مني غير متزوجة، تقوم بضرب أمي، وتتلاعب بها نفسيًا طوال الوقت، كما تثير المشكلات في المنزل مع جميع أفراد العائلة، ثم تقوم بشتم إخوتي ووالديَّ بألفاظ خادشة للحياء.

مع العلم أنها تدرس في الجامعة، وبسبب ذلك تقيم في الإقامة الجامعية، ولا تأتي إلى المنزل إلَّا في العطلات، أو متى شاءت، رغم معارضة أبي لذلك.

ومن جهة أخرى، تقوم بأفعال سيئة في وجود مراهقين وأطفال في الأسرة، ورغم نصحي لها، فإنها لا تستمع إليَّ، وتقول لأمي إنها السبب في حظها السيئ، رغم أنها هي من تبدأ بإثارة المشكلات.

وقد بدأ هذا السلوك معها منذ مدة طويلة، وازداد بعد ذهابها إلى الإقامة الجامعية، وبقائها مع رفقة السوء، إلَّا أنه ازداد سوءًا خلال العامين الأخيرين، وكشفت لنا أنها تتعاطى المخدرات، فاضطرت أمي إلى أخذها إلى مركز علاجي، ولكن تصرفاتها لم تتغير رغم ذلك.

وقد تأثرت العائلة كلها بتصرفاتها، وأشعر بأن أسرتي حزينة في غيابي، وأفكر كثيرًا في حالهم، ولكنني لا أجد حلًّا لما يحدث.

وقد نصحتها سابقًا بالتوقف عن إثارة المتاعب لنفسها وللأسرة، وبالتقرب أكثر إلى الله، ولكنها لا تستجيب لذلك، ولا أريد لأسرتي، وخاصة أمي، أن تتأذى؛ لأن أمي لا تضع لها حدودًا واضحة، وتتركها تفعل ما تشاء.

أعتذر عن الإطالة، وتقبلوا مني جزيل الشكر؛ فقد استفدت كثيرًا من هذا الموقع الرائع.

الإجابــة:

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ Fadia، حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبًا بك -أختي الفاضلة- في استشارات إسلام ويب، ونسأل الله أن يلهمنا وإياك السداد والرشد في القول والعمل.

بدايةً: مثل هذه الانحرافات التي تحدث لأحد أفراد الأسرة تحتاج إلى وعي أسري كبير للتعامل الصحيح معها؛ فالأسرة الآن واقعة بين اتجاهين:

• الأول: أن هذه الفتاة ابنتنا، ويجب الوقوف معها ومساعدتها مهما كان، حتى مع تحمل أنواع من الأذى الناتج عن تصرفاتها.

• الثاني: حالة الرفض والإيذاء التي تعيشها الأسرة بسبب واقع هذه الفتاة التي ترفض التغيير والإصلاح.

وهناك جزئية مهمة في سؤالك، وهي اعترافها بتعاطي المخدرات، وهذه القضية بحد ذاتها محورية وغاية في الأهمية؛ فقد يكون تعاطي المخدرات والإدمان هو السبب وراء كثير من التصرفات والانفعالات والمشكلات التي تعاني منها الأسرة؛ ولذلك ينبغي ألّا تتعاملوا مع بقية المشكلات بمعزل عن هذه القضية الأساسية.

أمَّا شعور أختك بأن «حظها سيئ بسبب أمك»، فهذا قد يفسر جانبًا من تصرفاتها السلبية مع أمك، وقد يكون لديها اعتقاد نفسي بأن والدتها هي المتسببة في كثير من مشكلاتها الخاصة.

ومن أبرز ما ذكرتِه أيضًا مسألة زواج الأخت الصغرى قبل الكبرى، ورغم أن هذا الأمر في نفسه قد يكون طبيعيًا، فإن الفتاة الكبرى قد تستقبله بطريقة مؤلمة، فتشعر بالهزيمة النفسية، أو النقص، أو المقارنة، أو عدم الثقة بنفسها، ثم تبدأ بالبحث عن أشياء أخرى تعوض هذا الشعور، وتمنحها الإحساس بالقيمة أو السيطرة.

لذلك -أختي الكريمة- أنتم أمام اختبار صعب لإصلاح أختكم، ويحتاج الأمر منكم إلى التكاتف، والفهم العميق، والتعاون لإحداث التغيير في نفسها، وفي سبيل تحقيق ذلك نقدم لك بعض النصائح التي تعينكم على تعديل سلوكها بإذن الله تعالى:

أولًا: التفريق بين السلوك الناتج عن الإدمان والسلوك المنحرف المتعمد: تصرفات أختكم التي تكون نتيجة لحالة الإدمان ينبغي أن يُتعامل معها على أنها مشكلة تحتاج إلى علاج، مع ضرورة توفير البيئة التي تساعدها على الخروج منها، والابتعاد بها عن أسباب الانتكاس، ومن ذلك:
• إبعادها قدر الإمكان عن رفيقات السوء.
• احتواؤها والاهتمام بها، والاجتهاد في توفير بيئة تشعرها بالأمان حتى تستعيد ثقتها بنفسها.

فلا بد أن تشعر بأن الأسرة هي الملاذ الآمن لها، وليست صديقاتها أو من هم خارج البيت، مع عدم الاكتفاء بالنصح والكلام، بل السعي الجاد إلى إدخالها في علاج متخصص للإدمان بحسب حالتها، ومتابعة مراحل العلاج حتى تصل إلى التعافي بإذن الله.

ثانيًا: إحاطتها ببيئة إيجابية تساعدها على تغيير نظرتها السلبية إلى والدتها وأسرتها:
هذا الأمر مهم جدًّا؛ فكثرة الشجار والصراخ تجعل الانطباع لدى أختكم أن البيت هو مصدر كل هذا القلق والتوتر، فتبدأ بالنفور والابتعاد عنه، وتهرب إلى صديقاتها أو إلى العزلة، وقد يزيد ذلك من تعلقها بالسلوكيات المؤذية والإدمان.

لذلك: حاولوا إحاطتها بأسرة هادئة قدر الإمكان، من خلال برامج أسرية بسيطة، كالجلسات العائلية، أو الرحلات الترفيهية، أو الزيارات العائلية، أو مشاركتها في بعض الأنشطة التي تحبها، وكذلك تقديم الهدايا لها لتحبيبها وإزالة ما في قلبها تجاهكم؛ فهذه الأمور وإن بدت بسيطة؛ فإنها تشعرها بجو الأسرة والألفة، وتخفف بدرجة كبيرة من حالة التوتر والصدام داخل البيت.

ثالثًا: الدعاء والتضرع إلى الله تعالى أن يصلحها:
الدعاء من أعظم ما يحتاج إليه الإنسان في مثل هذه الحالات، وخاصة من والديها، وقد جاء في الحديث: «ثَلَاثُ دَعَوَاتٍ مُسْتَجَابَاتٌ لَا شَكَّ فِيهِنَّ: دَعْوَةُ الْمَظْلُومِ، وَدَعْوَةُ الْمُسَافِرِ، وَدَعْوَةُ الْوَالِدِ»، فليكثر الوالدان من الدعاء لها بالهداية، والصلاح، والعافية، مع الخشوع والافتقار إلى الله تعالى؛ فكم من أمر استعصى على الناس كان حله بيد الله سبحانه.

رابعًا: الرفق بها مع وضع حدود واضحة أمام الأذى:
الرفق هنا لا يعني السكوت عن الخطأ، ولا يعني السماح لها بالاعتداء على الآخرين أو إيذائهم، وإنما يعني أن تعالج الأسرة الخطأ بطريقة لا تزيد المشكلة، ولا تتجاهلها، وفي الوقت نفسه توفر الحماية من الأذى.

فالرفق والإحسان قد يكونان سببًا في تغيير موقف الإنسان، لكن مع ذلك لا ينبغي السكوت عن الضرب أو الاعتداء؛ حتى لا يتحول الأمر إلى سلوك معتاد، أو تشعر أن هذا الفعل مقبول ولا عواقب له، ويجب وضع حدود واضحة تحمي الأم وبقية أفراد الأسرة من الأذى، دون تحويل كل موقف إلى مواجهة وصدام.

وفي مثل هذه المرحلة:
• لا يكون الإكثار من الوعظ والتوبيخ هو المدخل الأنسب، خصوصًا في وقت ثورانها وانفعالها؛ لأن ذلك قد يزيد من نفورها، ويجعلها أقل تقبلًا للنصح.

• ينبغي التعامل مع انحرافها على أنه خطأ يمكن تصحيحه، مع بقاء الحب والمودة منكم لها، وعدم إشعارها بأن خطأها قد أخرجها من دائرة الأسرة.

وأخيرًا -أختي الكريمة-: مشكلة أختك مترابطة، وأغلب ما تجدين من مشكلاتها هو نتائج لأسباب تحتاج إلى معالجة من الأصل، وعلى رأسها الوقوع في الإدمان، ورفيقات السوء، وضعف الاحتواء والأمان الأسري، وكثرة الصدام داخل البيت. فإذا عولجت هذه الأمور بهدوء وتدرج، أصبح حل بقية الإشكالات السلوكية أيسر وأسهل بإذن الله.

استعينوا بالله، وتكاتفوا جميعًا في الأسرة لحل هذه المشكلة، وحاولوا أن تكونوا فريقًا واحدًا بدلًا من أن يعمل كل شخص بمفرده.

ويمكنكم أيضًا أن تستعينوا بامرأة تعرفون أن لها مكانة وتقديرًا عند أختكم، وتأنس إليها وتثق بها؛ لتتولى الحديث والحوار معها؛ فقد تتقبل منها ما لا تتقبله من أمها أو إخوتها.

وأهم شيء في هذه المرحلة ألّا تشعر أختكم بأنها أصبحت خارج الأسرة، أو أن الجميع قد حكم عليها بأنها إنسانة فاسدة لا أمل في إصلاحها؛ فمهما عظمت المشكلة، يبقى باب التوبة والإصلاح مفتوحًا، والإنسان قد يتغير إذا وجد من يأخذ بيده في الوقت المناسب.

وفقكم الله، ويسر أمركم.

www.islamweb.net