افترقنا منذ سنوات وما زلت أعيش على يقين أنه من نصيبي!
2026-09-03 02:24:55 | إسلام ويب
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أنا فتاة عزباء، قصتي هي أني في مرحلة عسيرة من حياتي أحببت شابًا من عمري وافترقنا للأبد، في الواقع لم يكن بيننا إلا مراسلات ودية دون أي كلام عاطفي، لكن بعدها بفترة شعرت بعدم الراحة لهذه العلاقة الرمادية، ومشاعري كانت مضطربة جدًّا؛ بسبب عدم مبادرته لشيء جدي، وبالتالي صارحني الشاب برغبته في التعرف علي، -للأسف- لم يتم التعارف أصلاً؛ لظروف تتعلق بالسكن، والابتعاد عن أهلي، وافترقنا.
منذ ذلك الحين وأنا أشعر أن جزءًا مني يتعذب لهذا البعد، بعد سنة ونصف تقريبًا عدنا للتحدث سويةً بمبادرة مني، -وللأسف- لم تتم أيضًا الخطبة؛ لأسباب عدم راحة مني ومن الأهل، وكأن بيننا شيئًا من التوتر والبغض غير المعلن من الطرفين.
ابتعدت عن هذا الشاب منذ سنتين، ولكن والله أنه لم يغب يوماً عن تفكيري، وأواجه صعوبة بالغة بأن أتعرف على أي شاب غيره، أو أقبل بغيره خطيبًا، كما أن مشاعر اليقين أنه من نصيبي لا تفارقني.
أريد حلًّا، فأنا متعبة من هذا الأمر، وأحلم بالاستقرار مع شخص مريح وطيب المعشر، ولكنني لا أنفك عن التفكير في الشاب القديم أبداً.
انصحوني، جزاكم الله خيرًا.
الإجابــة:
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ Hiba حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
الأخت الكريمة، حفظكِ الله وجبر قلبكِ، ورزقكِ سكينةً تغنيكِ عن كل تعلقٍ أتعبكِ، وأحسن إليكِ في حرصكِ على أن يكون استقراركِ في الزواج مع شخص مريح وطيب المعشر، ومن أجمل ما في رسالتكِ أنكِ لا تبحثين عن مجرد نسيان هذا الشاب، وإنما تبحثين عن علاج حقيقي يحرركِ من التعلق، حتى تستطيعي أن تعيشي حياتكِ بصورة طبيعية، وهذه بداية صحيحة جدًا.
ما تشعرين به مفهوم، لكنه لا يعني أنه نصيبكِ، فبقاء شخص في التفكير مدة طويلة لا يعني بالضرورة أنه الشخص الذي كتبه الله تعالى لكِ، أحيانًا نحن لا نتعلق بالشخص وحده، وإنما نتعلق بالقصة التي لم تكتمل، وبالاحتمال الذي ظل مفتوحًا في أذهاننا: ماذا لو حصلت الخطبة؟ ماذا لو تيسرت الظروف؟ ماذا لو كان هو فعلًا الشخص المناسب؟ ولهذا قد يكون أصعب تعلق هو التعلق بشخص لم نعرفه معرفة كافية حتى نكتشف عيوبه ومحاسنه، ولم نعش معه حياة حقيقية حتى نرى مدى توافقنا؛ فيبقى في الذهن بصورة مثالية؛ لأن الواقع لم يأخذ فرصته ليكشف الصورة كاملة.
وأنتِ بنفسك ذكرتِ شيئًا مهمًا جدًا: عندما عاد التواصل بعد سنة ونصف، لم تتم الخطبة، ولم تشعري أنتِ ولا أهلكِ بالراحة، وظهر بينكما توتر ونفور غير معلن، هذه ليست تفاصيل هامشية يمكن أن نتجاوزها لأن القلب ما زال متعلقًا، بل ينبغي أن تسألي نفسكِ بصدق: هل أنا متعلقة به كما هو فعلًا، أم متعلقة بالصورة التي صنعتها عنه في ذهني؟
- ثم انتبهي من فكرة "أنا متيقنة أنه نصيبي"، لا أحد يعلم أن نصيبه شخص معين حتى يقدّر الله تعالى ذلك واقعًا، قال تعالى: ﴿قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل:65]، نعم قد تشعرين بيقين شديد، وقد يتكرر في ذهنكِ أنه هو، وقد ترين أن كل ما حدث بينكما له معنى خاص، لكن هذا كله شعور وليس خبرًا عن الغيب، والأصح أن تستبدليها بقولك: "هو نصيبي إن كان الله تعالى قد كتبه لي فسيأتي به إليَّ بالطريق الذي يرضيه، وإن لم يكتبه لي فسيرزقني خيرًا منه ويرضي قلبي به" وهذه ليست مجرد عبارة جميلة، بل هي نقلة إيمانية عظيمة من التعلق بالنتيجة إلى الثقة بالله تعالى الذي بيده خزائن السماوات والأرض، قال النبي ﷺ لابن عباس -رضي الله عنهما-: "واعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وما أصابك لم يكن ليخطئك"، رواه أبو داود والترمذي، فلو كان لكِ، فلن يستطيع البعد ولا السنين ولا الظروف أن تمنع ما كتبه الله تعالى لكِ، وإن لم يكن لكِ، فلن تستطيع شدة تعلقكِ أن تجعله من نصيبكِ.
- أختي الكريمة: أنتِ لا تحتاجين في علاقتك وتواصلك بالشاب إلى نسيانه، وإنما تحتاجين إلى إغلاق الباب فقط، وتجنب خطوات الشيطان، هناك فرق كبير بين أن تقولي سأحاول ألا أفكر فيه، وبين أن تقولي: انتهت هذه القصة ما لم يفتحها الله تعالى من بابها الشرعي؛ لأن محاولة طرد الفكرة بالقوة قد تجعلها أكثر حضورًا، فإذا جاءكِ التفكير فيه، لا تدخلي معه في حوار طويل: لماذا لم يتقدم؟ هل كان يحبني؟ هل ما زال يفكر بي؟ هل يمكن أن نلتقي؟ ماذا لو تغيرت الظروف؟ دعيك من كل ذلك، وأغلقي الباب على الشيطان؛ فإنه الأسلم لقلبك ودينك، فأنت لا تحتاجين إلى معركة يومية مع ذكراه؛ بل تحتاجين إلى التوقف عن تغذية تلك الذكرى.
أنتِ تقولين: (أحلم بالاستقرار مع شخص مريح وطيب المعشر، ولكنني لا أنفك عن التفكير فيه) وهنا أقول لكِ: إن جاءك الرجل الصالح الذي يطرق بابكم يريد الخير والستر، فاقبلي به، ليس لأنك تريدين نسيان العلاقة السابقة، ولكن لأن الزواج هو الحياة الحقيقية والواقعية، وفيه معاني الرحمة والسكينة، والعلاقات الأخرى مجرد أوهام تستنزف أعمار الشباب والبنات وأفكارهم، يدخلونها رغبة منهم في أن يعيشوا حياة الحب والرومنسية، ويخرجون منها مثقلين بالهم والتعب والتعلق، مع طرف آخر قد لا يهمه ما تعيشينه ولا ما تفكرين فيه.
لا تنتظري هذا الشاب، واقطعي كل وسائل التواصل، واقطعي حبال الأفكار التي أتعبتك، فما تعانينه هو مجرد أفكار، لم تستطيعي السيطرة عليها، فصرت تعيشين الأفكار والخيالات، التي تؤثر عليك وتتعبك بدون فائدة.
عيشي حياتكِ بصورة طبيعية، وإذا تقدم رجل صالح مناسب، فانظري إليه باعتباره إنسانًا مستقلًا، لا باعتباره بديلًا عن فلان، واسألي عن دينه وخلقه، وشخصيته، وطريقة تفكيره، ومسؤوليته، وعلاقته بأهله، ونظرته للزواج، ومدى توافقكما، ثم استخيري الله تعالى، وبعد ذلك اقبلي أو ارفضي بناءً على الواقع، لا بناءً على المقارنة مع شخص غائب، وقد قال النبي ﷺ: "إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه" رواه الترمذي، والمشاعر قد تأتي بعد الزواج وتنمو مع العشرة، وليست شرطًا أن تسبقها قصة طويلة.
- أغلقي منافذ التعلق تمامًا: وهذا يتطلب قرارًا عمليًا، لا مجرد أمنية، لذا أنصحك:
• لا تبحثي عن أخباره أو حساباته.
• لا تعيدي قراءة الرسائل القديمة.
• لا تسألي الأصدقاء عنه.
• لا تفسري المصادفات على أنها علامات.
• لا تتخيلي سيناريوهات الزواج واللقاء والعودة.
• لا تراقبي أخباره بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
• ولا تبادري بالتواصل معه مرة أخرى.
- اصنعي لنفسكِ خطة فك التعلق، لا تبحثي عن أخباره ولا غيرها، وعند ورود الفكرة لا تناقشيها؛ وقولي: اللهم إن كان خيرًا لي فاقدره لي، وإن لم يكن فاصرفه عني واصرف قلبي عنه"، ثم انتقلي لعمل آخر، املئي حياتكِ بدراسة، وعمل، وصديقات صالحات، ورياضة، ومشاريع، وتعلم، وعبادة، وأسرة، لا تتركي فراغًا كبيرًا يعود إليه العقل، وأكثري من القرآن والدعاء، خصوصًا في أوقات الخلوة، قال تعالى: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28].
وأطمئنكِ -أختي الكريمة-: سنتان من التعلق لا تعني أنكِ ستبقين هكذا إلى الأبد، القلب يتغير حين تتغير عاداته، والتعلق يضعف حين نتوقف عن إمداده بالخيال والانتظار والتتبع، وقد قال النبي ﷺ: "واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرًا" رواه أحمد. فلا تيأسي من نفسكِ، ولا تخافي من المستقبل، ربما يكون ما تعتبرينه اليوم "فقدًا" هو في الحقيقة حماية من الله تعالى لك ولدينك، وتمهيد لشيء أجمل مما كنتِ تتخيلين.
أسأل الله تعالى أن يحرر قلبكِ من كل تعلق يؤذيكِ، وأن يرزقكِ قلبًا مطمئنًا به، وأن يريكِ الخير خيرًا ويرزقكِ اتباعه، ويصرف عنكِ الشر ويصرف قلبكِ عنه، وأن يرزقكِ زوجًا صالحًا طيب المعشر، تجدين معه السكينة والمودة والرحمة، وأن يعوضكِ عن كل حيرة براحة، وعن كل انتظار بجميل عطائه، وأن يجبر قلبكِ جبرًا يليق بكرمه سبحانه.