قطع أخي علاقته بالعائلة بسبب مشكلة بسيطة، فهل هو مسحور؟
2026-09-02 23:57:41 | إسلام ويب
السؤال:
لدي أخٌ متفوق جدًا في الدراسة، ويدرس الطب في الجامعة، ولكن قبل سنتين حصلت مشكلة بسيطة بينه وبين أهلي، فقطع علاقته بهم، ومنذ ذلك الوقت لم يتحدث معهم أبدًا.
وقد حاول أهلي إصلاح العلاقة معه، وطلبوا من بعض أقاربنا التحدث إليه، لكنه كان يرفض الحديث مع أي شخص عن هذا الموضوع، حتى إن عمي ذكر سابقًا أنه يخشى الذهاب للتحدث معه بشأن الأمر.
كما أن أخي، قبل هذه المشكلة، كان بارًّا بوالديَّ، ولا يرفض لهما طلبًا، وكان صاحب دين ويبتعد عن المحرمات، وكانت تحدث بعض المشكلات أحيانًا، لكن أطول مدة للمقاطعة لم تكن تتجاوز أسبوعًا.
أريد أن أعرف: هل يمكن أن يكون أخي مسحورًا؟ لأنني أنا وإخوتي نشك في ذلك، وإذا كان الأمر كذلك، فما طريقة فك السحر؟
الإجابــة:
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ مريم حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
أهلاً بك موقعك إسلام ويب، ونسأل الله أن يصلح أخاك، ويؤلف بين قلبه وقلوب أهلك، ويرده إلى بر والديه وصلة رحمه ردًا جميلاً.
فالتغير المفاجئ في أخيك بعد أن كان بارًا بأهله، ثم استمرار القطيعة سنتين، أمر مؤلم ومحزن، ويدفع إلى هذا التساؤل المشروع، لكن لا يصح أن نقفز من هذا التغير إلى الجزم بأنه مسحور، فالسحر حق وثابت شرعًا، لكن تغير السلوك والخصومة مع الأهل والإصرار على القطيعة ليست في نفسها دليلاً كافيًا عليه، وقد تكون وراء موقفه أسباب لا تعرفونها أو تراكمات لم يفصح عنها، ولكي تتعاملوا مع الأمر بطريقة تجمع بين الشرع والحكمة، ننصحكم بما يلي:
أولاً: لا تجعلوا السؤال الأول: هل أخوكم مسحور؟ بل اجعلوه: لماذا وصل إلى هذه الدرجة من القطيعة؟ فقد وصفتم المشكلة بأنها «بسيطة»، ولكن ربما هو لا يراها كذلك، وقد يكون قد فهم موقفًا على غير وجهه، أو تراكم في نفسه شيء قديم ثم انفجر بسبب الحادثة الأخيرة، لذلك يحتاج الأمر إلى محاولة فهمه قبل تفسيره بأمر غيبي.
ثانيًا: لا تواجهوه بقولكم: «أنت مسحور» ولا تحاولوا إخضاعه للرقية بالقوة؛ لأن ذلك قد يزيد ابتعاده، وخاصة أنه يرفض أصلاً الحديث في الموضوع، ولو كان سبب القطيعة شعوره بأنه مظلوم أو غير مفهوم، فإن اتهامه بالسحر قد يجعله يعتقد بأنكم تلغون مشاعره، ولا تريدون سماع وجهة نظره.
ثالثًا: ابحثوا عن الشخص الذي يأمن له أخوكم، لا الشخص الذي تخشونه، أو يهابه، قد لا يكون العم، أو كبير العائلة هو الأنسب، بل صديق يحبه، أو أستاذ يحترمه، أو شخص قريب من سنه يطمئن إليه، وليبدأ معه من غير عتاب، ولا مطالبة بالعودة الفورية، وإنما يقول له بمعنى لطيف: نحن لا نريد إجبارك على شيء، ولكن نريد أن نفهم ما الذي جرحك إلى هذه الدرجة، وما الذي يمكن فعله لإصلاحه؟
رابعًا: مهما كان سبب غضبه، فإن هجر الوالدين، وقطع الكلام معهما مدة سنتين أمر خطير شرعًا، ولا يجوز أن تصبح الخصومة مسوغًا للعقوق، وقد قال الله تعالى: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾، بل أمر سبحانه بصحبتهما بالمعروف حتى عند أعظم الاختلاف فقال: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾، فإن كان له حق أو مظلمة فله أن يطالب بها، وله أن يضع حدودًا تمنع تكرر الأذى، لكن ذلك شيء، والقطيعة التامة والعقوق شيء آخر.
خامسًا: الرقية لا تحتاج إلى إثبات السحر حتى تفعلوها، لذا حصنوا أنفسكم وبيتكم بالقرآن والأذكار، واقرؤوا سورة البقرة، وحافظوا على أذكار الصباح والمساء، وأكثروا من الدعاء له، وإن رضي أخوكم بالرقية، فليرق نفسه بالفاتحة، وآية الكرسي، والإخلاص، والمعوذتين، والآيات والأدعية المشروعة، من غير تعلق برقاة غير موثوقين، ممن يستخدم الطلاسم، أو يسأل عن اسم الأم، ومن غير اتهام شخص بأنه صنع السحر.
سادسًا: لا تبحثوا عمن «فعل السحر» ولا تربطوا تغير أخيكم بشخص معين بلا بينة؛ فكم من أسرة أفسدت الشكوك علاقتها بأقاربها؛ لأن أحد الرقاة قال: السحر من شخص قريب، أو امرأة، أو شخص يحسدكم، وهذه دعاوى خطيرة لا يجوز بناء الاتهامات عليها.
والأهم الآن هو أن تفصلوا بين أمرين: تحصين أخيكم وأهلكم بالرقية والدعاء، وهذا خير مشروع في كل حال، وبين الجزم بأن أخاكم مسحور، وهذا لا نملك عليه دليلاً مما ذكرتم، وعليه: فاستمروا في الدعاء له، وخففوا محاولات الضغط الجماعية عليه، وابحثوا عن مفتاح قلبه قبل البحث عن تفسير غيبي لما حدث، وقد يكون إصلاح كلمة قيلت، أو اعتذار عن موقف، أو سماع شكوى ظل يحملها سنتين، أقرب إلى عودة أخيكم من كثرة الحديث معه عن السحر.
نسأل الله أن يهدي قلبه، ويصلح ما بينكم، ويجمع أسرتكم على المودة والبر، والله الموفق.