كيف أتواصل مع عائلتي الحقيقية دون أن أجرح الأسرة التي كفلتني؟

2026-09-03 02:36:35 | إسلام ويب

السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
عساكم بخير وعلى ما يرام.

لدي استفسار، وأرجو أن تجيبوني عنه: تكفلت بي عائلة منذ أن كان عمري يومين فقط، واهتمت بي، ولم ينقصني معها شيء من الحنان، لكنها لم تصرح لي من قبل بأنني لستُ ابنتها، وقد اكتشفتُ ذلك بنفسي، وكنتُ أعد هذا الموضوع حساسًا، فلم أسألهم عنه، وإنما غضضت الطرف عنه، وحتى الآن لم أخبرهم بأنني أعلم أنني لستُ ابنتهم.

وأنا أعرف عائلتي الحقيقية، وقد تواصلتُ مع أخ لي منذ مدة، لكنني لم أزرهم من قبل؛ لأنهم لم يسألوا عني مطلقًا، كما أنني لا أعرف أشكالهم.

وسؤالي الآن: بعدما عرفت الحقيقة، وأصبحت بالغة راشدة، ما واجباتي تجاههم؟ وهل يُعد عدم زيارتي لهم قطيعة للرحم، رغم أنهم لم يسألوا عني من قبل، وهل يُعد عدم اتصالي بوالديّ وعدم زيارتي لهما عقوقًا؟

وأخشى -خاصة- أن يزعج ذلك أسرتي الكافلة، أو يجعلهم يظنون أنني سأتخلى عنهم يومًا، أو أنني استبدلتهم بعائلتي الحقيقية.

فماذا أفعل؟ أرجو الإجابة، وجزاكم الله خيرًا.

الإجابــة:

بسم الله الرحمن الرحيم.
الأخت الفاضلة/ Naoh، حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

أهلًا بكِ في موقعكِ إسلام ويب، ونسأل الله أن يجزي الأسرة التي احتضنتكِ وربتكِ خيرًا، وأن يرزقكِ الحكمة والسكينة في هذه المرحلة الدقيقة من حياتكِ.

فأنتِ أمام نوعين من الحقوق، لا ينبغي أن تجعلي أحدهما عدوًا للآخر: حق النسب والرحم لوالديكِ وأسرتكِ التي وُلدتِ منها، وحق الإحسان والوفاء للأسرة التي ربتكِ منذ كان عمركِ يومين، وأحاطتكِ بالحنان والرعاية.

وليس الوفاء لهؤلاء خيانة لأولئك، ولا صلة أولئك تنكرًا لمن أحسنوا إليكِ، ولكي يتضح لكِ ما عليكِ، دون أن تخسري حقًّا بسبب حق آخر، نجيبكِ من خلال ما يلي:

• أولًا: والداكِ بالنسب هما والداكِ شرعًا، مهما كانت ظروف ابتعادكِ عنهما، فالنسب لا ينقطع بعدم التربية؛ ولذلك يبقى لهما أصل حق البر والصلة، قال تعالى: {وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا}، لكن مقدار ما تستطيعين القيام به ينبغي أن يراعى فيه واقعكِ وما مضى من حياتكِ، فأنتِ لم تنشئي في كنفهما، ولا تعرفينهما معرفة الابنة التي عاشت مع والديها، فلا تطالبي نفسكِ بأن تتولد في داخلكِ -فجأة- مشاعر صنعتها عند غيركِ سنوات التربية والمعايشة.

• ثانيًا: لا ننصحكِ باستمرار القطيعة الكاملة بعد أن عرفتِ أهلكِ، بل ابدئي بصلة هادئة ومتدرجة، ويمكنكِ الاتصال بوالديكِ، والسؤال عنهما، والسلام عليهما، ثم القيام بزيارة مناسبة إذا تيسر ذلك وأمنتِ تبعاتها، وليس المطلوب أن تنتقلي في يوم واحد من عدم المعرفة إلى علاقة شديدة القرب، وإنما المطلوب ألا تتعمدي هجرهما، وقطع كل سبيل إليهما، وما كان منهما من تقصير سابق لا يجعل مقابلة التقصير بالتقصير هي الطريق الأفضل، قال تعالى: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}.

• ثالثًا: لا تجعلي خوفكِ على مشاعر الأسرة التي كفلتكِ سببًا لإلغاء نسبكِ؛ لأن الانتساب يكون لعائتلك الأصلية، وقد ورد التحذير من ذلك في كلام نبينا صلى الله عليه وسلم: (من ادعى إلى غير أبيه وهو يعلم أنه غير أبيه فالجنة عليه حرام) لأنها حقوق تتعلق بالنسب والميراث والمحرمية وغيرها، لكن في الوقت نفسه لا تجعلي ظهور أسرتكِ الأصلية سببًا لجرح من أفنوا أعمارهم في تربيتكِ، فهؤلاء لهم عليكِ حق عظيم من الوفاء والإحسان، فقد حملوكِ طفلة لا تملكين لهم نفعًا، وأعطوكِ من الحنان -كما تقولين- ما لم تشعري معه بالنقص، والوفاء لمثل هذا الجميل من مكارم الأخلاق التي يحبها الله، قال سبحانه: {هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ}.

• رابعًا: من المهم ألا تنظري إلى الأمر بمنطق الاستبدال: «هؤلاء أو هؤلاء»، فالأسرة التي ربتكِ لها مكانتها التي صنعتها سنوات العمر، وأسرتكِ الأصلية لها حق النسب والرحم، والقلب يتسع للوفاء والصلة معًا، ويمكنكِ أن تطمئني كافليكِ -في الوقت المناسب- إلى أن معرفتكِ بأهلكِ وصلتكِ بهم لن تغير محبتكِ ووفاءكِ لهما، وأن الإنسان لا يستبدل عشرات السنين من الرحمة والتربية بمجرد اكتشاف نسبه.

• خامسًا: لا تحكمي على والديكِ الآن من خلال عبارة: «لم يسألا عني أبدًا»، قبل أن تعرفي القصة كاملة، فأنتِ تعرفين النتيجة، لكنكِ ربما لا تعرفين جميع الظروف التي سبقتها، وما الذي حدث عند ولادتكِ، وكيف انتقلتِ إلى الأسرة الأخرى، وما الذي منع التواصل طوال تلك السنوات، ونحن لا نبرر -بحال- ما حدث، لكننا نطلب منكِ أن تسمعي قبل أن تحكمي، فقد تعرفين أمورًا تغير بعض ما في نفسكِ، أو يتأكد لكِ تقصيرهما، وفي الحالتين تكونين قد بنيتِ موقفكِ على معرفة، لا على فراغات ملأها الظن.

ولا يلزمكِ أن تحسمي حياتكِ كلها الآن، بل ابدئي بخطوات صغيرة، اتصال وسؤال واطمئنان، ثم معرفة هادئة بتاريخكِ وأسرتكِ، ثم زيارة حين تكونين مستعدة لها، مع استمرار محبتكِ ووفائكِ الكامل لمن ربوكِ.

وبذلك تحفظين رحمكِ من غير أن تكسري قلوب من احتضنوكِ، وتحفظين جميل من ربوكِ من غير أن تنكري أصلكِ ونسبكِ.

ولعلَّ أجمل ما تحملينه في هذه القصة ألَّا تسألي: أي الأسرتين أختار؟ بل اسألي: كيف أعطي كل ذي حق حقه؟ فأسرة أعطتكِ النسب، وأسرة أعطتكِ التربية والحنان، وقدركِ الآن أن تجمعي بين صلة الرحم والوفاء بالجميل.

كتب الله لكِ الخير كله، والله الموفق.

www.islamweb.net