رفض الزواج وإصرار الأب: كيف يُعالج الخلاف الأسري؟
2026-09-03 02:41:31 | إسلام ويب
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
منذ أسبوع وبضعة أيام، تقدم أحد معارف والدي وأقاربه لخطبة أختي الكبرى لابنه، فوافق والدي من دون أن يتأكد من قبول أختي لهذا الأمر أو رفضها؛ لأنه يرى أنه مناسب لها، وأنه شاب صالح.
وعندما علم والدي برفضها، أصر على موقفه، وقال: إنه أعطى الناس كلمته، وأخبرهم بالموافقة، وإنه أعلم بما يصب في مصلحتها؛ وهذا ما سبب ضغطًا شديدًا على أختي.
وقد رفضت أختي لأسباب يراها كبار عائلتنا واهية وغير صحيحة، منها أنها لم تستطع تقبله، وأنها لا تستطيع تحمل المسؤولية، وأنها تريد إكمال دراستها، والحصول على شهادتها الجامعية، ثم العمل.
وقد صلت أختي صلاة الاستخارة مدة سبعة أيام، لكنها ما زالت تقول: إنها غير متقبلة لهذا الزواج، ولا سيما أن والدي أرغمها عليه.
وبعد رفض قاطع منها، وإرغام شديد من والدي، قال لها: إن رفضها عصيان لكلمته، رغم أنه هو من رباها وعلمها، كما هددها بأنه لن يسمح لها بإكمال دراستها بسبب عصيانها، واتهم والدتي بأنها تعلمها ذلك -رغم أن والدتي لم تتدخل في الأمر من الأساس-.
وفي النهاية، وافقت أختي على مضض بعد كثير من المشكلات، وقالت: إنها ستقبل بهذا الزواج رغم رفضها له؛ حتى لا يتسبب والدي في مشكلات مع والدتي وجدي وجدتي.
وعندما تحدثت مع والدي، ذكّرته بقول الرسول ﷺ: «لَا تُنْكَحُ الْبِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ»، وطلبت منه أن يجلس مع أختي ويتفاهم معها بدلًا من إرغامها، وأخبرته بأنه إن أجبرها على الزواج فسيظلمها.
ولكنني حين تحدثت إليه كان في شدة غضبه، وقد احتد النقاش بيننا، ولم أكن أعلم -عندما بدأت الحديث معه- أنه غاضب إلى هذه الدرجة، فأخبرني بأنني ابنة غير بارة، ولا أستمع إلى أمر والدي، وأنني أقلل من شأن كلمته أمام الناس.
وأعلم أن من العقوق أن أرفع صوتي على والدي أو أحتد معه في الكلام، لكن كل ما أردته هو قول الحق.
فماذا أفعل الآن، بعد أن قال والدي كلامًا قاسيًا، وفعل أمورًا أشد قسوة، وأنا لا أعلم كيف أطلب منه السماح، ولا كيف سأكمل أيامي القادمة على هذا الحال؟
الإجابــة:
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ إيمان حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
مرحبًا بكِ -بنتنا الفاضلة- في الموقع، وشكرًا لكِ على الحرص على البر، والرغبة في الاعتذار عن رفع الصوت مع الوالد ومجادلته، وشكرًا لكِ مرة أخرى على الاهتمام بأمر هذه الشقيقة، التي نسأل الله أن يعينها على تجاوز هذه الصعاب، ونسأل الله -تبارك وتعالى- أيضًا أن يُعين الوالد على تفهم هذه الصعوبات، ونسأل الله لنا ولكم التوفيق والسداد.
أرجو أن ندرك دائمًا أن كلمة الأب، وأن العادات والتقاليد، تحتاج مِنَّا إلى صبر، وتحتاج مِنَّا إلى حكمة في التعامل معها، والشرع واضح في هذه المسألة، ودور الآباء والأمهات والأولياء جميعًا هو دور إرشادي توجيهي، والفتاة هي صاحبة المصلحة، والأدلة تُؤيِّد ما تفعله ابنتنا.
لكننا نذكرها بكلام الأنصارية التي قالت للنبي ﷺ: «زَوَّجَنِي أَبِي مِنِ ابْنِ أَخِيهِ لِيَرْفَعَ بِي خَسِيسَتَهُ وَأَنَا كَارِهَةٌ»، فرد النبي ﷺ أمرها إليها، وقال: «أَمْرُكِ إِلَيْكِ»، فأنتِ صاحبة القرار، فقالت: «يَا نَبِيَّ اللَّهِ، قَدْ أَجَزْتُ مَا صَنَعَ أَبِي، وَلَكِنْ أَرَدْتُ أَنْ يَعْلَمَ النَّاسُ أَنْ لَيْسَ لِلْآبَاءِ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ»، أي: مسألة الإجبار، لكنها قالت: «قَدْ أَجَزْتُ مَا صَنَعَ أَبِي».
وهذا ما ننتظره من شقيقتكِ، ومن حقها بعد ذلك أن تشترط إكمال الدراسة، وستكمل دراستها إذا كانت صاحبة رغبة، وعليها أن تدير الحوار مع زوجها إذا عقد عليها وتم العقد عليها، عند ذلك تتشاور معه في أمر الدراسة وفي أمر إكمالها، والحمد لله في المراحل المتأخرة من التعليم تستطيع الأخت والبنت دائمًا أن تُكمل دراستها، وسيكون هناك خير كثير في طاعتها لوالدها.
وأرجو أن تُكمل، والذي فهمناه الآن أنها ستفعل ذلك رغبة في إرضاء الوالد، وهي بلا شك مأجورة على هذا العمل، وسيأتيها الخير.
أمَّا بالنسبة لكِ، فأرجو أن تعتذري للوالد، وتطيبي خاطره، ونبشركِ بأن قلب الوالد طيب، وسيعود ويرضى عنكِ، ويرضى عنها، ويرضى عن الوالدة، وإن شاء الله سيكون خير في هذا الزواج، والمرأة لا بد أن تُدرك أن الله خلق النساء للرجال، وللرجال خلق النساء، ولن تفوز الفتاة بشاب بلا نقائص، ولن يفوز الشاب بفتاة بلا عيوب، فنحن بشر والنقص يطاردنا، وطوبى لمن تغمر سيئاته في بحور حسناته.
نسأل الله أن يجمع بينهما في الخير، وأن يُعينها على تجاوز هذه الصعوبات، وأن يعينكم جميعًا على إرضاء الوالد؛ نحن لا نؤيد الوالد في الذي فعله، لكن أيضًا إذا كان مصرًّا فيبقى الوالد والدًا، وفعلًا هذا في المجتمعات في البلاد العربية هذا يُسبب له حرجًا كبيرًا؛ أن تخرج البنت عن طاعته، وأن تخرج الزوجة عن طاعته، وألَّا يسمعوا كلامه بعد أن أعطى للرجال كلمة.
نحن نتمنى لو أنه لم يتخذ هذا السبيل، ولو أنه شاور البنت، وشاور أمها، وراعى هذا الجانب الشرعي، فهذا كان من الأهمية بمكان، لكن أَمَا ولم يحدث هذا فأرجو أن تُقدِّموا البر، وما من فتاة قدمت البر لوالدها، ورضيت بما رضيه الوالد، إلا كانت العواقب ومآلات الأمور معها من خير إلى خير، وهذا ما ننتظره لابنتنا، التي يبدو أنها ستقبل وتنفذ طاعة لوالدها، ونسأل الله -تبارك وتعالى- أن يكون هذا الزوج أيضًا مُقدّرًا لها، عارفًا بمصلحتها، وأن تجتهدي في ترميم العلاقة بينكِ وبين الوالد.
وعليكِ أن تعلمي أننا عندما نتكلم مع الوالد، لا بد أن نكون لطفاء، كما فعل الخليل: {يَا أَبَتِ}، {يَا أَبَتِ}، {يَا أَبَتِ}، وإذا اشتد الوالد، ينبغي أن نسكت ونخرج؛ لأنه لَمَّا قال أبيه: {لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا}، مع أن الخليل كان يحاجه في قضية التوحيد، قال: {سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا}، وبعد ذلك هجره، وظلَّ يدعو لوالده حتى نهاه الله -تبارك وتعالى- كما هو معروف.
فإذا جادلنا الوالد وناقشناه، أو الوالدة، ما ينبغي أن نرد كلمة بكلمة، بل ينبغي أن نسكت إذا غضبوا، ثم نأتي فنقدم صنوفًا من البر والاعتذار والإكرام، ولا مانع بعد ذلك أن نعيد النقاش.
لذلك هذا ما ينبغي أن تنتبهي له، وأنتِ مشكورة ومأجورة، ونحن سعداء بهذه الروح التي تحرصين فيها على البر، هذه الروح التي حاولتِ بها أن تدافعي عن أختكِ، كلُّ ذلك ممَّا تؤجرين عليه، ولكن نريد أن ندعوكم إلى ترميم العلاقة مع الوالد، وتنفيذ هذا الطلب الذي أراده، وإن شاء الله تكون العواقب خيرًا.
ونسأل الله -تبارك وتعالى- لنا ولكم التوفيق والسداد.