هل أستطيع بناء مستقبلي المهني بعد سنوات المرض والبطالة؟

2026-09-02 01:12:45 | إسلام ويب

السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

بعد مرور خمس عشرة سنة على إصابتي بمرض الذهان المزمن؛ ذلك المرض الذي سلبني صحتي ودرجاتي الدراسية التي كنت أفتخر بها، وعرّفني على نفسي أكثر من خلال تجربة قاسية جدًا، ظلت محفورة في قلبي قبل عقلي، وبعد مرور سبع سنوات على تخرجي في كلية العلوم الاقتصادية، فرع التسيير -أي بعد سبع سنوات من البطالة- قررتُ أن أدرس في دورة تدريبية للعمل مساعدًا لطبيب في القطاع الخاص.

وقد اتخذت هذا القرار مع توجه الدولة إلى إلغاء منحة البطالة، وعدم منحها للشباب العاطلين عن العمل المسجلين في وكالة تشغيل الشباب، وأنا واحد ممّن لم يجدوا عملًا؛ ولذلك: قررت الالتحاق بهذه الدورة قبل تطبيق هذا القرار.

فأنا أحب الطب والأطباء، وقبل مرضي، كنتُ سأختار شعبة العلوم التجريبية، وأدرس جيدًا لأصبح ممرضًا أو طبيبًا، لكن قدَّر الله وما شاء فعل، فقد درستُ الاقتصاد بضغط من الأسرة، ومرضتُ للسبب نفسه، وهو وجود مشكلات عائلية قاهرة.

ولعلكم تتساءلون: لماذا لم أدرس التمريض قبل ذلك؟ والجواب أن ما تسبب في بقائي عاطلًا عن العمل سنوات هو أيضًا المشكلات العائلية القاهرة نفسها، وحسبنا الله ونعم الوكيل في كل ظالم.

وأنا أريد أن أدرس أي شيء، وأن أعمل في أي مجال، فشبح البطالة مخيف، والعزلة والفراغ يسببان المرض، ولذلك، فإن المؤمن يأكل من كسب يده، ولو عمل في أبسط المهن، وكما قال الشيخ الفوزان: يطلب الرزق ولو كان حجامًا، فالمهم أن يأكل من كسب يده.

وأسأل الله تعالى أن يَمُنَّ عليّ -في القريب العاجل- بعمل مستقر في القطاع الصحي أو الإداري، ولا سيما أن ظروفنا بعد وفاة والدي أصبحت صعبة جدًّا، مع وجود دخل قليل، ولا أستطيع أن أتخيل حياتي بعد انقطاع منحة البطالة.

ولذلك، سوف أسعى إلى أي عمل شريف، ولا سيما أنني بلغت الثالثة والثلاثين من عمري من دون عمل، أو زواج، أو سكن خاص بي، كما أن الدولة لم تمنحني حقي في السكن، رغم أن لدي ملفًا للسكن في الدائرة منذ سبع سنوات، وحسبنا الله ونعم الوكيل في كل مسؤول لا يعطي كل ذي حق حقه.

وأعمل أيضًا على تطوير نفسي في اللغات، إذ أريد أن أستعيد مستواي السابق فيها، فقد كنت أجيد اللغتين الإنجليزية والفرنسية.

كما أريد أن أحفظ القرآن الكريم من جديد، فقد حفظته في صغري، لكنني نسيته الآن، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

إن العلم هو النور الذي نحيا به، ولذلك، فإن تطوير أنفسنا فيه مفتاح للحياة العملية والمهنية في الدنيا والآخرة.

وأريد منكم نصائح أخرى تعينني على العمل والحصول على وظيفة، فإنني أدعو الله تعالى كل يوم بالفرج القريب إن شاء الله.

الإجابــة:

بسم الله الرحمن الرحيم.
الأخ الفاضل/ محمد حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أهلًا بك في موقعك إسلام ويب، ونسأل الله أن يعوضك عن سنوات الشدة والانتظار، وأن يفتح لك باب رزقٍ كريمٍ، ويبارك لك في علمك وعمرك، وبعد:

فرسالتك على ما فيها من ألمٍ تحمل معنى جميلًا ينبغي أن تتمسك به، وهو أنك لم تعد تريد انتظار تغير الظروف، بل قررت أن تتحرك وتتعلم وتبحث عن عملٍ شريفٍ، وهذه نقلةٌ مهمةٌ؛ لأن سبع سنواتٍ من البطالة لا ينبغي أن تتحول في داخلك إلى حكمٍ بأن السنوات القادمة ستكون مثلها، كما أن الثالثة والثلاثين ليست سنًا متأخرةً لبدايةٍ جديدةٍ، ولكي يتحول هذا الأمل إلى خطواتٍ عمليةٍ، ننصحك بما يلي:

• أولًا: لا تجعل الماضي هو الذي يعرفك، لقد فقدت أشياء كثيرةً كنت تعتز بها، وتعطلت سنواتٌ من حياتك، لكنك ما زلت خريج كليةٍ، وتملك أساسًا في الفرنسية والإنجليزية، ولديك رغبةٌ في التعلم والعمل، قال تعالى: {وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ}، فالماضي يفسر بعض ما حدث لك، لكنه لا يملك أن يقرر ما بقي من عمرك.

• ثانيًا: قرارك بتعلم مهارةٍ جديدةٍ قرارٌ حسنٌ، ولكن اختر ما تتعلمه على أساس فرص العمل الحقيقية، لا على أساس محبتك للمجال وحدها، فإذا أردت العمل في القطاع الصحي، فاسأل قبل التسجيل: هل هذه الدورة معترفٌ بها؟ وما الوظائف التي تؤهلني لها؟ وهل المؤسسات توظف أصحاب هذه الشهادة؟ لا تنفق وقتك ومالك على شهادةٍ جميلةٍ لا تفتح بابًا للعمل.

• ثالثًا: وسع دائرة البحث ولا تحصر نفسك في الوظيفة التي تناسب شهادتك الجامعية تمامًا، ابحث في الإدارة، والاستقبال، وخدمة العملاء، والسكرتارية، والمبيعات، والمؤسسات الصحية، والعيادات والمختبرات والمراكز المختلفة، وكل عملٍ مباحٍ تستطيع القيام به، البداية المتواضعة ليست هزيمةً؛ فكثيرٌ من الناس دخلوا سوق العمل من بابٍ صغيرٍ ثم فتحت لهم منه أبوابٌ أكبر.

• رابعًا: اجعل البحث عن العمل نفسه عملًا يوميًّا، خصص وقتًا ثابتًا لإعداد سيرتك، وإرسال الطلبات، وزيارة المؤسسات، والتواصل مع المعارف، ومتابعة الإعلانات، وتعلم مهارةٍ مطلوبةٍ، ولا تكتفِ بالتسجيل في جهة توظيفٍ وانتظار اتصالها بك؛ فالرزق مكتوبٌ، لكن الله أمرنا بالسعي، قال تعالى: {فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ}.

• خامسًا: أحسنت في العودة إلى القرآن واللغات، لكن لا تفتح على نفسك عشرة مشروعاتٍ دفعةً واحدةً، اجعل لك برنامجًا تستطيع الاستمرار عليه: قدرٌ يوميٌّ من القرآن تستعيد به محفوظك، ووقتٌ لإحدى اللغتين، ومهارةٌ مهنيةٌ واحدةٌ تطورها، وساعاتٌ محددةٌ للبحث عن الوظيفة، القليل المستمر سيغيرك خلال عامٍ أكثر من بداياتٍ كثيرةٍ تنقطع بعد أسابيع.

• سادسًا: لا تجعل الوظيفة والسكن والزواج كتلةً واحدةً تقول بسببها: «حياتي كلها متوقفةٌ»، افصل الملفات، اسعَ الآن إلى مصدر دخلٍ، وطور مهاراتك بالتوازي، وتابع حقك في السكن بالطرق النظامية، وإذا تيسر الزواج فلا تشترط أن تكتمل حياتك ماديًّا قبل أن تبدأ التفكير فيه، فبعض الأبواب يفتح بعضًا.

وأما ما وقع عليك من ظلمٍ أو تقصيرٍ من بعض الناس، فاطلب حقك بالوسائل المشروعة، لكن احذر أن تستهلك بقية عمرك في محاكمة من أضاعوا بعض ماضيك، حتى لو كان غيرك سببًا في تعطيل سنواتٍ منك، فلا تمنحه دون أن تشعر سلطة تعطيل السنوات القادمة أيضًا، وإن كان شيئاً من الماضي فحاول نسيانه، تذكره لا يعود عليك إلا بالهم والضيق.

هذا وأكثر من الدعاء، ولكن اجعل مع كل دعاءٍ خطوةً؛ فإذا قلت: «اللهم ارزقني» فأرسل طلبًا، وإذا دعوت بالتوفيق فتعلم مهارةً، وإذا سألت الله فتح الأبواب فاطرقها، فقد قال النبي ﷺ: «احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلَا تَعْجَزْ».

ابدأ من حيث أنت، لا من حيث كنت تتمنى أن تكون، فلست مطالبًا الآن باستعادة خمسة عشر عامًا في سنةٍ واحدةٍ؛ يكفي أن تجعل السنة القادمة أفضل من السابقة، ثم التي بعدها أفضل منها، وستكتشف أن الإنسان قد يبدأ فصلًا جديدًا من حياته في وقتٍ ظن فيه أن القصة أوشكت أن تنتهي.

نسأل الله أن يفتح لك أبواب الرزق الحلال، ويبارك لك في علمك وسعيك، وييسر لك عملًا كريمًا مستقرًّا، ويرزقك الزوجة الصالحة والسكن المبارك، ويعينك على استعادة حفظ كتابه، ويعوضك عن سنوات الشدة والحرمان خيرًا، ويجعل القادم من عمرك أوسع أملًا وبركةً مما مضى، والله الموفق.

www.islamweb.net