زوجي لا يستقر في عمل ويعيش بعيدًا عنا، فهل أنفصل عنه؟

2026-09-17 00:22:47 | إسلام ويب

السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أنا امرأة متزوجة، ولديَّ ولدان، وأعيش في أوروبا مع زوجي منذ سبع سنوات، لكن المشكلة أن زوجي لا يحب الحياة هنا، وكلما عمل في عمل يتركه، وتحدث بيننا مشكلات وخلافات بسبب اللغة والعمل، ولا أشعر معه بالراحة.

وفي عطلة الصيف ذهبنا في إجازة إلى بلدنا، ثم جعلني أعود أنا والأولاد إلى أوروبا، وبقي هو هناك وحده حتى يرتب أموره ويجد عملًا، وأنا متضايقة من ذلك؛ لأنني أقول له: ارجع، فالمسؤولية كلها عليَّ، وكيف تستطيع أن تعيش بدوننا؟ فيقول لي: "ماذا تريدين مني؟ هل أرجع وأعمل ثم أتعبكِ معي؟ وسآتي لزيارتكم ثم أعود مرة أخرى إلى بلدنا".

وأنا الآن أفكر في طلب الطلاق؛ لأنني منذ أن تزوجتُ وأنا أعاني معه، وحتى الآن لم يستطع تحسين حاله، لكنني أخاف أن أكون قد ظلمتُه بهذا القرار، وحتى أهلي يقفون معي، ويقولون لي: إنه لن يتغير، وكم فرصة أعطيتِه من قبل!

أتمنى أن تقدموا لي نصيحة؛ لأنني تعبتُ من كثرة التفكير.

الإجابــة:

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ Lyan حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

أهلًا بكِ في موقعكِ إسلام ويب، ونسأل الله أن يفرج همكِ، ويصلح زوجكِ، ويكتب لكِ ولولديكِ ما فيه السكينة والاستقرار، وبعد:

فمن رسالتكِ يظهر أن المشكلة ليست مجرد كراهية زوجكِ للحياة في ألمانيا، وإنما أنكِ عشتِ سنواتٍ مع عدم استقرارٍ في العمل، وخلافاتٍ متكررةٍ، ثم انتهى الأمر بأن بقي زوجكِ في بلدكم وأعادكِ أنتِ وولديكِ إلى ألمانيا، بينما تحملين وحدكِ أعباء الحياة والأولاد.

وطبيعيٌّ بعد سبع سنواتٍ أن تتعبي وأن تسألي: إلى متى؟ ولكننا في الوقت نفسه لا نرى أن يكون الطلاق أول قرارٍ قبل محاولةٍ أخيرةٍ واضحةٍ ومحددةٍ للإصلاح. ولكي لا يبقى قراركِ متأرجحًا بين خوفكِ من ظلمه وبين خوفكِ من استمرار المعاناة، فانظري إلى الأمور الآتية:

• أولًا: الزوج مسؤولٌ عن أسرته، والزواج ليس مجرد نفقةٍ أو زياراتٍ متقطعةٍ، بل سكنٌ ومعاشرةٌ وقيامٌ على شؤون الزوجة والأولاد، قال تعالى: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ}. وليس من الطبيعي أن يقرر الزوج من طرفٍ واحدٍ أن تعيش زوجته وولداه في بلدٍ، وهو في بلدٍ آخرَ زمنًا مفتوحًا، ثم يقول: «آتِيكُمْ زِيَارَةً وَأَعُودُ»، إلَّا إذا كان هناك اتفاقٌ بينكما، أو حاجةٌ مؤقتةٌ لها نهايةٌ واضحةٌ.

• ثانيًا: ينبغي أن تفهمي منه ماذا يريد بالضبط، لا أن يستمر الوضع معلقًا، هل يريد العودة إليكم بعد ترتيب عمله؟ ومتى؟ أم يريد الاستقرار نهائيًّا في بلدكم؟ وإذا كان يريد ذلكَ، فهل يطلب منكم العودة إليه؟ وأين ستعيش الأسرة؟ ومن أين ستكون النفقة؟ وكيف ستكون دراسة الأولاد وحياتهم؟ المشكلة الآن أن الأسرة لا تستطيع أن تعيش على خطةٍ غير محددةٍ.

• ثالثًا: لا تجعلي السؤال: «كَيْفَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَعِيشَ بِدُونِنَا؟» هو أساس الحكم عليه؛ فالناس يختلفون في التعبير عن مشاعرهم، وقد يتحمل هو البعد بطريقةٍ تختلف عنكِ، ولكن السؤال الأهم: هل يقوم بمسؤوليته تجاهكم؟ وهل لديه مشروعٌ واقعيٌّ لجمع الأسرة من جديدٍ؟ وهل يبذل جهدًا حقيقيًّا في ذلكَ أم يهرب كلما واجهته صعوبةٌ؟

• رابعًا: قول أهلكِ إنه لن يتغير ينبغي أن تسمعيه باعتباره نصيحةً ممن يعرفون حالكِ، ولكنه لا يكفي وحده لاتخاذ قرار الطلاق، فأنتِ التي عشتِ معه سبع سنواتٍ، فانظري إلى الوقائع: كم مرةً وعد بالتغيير؟ وماذا فعل؟ وهل التحسن يستمر أم يعود الوضع كما كان؟ وحيث إن الحكم يكون على نمط السلوك الممتد، لا على وعدٍ جديدٍ يقوله عند الخوف من الطلاق.

• خامسًا: قبل طلب الطلاق اجعلي بينكما محاولةً أخيرةً مختلفةً عن المحاولات السابقة: جلسةً جادةً، ولو عن بعدٍ، بحضور شخصٍ حكيمٍ من أهلكِ وشخصٍ يثق به من أهله إن أمكن. لا تكون الجلسة لإعادة تفاصيل السنوات السبع، وإنما لوضع خطةٍ محددةٍ: أين ستعيش الأسرة؟ ومتى يجتمع شملها؟ وما مسؤوليته في النفقة والأولاد؟ وما خطته للعمل؟ وما المدة الواقعية لتنفيذ ذلكَ؟ ثم يكون لكل وعدٍ موعدٌ يمكن قياسه، بدلًا من «سَأُرَتِّبُ أُمُورِي» بلا نهايةٍ.

• سادسًا: إذا رفض أي حلٍّ، وأصر على أن تعيشي أنتِ والأولاد في أوروبا، وهو يعيش في بلدكم ويزوركم متى شاء، وأصبحت المسؤولية الفعلية كلها عليكِ، واستنفدتِ وسائل الإصلاح، فلا يلزمكِ شرعًا أن تبقي إلى ما لا نهايةٍ في حياةٍ تضررتِ منها. وطلب المرأة الفراق عند وجود الضرر وتعذر العشرة ليس ظلمًا للزوج، فالظلم شيءٌ، وأن تقولي بعد سنواتٍ من المحاولات: «لَمْ أَعُدْ أَسْتَطِيعُ هَذِهِ الْحَيَاةَ» شيءٌ آخرٌ.

وفي المقابل، إن كان الرجل مستعدًّا فعلاً لجمع الأسرة، ولكن المشكلة أنه لا يستطيع التأقلم في ألمانيا، فناقشا احتمال أن تكون الحياة المشتركة في بلدٍ آخرَ أنسب لكم جميعًا، إذا كان ذلكَ ممكنًا ويحفظ مصالح الأولاد؛ فالمقصود ليس أن ينتصر اختيار ألمانيا أو اختيار بلدكم، وإنما أن تعود الأسرة إلى حياةٍ مشتركةٍ مستقرةٍ.

ولا تتخذي قراركِ وأنتِ في ذروة الغضب أو الاشتياق، ولا تجعلي خوفكِ من لقب «مُطَلَّقَةٍ» يجبركِ على احتمال حياةٍ لا تستقيم، كما لا تجعلي تعب السنوات يدفعكِ إلى إنهاء زواجٍ يمكن إصلاحه بخطةٍ حقيقيةٍ.

أعطي الإصلاح فرصةً أخيرةً، ولكن هذه المرة لا تكون فرصةً مفتوحةً بلا شروطٍ ولا زمنٍ، فإن استجاب وأظهر تغييرًا بالفعل لا بالكلام، فأعينيه على بدايةٍ جديدةٍ. وإن عاد التسويف نفسه، وبقيتِ أنتِ أمًّا وأبًا للولدين وهو زوجٌ يزور أسرته من حينٍ إلى آخرَ، فقد أصبحتِ أمام واقعٍ تستطيعين تقييمه بوضوحٍ، وعندها استشيري أهل الحكمة والاستخارة في قرار الفراق، دون أن تعيشي تحت شعور أنكِ تظلمينه لمجرد أنكِ طلبتِ حقكِ في حياةٍ زوجيةٍ مستقرةٍ.

نسأل الله أن يصلح زوجكِ، ويجمع شمل أسرتكم على خيرٍ، ويرزقه عملًا واستقرارًا، ويعينه على تحمل مسؤوليته، ويشرح صدركِ للقرار الذي فيه صلاحكِ وصلاح ولديكِ، فإن كان الخير في استمرار زواجكما أن يؤلف بينكما ويصلح حالكما، وإن كان الخير في غير ذلكَ أن يقدره لكِ برفقٍ ويعوضكِ خيرًا.

والله الموفق.

www.islamweb.net