أخشى أن يعذبني الله بذنوبي التي أعود إليها المرة بعد المرة!
2026-09-19 23:30:41 | إسلام ويب
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
من فضلكم، أريد أن أعرف كيف يمكن أن أربي هذه النفس، فأنا أريد أن أتقرب من الله، ولكنني الآن في مرحلة انتكاسة، وذلك بعد أن كنتُ متقربة من الله سبحانه، وفي بعض المرات أتعب من محاولتي المستمرة دون فائدة أحيانًا، فقد كنتُ أحاول أن أزرع شعور الخوف في نفسي؛ لأبتعد عن الحرام، ولكنني في بعض المرات لا أستطيع أن أتحمل هذا الخوف الذي يعذبني، فعندما أرتكب ذنبًا أركز عليه كثيرًا، وأقول: إن الله لم يعد يحبني، وإنني بسبب هذا الذنب سأُحرم من معيته.
أنا في الحقيقة أريد أن أحب الله، وأحب لقاءه؛ لأنه سبحانه أعانني حتى عندما لم أكن ملتزمة بالفرائض، فكيف لا يعينني الآن، ويعذبني، وأنا أفعل كل ما بوسعي؟ ولكن ما يؤلمني هو أنني عندما أرتكب ذنبًا، وأنا أعرف أنه ذنب، لا أستطيع التخلي عنه، فقد حاولتُ كثيرًا، ولكنني أعود إليه في كل مرة.
لا أعرف الآن: هل الله يعذبني بذنوبي؟ لأنني لم أعد أؤدي صلاة الفجر في وقتها، رغم أنني -الحمد لله- ألتزم بكل الصلوات الأخرى، والقرآن حاضر في يومي، ولكن ذلك الشعور بحضور الله في يومي لم يعد كما كان في الماضي، ولا أعرف الآن: هل انشغالي ببحث التخرج، والدراسة، والعمل، فضلًا عن أنني أعاني من نقص في الحديد، وأشعر بالإعياء الشديد بسبب العمل، جعلني أنسى ديني، أم أن الله لم يعد يحبني؟
تأتيني أسئلة كثيرة، مثل: هل يمكن أن يعذبني الله بذنبي، رغم أنني حاولت وتعبت؟ لا أعرف ماذا أفعل؟ فانصحوني، جزاكم الله خيرًا، كما أريد أن أعرف كيف أعود إلى أداء صلاة الفجر في وقتها، وكيف يفهم الإنسان نفسه؟ وكيف يعرف أنه حاول، وألا يجلد ذاته؟ وكيف يخلق توازنًا في هذه الحياة؟
وهذا العام هو أول عام يكون لديَّ فيه دخل خاص بي، فكيف أوزع مالي؟ فأنا أريد أن يكون لعائلتي نصيب منه، وللصدقة نصيب، ولإخواننا في غزة نصيب، مع العلم أن المال ليس كثيرًا، ولا أعرف من الأولى، ولا كيف أقوم بواجباتي تجاه رزق الله.
• هل الله يعذبني بذنوبي، رغم أنني أحاول وأتعب؟
• كيف أعود إلى صلاة الفجر في وقتها؟
• كيف يفهم الإنسان نفسه، ويعرف أنه حاول، دون أن يجلد ذاته؟
• كيف أستطيع أن أخلق توازنًا في حياتي؟
• كيف أوزع مالي بين عائلتي، والصدقة، وإخواننا في غزة؟
الإجابــة:
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ Nour، حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
أهلًا بكِ في موقعكِ إسلام ويب، ونسأل الله أن يرد قلبكِ إليه ردًا جميلًا، ويعينكِ على طاعته، ويبارك لكِ في دراستكِ وعملكِ ورزقكِ.
فنحمد الله إليكِ هذه النفسية التي تقوم على المحاسبة، والتي تدل -إن شاء الله- على خيرٍ فيكِ؛ فأنتِ محافظةٌ على الصلوات في الجملة، والقرآن حاضرٌ في يومكِ، وتجاهدين نفسكِ في ترك الذنب مع دراسةٍ وعملٍ وإرهاقٍ، وعندكِ فتورٌ وتقصيرٌ يحتاجان إلى إصلاحٍ.
ولكن المشكلة أنكِ كلما ضعفتِ في جانبٍ جعلتِ ذلكَ دليلًا على أن الله لم يعد يحبكِ، فتحول الذنب من أمرٍ تتوبين منه إلى بابٍ لجلد الذات والخوف من الله خوفًا يرهقكِ، ولكي تستعيدي التوازن في علاقتكِ بالله وحياتكِ؛ فانتبهِي إلى هذه الأمور:
• أولًا: لا تربي نفسكِ بالخوف وحده؛ فالمؤمن يسير إلى الله بالمحبة والخوف والرجاء؛ قال سبحانه: {نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ}، والخوف النافع هو الذي يمنعكِ من المعصية ويعيدكِ إذا زللتِ، لا الذي يجعلكِ تعيشين معذبةً تظنين أن كل ذنبٍ طردكِ من رحمة الله.
• ثانيًا: لا تقولي بعد الذنب: "الله لم يعد يحبني"، بل تذكري قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ}؛ فإذا كنتِ كلما وقعتِ ندمتِ وحاولتِ الترك وعُدتِ إلى الله فأنتِ في باب المجاهدة والتوبة، وابحثي أيضًا عن الأسباب التي تعيدكِ إلى الذنب: من فراغٍ، أو هاتفٍ، أو صحبةٍ، أو وقتٍ معينٍ، أو غير ذلكَ، ثم أغلقي أبوابه قدر استطاعتكِ.
• ثالثًا: لا تجزمي بأن ما تجدينه الآن عقوبةٌ من الله بسبب ذنوبكِ؛ فنحن لا نعرف مراد الله الخاص من كل ما يقع لنا، فالتعب والفتور وتعثر بعض الأمور قد تكون لها أسبابٌ كثيرةٌ، وليس كل مشقةٍ عقوبةً، كما أن كل رخاءٍ ليس دليلًا على الرضا، وعليه فتوبي من الذنب لأنه ذنبٌ، ولا تفسري به كل ما يحدث لكِ.
• رابعًا: لا تجعلي الشعور بالقرب من الله مقياس إيمانكِ الوحيد؛ فالمشاعر تتغير، وقد تمر بالإنسان مرحلةٌ يؤدي فيها الطاعة بسهولةٍ ولذةٍ، ثم تأتي مرحلةٌ يؤديها بالمجاهدة، وربما كان ثباته في الثانية دليلًا عظيمًا على صدقه؛ لأنه يعبد الله حتى حين لا يجد الشعور الذي كان يجده سابقًا.
• خامسًا: أما صلاة الفجر؛ فعالجيها بالأسباب البسيطة: النوم مبكرًا قدر الإمكان، وتقليل السهر والهاتف، ووضع المنبه بعيدًا عن الفراش، والاستعانة بمن يوقظكِ، وإذا غلبكِ النوم بعد أخذ الأسباب فصلي حين تستيقظين، ولا تحولي بقية اليوم إلى محاكمةٍ لنفسكِ، ثم حاولي من جديدٍ في الليلة التالية.
• سادسًا: تعلمي الفرق بين محاسبة النفس وجلدها؛ فالمحاسبة تقول: "أخطأتُ، فما الذي أستطيع إصلاحه؟"، أما جلد الذات فيقول: "أخطأتُ، إذن أنا سيئةٌ ولن أتغير"؛ فالأولى تربي النفس، والثانية تحطمها، والله لم يأمركِ بأن تكوني معصومةً، وإنما أمركِ كلما ابتعدتِ أن تعودي.
• سابعًا: لا تنظري إلى الدراسة والعمل وبحث التخرج على أنها أشياء سرقتكِ من الله؛ فإذا صلحت نيتكِ فإن طلب العلم وإتقان العمل والكسب الحلال ومساعدة الأسرة أبواب خيرٍ أيضًا، والتوازن ليس أن تقضي أكثر يومكِ في الأوراد، وإنما أن تحفظي الفرائض، ويكون لكِ نصيبٌ ثابتٌ من القرآن والذكر، ثم تؤدي بقية مسؤولياتكِ بإحسانٍ.
• ثامنًا: أما راتبكِ؛ فلا ترهقي نفسكِ بتقسيمه بطريقةٍ تجعلكِ تشعرين بالتقصير مهما فعلتِ؛ ابدئي بحاجاتكِ والواجبات المالية إن وجدت، ثم مساعدة الأسرة بحسب حاجتهم واستطاعتكِ، واجعلي للصدقة نصيبًا ولو قليلًا ثابتًا، ومنه ما ترسلينه لإخواننا في غزة عن طريق جهةٍ موثوقةٍ؛ والله يقول: {لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ}، فلا يكلفكِ الله أن تنفقي ما لا تملكين.
وأخيرًا: لا تجعلي هدفكِ أن تعودي تمامًا إلى المرحلة القديمة التي كنتِ تشعرين فيها بالقرب من الله بصورةٍ أقوى، بل ابني قربكِ من الله في حياتكِ الجديدة بما فيها من دراسةٍ وعملٍ ومسؤولياتٍ: فرائض ثابتةٌ، وقرآنٌ ولو قليلٌ، وذكرٌ، وتركٌ للحرام قدر الاستطاعة، وتوبةٌ كلما ضعفتِ، وإحسانٌ في عملكِ وأهلكِ؛ فهذا طريقٌ متوازنٌ تستطيعين السير فيه طويلًا.
نسأل الله أن يحبب إليكِ الإيمان ويزينه في قلبكِ، ويعينكِ على ترك ما لا يرضيه، ويرزقكِ محبته وخشيته والرجاء فيه، ويوقظكِ لصلاة الفجر، ويبارك لكِ في دراستكِ وعملكِ ومالكِ، ويصرف عنكِ جلد الذات واليأس، ويجعلكِ كلما ضعفتِ أسرع رجوعًا إليه، والله الموفق.