سورة العصر أثرت في نفسي، فكيف أتجنب الخسران الذي ذكر فيها؟

2026-09-22 03:33:40 | إسلام ويب

السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

قال الله تعالى: {وَالْعَصْرِ ۝١ إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ ۝٢ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ۝٣}.

لا حول ولا قوة إلَّا بالله، لقد ثقلت عليَّ هذه السورة، حتى إنني أصبحتُ في بعض الأحيان أتجنب قراءتها -أعني محتواها وأحكامها-، ولا سيما الآيتين الأخيرتين، ومع أهلي وإخواني خاصةً، فهذه ثلاث آياتٍ تملأ الرأس همومًا وغمًّا، ويكاد الرأس يشتعل شيبًا.

أمسؤولون نحن عن كل ما جاء في هذه السورة؟ كلما قستُ نفسي على هذه السورة العظيمة، وجدتني بعيدًا كل البعد عن محتواها، والله المستعان.

فجزاكم الله خيرًا، كيف أحقق ما في هذه السورة العظيمة من المعاني، وما جاء في مقدمة كتاب «ثلاثة الأصول» -رحم الله صاحبه-، حتى نبتعد عن الخسران، مع مراعاة أنني أعيش في بلاد كفر؟

أفيدونا، جزاكم الله خيرًا، ونرجو المسارعة، حفظكم الله.

الإجابــة:

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ محمد حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبًا بكَ -ولدنا الحبيب- في استشارات إسلام ويب، ونشكر لكَ تواصلكَ مع الموقع، كما نشكر لكَ حرصكَ على السعي في تكميل نفسك وتزكيتها، وهذه نعمةٌ عظيمةٌ منَّ الله تعالى بها عليك، وينبغي أن تستغلها وتشكره عليها.

وأما استغلالها، فينبغي أن توجه هذه الرغبة نحو العمل الصالح الذي ينفعك في دنياك وآخرتك، وأما الشكر، فيتجلى في الدوام والاستمرار على هذا الحال، فنسأل الله تعالى أن يرزقنا وإياك الهداية إلى الصواب والرشد، وأن يجنبنا الغواية والضلال.

وسورة العصر -أيها الحبيب- لا شك في عظمتها ومنزلتها، وقد قال عنها الإمام الشافعي -رحمه الله تعالى-: «لو ما أنزل الله حجةً على خلقه إلَّا هذه السورة لكفتهم»؛ لأنها مشتملةٌ على أصول النجاة والسلامة من الخسران.

ولكنها مع ذلك مبينةٌ لسماحة هذا الدين وسهولته ويسره، فقد جمعت الدين في أمورٍ سهلةٍ يسيرة، وأقسم الله فيها أن الإنسان إذا التزم بهذه الأمور الأربعة، فإنه سالمٌ من الخسران بإذن الله:

• أول هذه الأمور: الإيمان، وهو التصديق الجازم بالقلب بأركان الإيمان الستة.

• ثانيًا: العمل بقدر الاستطاعة بمقتضى هذا الإيمان، فيؤدي الإنسان الفرائض، ويجتنب المحرمات، وإذا زلت قدمه فضيع فريضةً أو ارتكب محرمًا، فإن الله تعالى دعانا إلى التوبة، وأخبرنا أنه يحب التوابين.

وقد أخبر النبي ﷺ عن سنة الله تعالى في خلقه فقال: «لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ، وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ، فَيَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ، فَيَغْفِرُ لَهُمْ».

فالله تعالى قدَّر على العبد أن يقع في شيءٍ من التقصير والنقص؛ ليتوب ويستغفر، فتظهر آثار أسماء الله تعالى: الرحمن، والرحيم، ونحوها من الأسماء الدالة على الرحمة واللطف والبر.

فالإنسان لا يمكن أن يخرج عن هذا الطور الذي جبله الله تعالى عليه، ولا بد أن يخطئ، فكل الناس بعد الأنبياء غير معصومين، وكما قال النبي ﷺ: «كُلُّ ابْنِ آدَمَ خَطَّاءٌ، وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ».

فليس معنى سورة العصر ألَّا يقع الإنسان في الذنب والخطأ والتقصير، بل يؤدي الفرائض، ويجتنب المحرمات، ويصبر على ذلك، وإذا أخطأ يستغفر ويتوب، فتكون هذه التوبة ماحيةً لذنبه، كما قال الرسول ﷺ: «التَّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ».

• ثالثًا: ثم يكون الإنسان ساعيًا ومحاولًا في تكميل الناس الذين حوله، والارتقاء بهم كما ارتقى هو بنفسه، فيحاول أن يساعد الآخرين ويعينهم على الارتقاء بأنفسهم، وأن يأخذوا بأسباب النجاة والسلامة، وهو بهذا يؤدي عبادةً لله تعالى، لكن هذه العبادة أيضًا تكون بحسب القدرة، فقد قال الله تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا}، وقال: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ}.

وقد نهى القرآن النبي ﷺ عن التحسُّر والتَّندم الكثير، الذي كان يصيب الرسول ﷺ حين لا يستمع الناس إلى نصحه، فقال سبحانه: {لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ}، وقال: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}.

فالإنسان مأمورٌ بأن يدعو إلى الله تعالى، وينصح من حوله من الناس بالحكمة والموعظة الحسنة، طالبًا الأجر من الله تعالى، وهذا هو الذي يقدر عليه، وقد قال الرسول ﷺ: «وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ».

• رابعًا: ثم بعد هذا كله لا بد له من الصبر على هذه الأمور، فإنها قد تكون ثقيلةً على النفس، لكنَّ الله تعالى يسهلها وييسرها للصابر.

واعلم -أيها الحبيب- أن ديننا -ولله الحمد- مبنيٌّ على السهولة واليسر، فقد نفى الله تعالى عنَّا الحرج في كتابه الكريم، فقال: {مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ}، والرسول ﷺ وصف دينه بالحنيفية السمحة، والآيات الدالة على التيسير ونفي الحرج كثيرة، وكذلك الأحاديث النبوية.

فلا ينبغي أن تفهم سورة العصر على غير وجه الفهم الصحيح، وينبغي أن يكون الإنسان سائرًا إلى الله تعالى بين الخوف والرجاء، يطمع في عفو الله تعالى ومغفرته ورحمته، ويخاف ذنوبه، ويحذر من أن يصل إلى اليأس من رحمة الله تعالى، فإننا لا ندخل الجنة بأعمالنا، ولكننا ندخلها برحمة الله، كما أخبر بذلك رسول الله ﷺ.

نسأل الله تعالى أن يوفقنا وإياك لكل خير.

www.islamweb.net