أريد دراسة كتاب في الفقه .. فما النصيحة النافعة في هذا الخصوص؟

2026-09-24 00:45:37 | إسلام ويب

السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

لقد نويتُ أن أتعلم الفقه بقدر ما يحتاج إليه المسلم العامي؛ حتى أعبد الله على بصيرة، دون تعمقٍ أو نظرٍ في المسائل الخلافية بين العلماء، فبدأتُ بدراسة كتاب "الفقه الميسر" لنخبةٍ من العلماء، ولكني وجدته مختصرًا بشكلٍ مبالغٍ فيه، ثم قررتُ أن أدرس على الطريقة المذهبية، فاخترتُ المذهب الشافعي؛ حيث إنه المذهب الشائع في مصر، واخترتُ كتاب "الإقناع" للخطيب الشربيني، في شرح متن أبي شجاع، ولكني لم أجد له شرحًا مناسبًا على الإنترنت.

فأرجو من حضرتكم إرشادي إلى الطريقة الصحيحة التي أدرس بها: هل أدرس كتاب "الفقه الميسر"، أم لديكم شرحٌ لكتاب "الإقناع"، أم هناك طريقةٌ أخرى أفضل من هاتين الطريقتين؟

الإجابــة:

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ خالد حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبًا بكَ -ابننا طالب العلم الكريم- في استشارات إسلام ويب، والجواب لكَ كالآتي:

• أولًا: جاء في الصحيحين عن معاوية -رضي الله عنه- أن رسول الله ﷺ قال: «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ»، وفي روايةٍ في غيرهما: «إِنَّمَا الْعِلْمُ بِالتَّعَلُّمِ، وَإِنَّمَا الْفِقْهُ بِالتَّفَقُّهِ، وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ، وَإِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ».

فلعل الله تعالى أراد بكَ خيرًا، فامضِ في هذا المشروع المبارك، وليصحبكَ فيه أولًا إخلاص النية لله تعالى؛ فقد قال الله تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ ۚ وَذَٰلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} وفي الصحيحين عن عمر -رضي الله عنه- أن رسول الله ﷺ قال: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى»، وعن معاذ -رضي الله عنه- أنه قال لرسول الله ﷺ حين بعثه إلى اليمن: أوصني، قال: «أَخْلِصْ دِينَكَ يَكْفِكَ الْقَلِيلُ مِنَ الْعَمَلِ»؛ رواه الحاكم وصححه.

وبدون الإخلاص يكون العمل وبالًا على صاحبه؛ فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله ﷺ قال: «مَنْ تَعَلَّمَ عِلْمًا مِمَّا يُبْتَغَى بِهِ وَجْهُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، لَا يَتَعَلَّمُهُ إِلَّا لِيُصِيبَ بِهِ عَرَضًا مِنَ الدُّنْيَا، لَمْ يَجِدْ عَرْفَ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»؛ يعني: ريحها، (رواه أبو داود وابن ماجه).

وعليكَ بتقوى الله تعالى في السر والعلانية؛ فإنها عونٌ لكَ على طلب العلم والتفقه في الدين، قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ}، فمن اتقى الله تعالى جعل له ملكةً وموهبةً يفرق بها بين الحق والباطل.

• ثانيًا: يجب على المسلم أن يتعلم ويتفقه في الدين ويتبصر؛ حتى يؤدي الواجب، فيعرف كيف يصلي، وكيف يصوم، وكيف يبيع ويشتري، وهكذا يعرف المحرمات التي حرمها الله حتى يحذرها.

ومعلومٌ أن هناك أشياء معلومة من الدين بالضرورة، فيعرف أن الله أوجب عليه الصلاة، وأن الله أوجب الزكاة، وأوجب صيام رمضان، وأوجب الحج مع الاستطاعة، وهذه أمورٌ معروفة، ولكن ينبغي له أن يتفقه فيها، وفي كيفية أداء كلٍّ منها.

• ثالثًا: تختلف طريقة التدريس من بلدٍ إلى آخر؛ فأهل مصر -وبالذات لأنها بلدكم- يبدؤون بمتن أبي شجاع، ثم شرح ابن قاسم، ويعتنون بحاشية البيجوري، ثم "الإقناع" للخطيب الشربيني، ثم متن الزبد لابن رسلان مع "غاية البيان"، ثم المنهاج وشروحه، فيعتنون بشرح المحلي وشرح الرملي.

والحال يختلف في مصر أيضًا في التدريس؛ فتوجد الحلقات العلمية في المساجد والزوايا، ويوجد التعليم النظامي في المعاهد الأزهرية والجامعات.

مع ملاحظة أن قراءتكَ لكتابٍ مختصرٍ في الفقه على طريقة أهل الحديث لا بأس بها، وإن درستَ على طريقة الفقهاء فهو أفضل وأرسخ للعلم، دون تعصب.

• رابعًا: يوصي بعض المشايخ بطريقةٍ مفيدة، وهي أنه بعد أن يصل الطالب إلى المرحلة الأخيرة، فإنه ينتخب كتابًا يجعله سميره ورفيقه في حله وترحاله، يقرأه بنفسه وعلى شيخ، فإذا أشكل عليه شيءٌ سأل الشيخ، ونظر في شروحه وحواشيه، وعلَّق ما يجده من الفوائد والمشكلات، ثم كرر قراءته حتى يستظهره.

وهذه الطريقة أفضل من أن يقرأ الطالب أكثر من كتابٍ دون إتقان فينسي بعضُها بعضًا، فيخرج صفر اليدين من العلم، وقد قيل: كثرة العلوم في الذهن مضلةٌ للفهم، وقال العقاد: «لَأَنْ أَقْرَأَ كِتَابًا مُفِيدًا مَرَّتَيْنِ خَيْرٌ مِنْ أَنْ أَقْرَأَ كِتَابَيْنِ مَرَّةً مَرَّةً».

• خامسًا: والحاصل أن عليكَ أن تتقي الله، وتخلص النية، وتصحب شيخًا من أهل العلم، حيث تبدأ بصغار المتون، وتتدرج إلى أن تصل إلى مرادك، والله في عونك.

أسأل الله لكَ التوفيق في العلم والتعليم والعمل، اللهم آمين.

www.islamweb.net