ترتجف أطرافي في الصلاة بسبب خوفي من المس!
2026-09-24 01:00:17 | إسلام ويب
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
ينتابني شعور بالخوف من المس عندما أصلّي، وعند قراءة القرآن، وحتى عند سماعه، وغالبًا ما يرتجف جسدي عندما أصلّي في المسجد، علمًا أنني أفكّر دائمًا، وبشكل مسبق في هذا الأمر؛ لأنني شاهدتُ في السابق حالاتٍ من المس، وحضرتُ جلساتٍ للرقية، وللأسف، لم تفارقني هذه المشاهد.
أرجو المساعدة والتوضيح، حفظكم الله.
الإجابــة:
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ إبراهيم حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
نشكرك على تواصلك معنا، وثقتك بموقعنا.
فهمنا من رسالتك -أخي الكريم- أنك تعاني من شعور شديد بالخوف من المس عند الصلاة، وعند قراءة القرآن أو سماعه، وأن هذا الخوف يصل إلى حد ارتجاف الجسد، وخاصةً في المسجد.
وقد بيّنت أن هذا الأمر مرتبط بكونك شاهدت في السابق حالات مس، وحضرت مجالس رقية، وأن هذه المشاهد لا تزال عالقة في ذهنك، وتستحضرها مسبقًا قبل أن تصلي أو تقرأ، وهذا شعور مؤلم ومرهق، ونتفهم تمامًا كيف يمكن لمثل هذه المشاهد أن تترك أثرًا عميقًا في النفس.
يمكن أن ننظر إلى هذه المشكلة من زاويتين:
الزاوية الأولى: نفسية بحتة، فمشاهدة مواقف الرقية والمس بشكل متكرر ومباشر تترك في الذاكرة صورًا قوية مشحونة بالخوف، ومع مرور الوقت، يربط الذهن تلقائيًا بين مثير معين، كسماع القرآن أو دخول المسجد، وبين تلك الصور المخزنة، فيستجيب الجسد بردة فعل جسدية كالارتجاف والتوتر، دون وجود سبب حقيقي حالي، وهذا ما يُعرف في علم النفس بالاستجابة الشرطية للقلق، وهي آلية دفاعية تلقائية، وليست دليلًا البتة على وجود مس فعلي، ولا نريد أن نسقط هنا في فخ الإسقاطات التشخيصية، فهذا تفسير عام لما قد يحدث، وليس تشخيصًا إكلينيكيًا.
والزاوية الثانية: إيمانية، فإن كثرة التفكير المسبق في الأمر -كما ذكرت أنت بنفسك- تفتح بابًا للشيطان كي يخوفك ويشوش عليك خشوعك.
فمن المعلوم أن الشيطان يخوف أولياءه ليصدهم عن الطاعة والذكر، قال الله عز وجل: {إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [آل عمران:175]، فالخوف نفسه الذي يعتريك عند الصلاة والقراءة قد يكون من هذا الباب تحديدًا.
ومن الأمور التي سوف تعينك بإذن الله أن تستحضر أن القرآن الكريم رحمة وشفاء، وليس مصدرًا للخوف، قال تعالى: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ} [الإسراء:82].
فكلما استحضرت هذا المعنى قبل القراءة؛ أضعفت أثر تلك الصور القديمة في ذهنك، كما أن المداومة على أذكار الصباح والمساء وآية الكرسي تحصّن القلب والبدن، وتورث الطمأنينة، وقد قال الله تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} [الرعد:28].
وينبغي أيضًا أن تتعوذ بالله من الشيطان الرجيم بيقين وثقة قبل الصلاة وقبل القراءة، كما كان النبي ﷺ يعوّذ الحسن والحسين رضي الله عنهما، فيقول: «أُعِيذُكُمَا بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّةِ، مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ وَهَامَّةٍ، وَمِنْ كُلِّ عَيْنٍ لَامَّةٍ»، فتعلّم منه هذا الدعاء، وردده بقلب حاضر عند دخولك المسجد، وعند شروعك في القراءة.
ومن الناحية العملية، حاول قدر استطاعتك أن تنصرف ذهنيًا عن استحضار مشاهد الرقية التي شاهدتها سابقًا، فكلما استحضرها ذهنك، فاستعذ بالله، واشتغل بالقراءة بصوت هادئ منخفض حتى يهدأ.
وقد يفيدك أن تتدرب تدريجيًا على الطمأنينة، فتبدأ بقراءة آيات قصيرة في مكان هادئ تشعر فيه بالأمان؛ لتعيد ربط سماع القرآن بالسكينة بدلًا من الخوف، ثم تزيد شيئًا فشيئًا.
كما أن تمارين التنفس الهادئ والاسترخاء العضلي قبيل الصلاة، تساعد الجسد على تهدئة نفسه، بدل الدخول في حالة تأهب.
ولا بد أن نذكرك أن كل صلاة تؤديها، وكل آية تقرؤها رغم هذا الخوف، هي في حد ذاتها انتصار وتقرب إلى الله، فاستمر بخطى ثابتة، ولا تنقطع، فالشيطان يريد منك أن تهجر العبادة بسبب هذا الخوف، وأنت بمواصلتها تكسر أثره شيئًا فشيئًا، بإذن الله.
وإن استمر معك هذا الارتجاف الجسدي الشديد، وأثر بشكل كبير على حياتك اليومية وصلاتك، رغم هذه الخطوات، فمن الحكمة أن تستشير أخصائيًا نفسيًا مختصًا باضطرابات القلق، إلى جانب الجانب الإيماني؛ إذ قد يفيدك في مثل هذه الحالة نوع من العلاج السلوكي المعرفي، الذي يعالج هذه الاستجابة الشرطية تحديدًا، فطلب المساعدة المتخصصة ليس ضعفًا، بل هو قوة ورغبة صادقة في الشفاء؛ يقول جميل صدقي الزهاوي:
أَسْرَفْتَ يَا إِبْلِيسُ فِي الْوَسْوَاسِ *** فَأَعُوذُ مِنْكَ بِرَبِّ هَذَا النَّاسِ
ونحن هنا دائمًا إن احتجت إلى مزيد من التوضيح، أو أردت مشاركتنا كيف تسير الأمور معك، فلا تتردد في التواصل من جديد.
نسأل الله أن يذهب عنك هذا الخوف، وأن يملأ قلبك سكينة وطمأنينة، وأن ييسر أمرك، ويشرح صدرك، ويهديك سواء السبيل، والله الموفق.