أتوب من المعاصي ثم أعود إليها مما جعلني أشعر بالإحباط!

2026-09-24 01:43:56 | إسلام ويب

السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أريد العودة إلى الله بصدق، لكنني أشعر أنني لا أستطيع، أو أنني لستُ قويًّا بما يكفي، وأنا أعلم وأؤمن بأن الله غفور رحيم، وأن باب التوبة مفتوح، وأعرف أن من تاب تاب الله عليه، لكن مشكلتي ليست في جهلي بذلك، وإنما في ضعفي وعدم قدرتي على الثبات.

أعاني من التعلق بالشهوات، كالعادة السرية، ومشاهدة الأفلام الإباحية، والنظر إلى النساء، ومشاهدة بعض المسلسلات التي تحتوي على محرمات، وكذلك الاستماع إلى الأغاني، أحذفها وأقرر تركها، ثم أعود إليها وأكرر الأمر نفسه، وأحاول أن أبتعد عن هذه الأشياء، ثم أضعف وأرجع إليها؛ وهذا جعلني أشعر بإحباط شديد من نفسي.

أشعر أنني غير موفق في حياتي، ولا أشعر بالسعادة أو الراحة، ودائمًا يلازمني الضيق والحزن، وتقلب المزاج، والعصبية، وأشعر أن حياتي ضائعة، وأنني تائه.

وأكثر ما يؤلمني أنني لا أستطيع نسيان بعض الذنوب التي فعلتها، فعندما أتذكرها أشعر بالعار والخزي، وأفقد احترامي لنفسي، وأحيانًا أشعر أنني فقدت رجولتي بسبب ما فعلت، والمشكلة أن هذا الشعور، بدلًا من أن يدفعني إلى الصلاح، يدفعني أحيانًا إلى مزيد من المعاصي، وكأنني أقول لنفسي: لقد أفسدت كل شيء، فما فائدة المحاولة؟

أمَّا الصلاة، فقد ابتعدت عنها كثيرًا، وتمر عليَّ فترات لا أصلي فيها، وإذا صليتُ، صليتُ فرضًا وتركتُ آخر، وأشعر أنني فقدتُ القدرة على الالتزام.

أنا لا أريد أن أعيش هكذا، وأريد بصدق أن أرجع إلى الله، وأحافظ على الصلاة، وأترك هذه المعاصي، لكنني أشعر أن إرادتي ضعيفة جدًّا، فكلما بدأتُ انتكستُ، وأشعر أنني أدور في الدائرة نفسها.

• كيف أبدأ من جديد وأنا بهذه الحالة؟
• كيف أتعامل مع الذنوب الماضية، والشعور بالعار والندم، دون أن يتحول ذلك إلى يأس وسبب للوقوع في المزيد من المعاصي؟
• كيف أثبت على الصلاة، وأترك الشهوات والأغاني والمعاصي، وأتخلص من هذه الدائرة التي أعيش فيها؟
• هل مجرد ضعفي وتكرار الانتكاس يعني أن توبتي غير صادقة، أو أنني لا أمل لي في الإصلاح؟

الإجابــة:

بسم الله الرحمن الرحيم
ابننا الفاضل/ محمد حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبًا بك -ابننا الكريم-، وأسأل الله لك التوفيق والسداد في التوبة إلى الله، والثبات على هذا الدين العظيم، وجوابي هو كالتالي:

• أولًا: باب التوبة مفتوح، لا يُغلق حتى تطلع الشمس من مغربها، وأمَّا بالنسبة لكل شخص، فيُغلق باب التوبة إذا بلغت الروح الحلقوم، وقبل ذلك فباب التوبة مفتوح لا يُغلق، فانتبه لنفسك -حفظك الله-، ومهما كانت ذنوب الإنسان، فإن عفو الله تعالى أعظم، قال تعالى: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [الزمر:53]، وقال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ} [الشورى:25]، وقال ﷺ: «التَّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ».

ومع التوبة، أحسن ظنك بالله تعالى، وتب إليه توبة نصوحًا، والتوبة النصوح هي التي تجمع ثلاثة شروط:
الأول: الإقلاع عن المعصية.
والثاني: الندم عليها.
والثالث: العزم على عدم العودة إليها، مع الإكثار من نوافل الطاعات؛ فإن الحسنات يذهبن السيئات، ولا سيما المحافظة على الفرائض، كالصلوات الخمس وصوم رمضان.

• ثانيًا: إذا وقع الإنسان في معصية، فعليه أن يجدد التوبة إلى الله تعالى، وأن يأخذ بالأسباب الآتية:
- الدعاء لله تعالى، والتضرع إليه أن يرزقك الاستقامة، والابتعاد عن هذه المعصية.
- اجتناب أماكن المعصية وأصدقاء السوء، والحرص على صحبة الرفقة الصالحة؛ فلعلك تجد رفقة صالحة تعينك على الخير.
- عدم تتبع ما يثير شهوة الإنسان، ويدعوه إلى تلك المعاصي.

• ثالثًا: أمَّا إحساسك بالإحباط بسبب ذنوبك، فيمكن علاجه بالأمور الآتية:
- عليك بمقاومة الإحباط، وعدم الاستسلام لسيطرة النفس والأفكار السلبية عليك.
- قوِّ إيمانك بالقضاء والقدر، وارضَ بما قدّره الله، مع العلم بأن ما قدّره الله لك كله خير، وأن الله لا يختار لعبده إلا ما فيه الخير، قال تعالى: {وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا} [النساء: 19].
- تعوّد الأخذ بالأسباب، فهذا نبي الله يعقوب عليه السلام يوصي أبناءه، فيقول: {يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} [يوسف:87].
- عزّز يقينك بالله تعالى، وأحسن الظن به جل وعلا.
- تحلَّ بالتفاؤل والأمل، وأحسن الظن بالله تعالى في تفريج الكربات.
- أكثر من الذكر والدعاء، فأكثر من قول: «لا حول ولا قوة إلا بالله»، فلعل الله سبحانه أن يغير أحوالك من العزوبية إلى الزواج، إن شاء الله.
- أكثر من الاستغفار، لقوله ﷺ: «مَنْ لَزِمَ الِاسْتِغْفَارَ جَعَلَ اللَّهُ لَهُ مِنْ كُلِّ ضِيقٍ مَخْرَجًا، وَمِنْ كُلِّ هَمٍّ فَرَجًا، وَرَزَقَهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ»، فأحسن ظنك بالله، وتوكل عليه، وعلّق قلبك بالله وحده، واصدق التوبة مع الله.

• رابعًا: ابننا الكريم، لا بد أن تعلم أن كل خير أصله التوفيق، وهو بيد الله الكريم الرحمن، ومفتاحه الدعاء، والافتقار، وصدق اللجوء إلى الله سبحانه وتعالى، فهو سميع الدعاء، عظيم الرجاء، فاصدق اللجوء إلى الله، وأكثر من الاستغفار، فهو من أسباب الرزق.

• خامسًا: ما ذكرته عن نفسك من ترك الصلاة، أو التقطيع فيها، فهو أمر خطير، فلا بد لك من معرفة عِظَم قدر الصلاة، فللصلاة منزلة عظيمة في الإسلام، لا تعدلها منزلة أي عبادة أخرى، فهي صلة بين العبد وربه، وعماد الدين الذي لا يقوم الدين إلَّا به، وقد قال رسول الله ﷺ: «رَأْسُ الْأَمْرِ الْإِسْلَامُ، وَعَمُودُهُ الصَّلَاةُ، وَذِرْوَةُ سَنَامِهِ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ».

والصلاة هي أول ما أوجبه الله تعالى من العبادات، وأول ما يُحاسب عليه العبد يوم القيامة، كما جاء في حديث عبد الله بن قرط رضي الله عنه، قال: قال رسول الله ﷺ: «أَوَّلُ مَا يُحَاسَبُ بِهِ الْعَبْدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الصَّلَاةُ، فَإِنْ صَلُحَتْ صَلُحَ سَائِرُ عَمَلِهِ، وَإِنْ فَسَدَتْ فَسَدَ سَائِرُ عَمَلِهِ».

والصلاة هي آخر وصية أوصى بها رسول الله ﷺ في آخر حياته، فقال عليه الصلاة والسلام: «الصَّلَاةَ الصَّلَاةَ، وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ».

وقد حذرنا القرآن الكريم من الانشغال عن الصلاة وتأخيرها، فقال تعالى: {فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ} [الماعون:4-5]، أي: يؤخرونها عن أوقاتها، فللصلاة وقت محدد، كما قال تعالى: {إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا} [النساء:103].

وحذرنا القرآن الكريم أيضًا من إضاعة الصلاة، فقال تعالى: {فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا} [مريم:59]، فعليك بالمحافظة على الصلاة، وقد أمرنا الله بذلك، فقال: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} [البقرة:238].

وفي مسند أحمد، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، عن النبي ﷺ أنه ذكر الصلاة يومًا، فقال: «مَنْ حَافَظَ عَلَيْهَا كَانَتْ لَهُ نُورًا وَبُرْهَانًا وَنَجَاةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ لَمْ يُحَافِظْ عَلَيْهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ نُورٌ وَلَا بُرْهَانٌ وَلَا نَجَاةٌ، وَكَانَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَعَ قَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَأُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ».

• سادسًا: بالنسبة إلى العادة السرية، فهي لا شك ولا ريب عادة سيئة، وأكثر العلماء على تحريمها، وهذا مذهب جمهور العلماء، وقد قال الله تعالى: {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَىٰ وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ} [المعارج: 29-31].

وللعادة السرية أضرار صحية على الإنسان، ذكرها المتخصصون، منها الضعف الجنسي، وسرعة الإنزال، وربما أدت إلى العقم عند الإسراف في استعمالها، وهي أيضًا سبب للاكتئاب، وعدم التركيز في القراءة، وغير ذلك من الأضرار البدنية والنفسية، وهناك بعض الحلول لمواجهة هذه المشكلة، منها:

- المبادرة بالزواج عند الإمكان.
- الاعتدال في الأكل والشرب، حتى لا تثور الشهوة.
- الصيام، لحديث ابن مسعود رضي الله عنه، قال: قال رسول الله ﷺ: «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ، فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ».
- الابتعاد عن كل ما يهيّج الشهوة، من الاستماع إلى الأغاني، والنظر إلى الصور الفاتنة، وكل ما يثير الغريزة في النفس.

• سابعًا: هذه الأفكار الجنسية التي تقودك إلى العادة السرية أو مشاهدة المواد الإباحية، كلما اعترتك، حاول أن تحسن التعامل معها بقطعها، وعدم الاسترسال فيها، واشغل وقتك، واهتم بدراستك، حتى تكون لك وظيفة تستطيع بها أن تتزوج، فالزواج هو الحصن الأعظم.

وحتى لو وقعت في هذه الأمور، سواء العادة السرية أو مشاهدة المواد الإباحية، فتوضأ، وصلِّ ركعتين، وجدد التوبة إلى الله سبحانه وتعالى، وادعُ الله تعالى أن يحصّن فرجك، ويحفظ بصرك.

• ثامنًا: عليك ببعض الحلول والأسباب التي تبعدك عن مشاهدة الأفلام والمشاهد الإباحية، ومنها ما يأتي:
- اجعل هذه العبارة نصب عينيك: «يا عبدي، أجعلتني أهون الناظرين إليك؟».
- أشغل نفسك بالخير والرياضة، وصحبة الأخيار من الشباب الصالح، ولا سيما الأقارب، وأشغل نفسك بالنافع المفيد.
- لا تنم إلَّا وأنت محتاج إلى النوم.
- لا تنفرد بالجهاز الذي يوصلك إلى ما يثير الغريزة، ولا تغلق بابًا مفتوحًا.
- عليك بالدعاء لله تعالى، والتضرع إليه أن يرزقك الاستقامة، والابتعاد عن هذه المعصية.
- لا تتتبع ما يثير شهوة الإنسان، ولا سيما ما يُعرض من مفاتن النساء.
- احرص على صحبة الرفقة الصالحة، وعليك بالمساجد، فإنها موطن الصالحين.
- اطلب الحلال الطيب، وهو الزواج، كما قال لنا رسول الله ﷺ: «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ...».

• تاسعًا: قد ينتابك الضيق والحزن بسبب الظروف التي تمر بها، وبسبب الانغماس في بعض المعاصي التي ذكرتها، فعليك باللجوء إلى الله تعالى، الذي بيده مقاليد كل شيء ومفاتيح الخير، مع الأخذ بالأسباب الشرعية والمادية، وأكثر من الذكر، ولا سيما قول: «لا حول ولا قوة إلا بالله»، فإنها كنز من كنوز الجنة، كما قال النبي ﷺ.

وعليك أيضًا بهذا الأذكار الواردة عن النبي ﷺ: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْعَظِيمُ الْحَلِيمُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَرَبُّ الْأَرْضِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ»، «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ، وَالْعَجْزِ وَالْكَسَلِ، وَالْبُخْلِ وَالْجُبْنِ، وَضَلَعِ الدَّيْنِ وَغَلَبَةِ الرِّجَالِ».

• عاشرًا: تفقّد مواضع الخلل والزلل في نفسك، مع الأخذ بالأسباب الشرعية والمادية، وانهض بحياتك إلى الأفضل والأكمل، وتوكل على رب الأرض والسماء.

نسأل الله تعالى بمنّه وكرمه وفضله أن يمنّ عليك بالخيرات، والتوفيق، والتيسير في حياتك كلها، اللهم آمين، والله الموفق.

www.islamweb.net